facebook بين زيارتَيْ الرئيس الصينيّ: تغيّرت الرياض وتغيّرت المنطقة

بين زيارتَيْ الرئيس الصينيّ: تغيّرت الرياض وتغيّرت المنطقة

عبادة اللدن - الأربعاء 14 كانون الأول 2022

تغيّر الفضاء الجيوسياسي كثيراً بين الزيارة السابقة للرئيس الصيني شي جين بينغ للسعودية مطلع عام 2016، وزيارته الأخيرة قبل أيام.

قبل سبع سنوات، كان باراك أوباما لا يزال في البيت الأبيض، وكانت المنطقة تعيش ارتدادات الاتّفاق النووي الذي أطلق يد إيران في الإقليم، فيما كانت اقتصادات دول الخليج تواجه أثر الانخفاض الحادّ لأسعار النفط منذ منتصف عام 2014، الذي أوقع ميزانيّاتها في عجوزات هائلة، تجاوزت عُشر الناتج المحلّي الإجمالي في بعض الدول.

 

اختلاف المزاج الأميركيّ

في ذلك الحين كان هناك من يقول إنّ الولايات المتحدة لم تعد بها حاجة إلى تحمُّل تكاليف إبقاء حاملة طائرات أو حاملتين في الخليج العربي لتأمين إمدادات النفط، فيما يذهب الجزء الأكبر من هذه الإمدادات إلى الصين. في هذه الأيام مزاج مختلف في واشنطن، فما يناقشه الإعلام الأميركي ومراكز الأبحاث ليس تكلفة البقاء في الخليج، بل عواقب إخلاء الساحة للصين.

تغيّر الفضاء الجيوسياسي كثيراً بين الزيارة السابقة للرئيس الصيني شي جين بينغ للسعودية مطلع عام 2016، وزيارته الأخيرة قبل أيام

التحوُّل في السعوديّة

منذ ذلك الحين، حدث تحوّل اقتصادي كبير في السعودية كانت ركيزته "رؤية 2030"، التي أثمرت هذا العام تحقيق أوّل فائض في الميزانية العامّة منذ عام 2013، بأكثر من 27 مليار دولار، وتسجيل أعلى معدّل للنموّ الاقتصادي بين دول مجموعة العشرين، بنسبة 8.5%. والأهمّ من الأرقام الاتجاه الاستراتيجي، في الاقتصاد والسياسة، وهنا بيت القصيد في العلاقات السعودية الصينية.

في الإطار الاستراتيجي الاقتصادي للعلاقة بين الرياض وبكين أربعة عناوين أساسية يمكنها أن تعيد رسم خريطة القوى الناعمة عالميّاً، وليس فقط على المستوى الإقليمي:

1- الطاقة: وهو عنوان يرتكز إلى النفط لكنّه لا يتوقّف عنده. فالسعودية، كما هو معروف، أكبر مصدّر للنفط إلى الصين، وتزوّدها بخُمس ما تستورده من النفط الخام تقريباً، أي ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً أي ربع صادرات النفط السعودي تقريباً. وأهميّة هذه الإمدادات ليست في حجمها فقط، بل في السمعة التي بنتها "أرامكو" السعودية كمزوّد موثوق على مدى عشرات السنين، بلا انقطاعات أو تقلّبات.

يتفرّع من هذا العنوان ملفّ لا يقلّ أهمية في الساحة الدولية، وهو خفض الانبعاثات الكربونية ومكافحة التغيّر المناخي. فالسعودية والصين تختلفان مع مقاربتَيْ الولايات المتحدة الأميركية  وأوروبا، من حيث إنّهما تضخّان استثمارات ضخمة في الطاقة الخضراء، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الهيدروجين، لكنّ الجميع يتّفق على استمرار الحاجة إلى النفط والغاز لعقود مقبلة، وتبنّي مقاربات تكنولوجية لخفض الانبعاثات، ولا سيّما من خلال مفهوم "الاقتصاد الدائري للكربون".

2- النظام الماليّ: تولي الصين أهميّة استراتيجية لنشر نظام المدفوعات الخاص بها CIPS، الموازي لـ "سويفت"، في إطار استراتيجية طويلة المدى لإدخال العملة الصينية إلى النظام المالي العالمي، والحدّ من هيمنة الدولار على التجارة الدولية. وقد أعلن الرئيس الصيني في كلمته أمام قادة دول الخليج رغبته في استخدام هذا النظام لتسوية مدفوعات التجارة النفطية باليوان الصيني عبر بورصة شنغهاي.

3- سلاسل الإمداد: في مقابل مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، لدى السعودية "برنامج الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية"، المعروف اختصاراً باسم "ندلب"، وهو برنامج يندرج في إطار "رؤية 2030"، ويهدف إلى إدخال المملكة في سلاسل الإمداد العالمية للصناعة والتجارة الدولية. وملخّص الفكرة أنّ السعودية تنتج النفط والموادّ البتروكيمياوية الأساسية منذ عقود، لكنّها بدأت في السنوات العشر الأخيرة بتوسيع سلسلة الإمداد لديها لتنتج المزيد من المنتجات النهائية، وحتى أطلقت مشاريع لثلاثة مصانع للسيارات الكهربائية، وتعمل على تأسيس صناعات لهياكل الطائرات والأدوية والكيميائيات الأساسية والتجهيزات التكنولوجية المتقدّمة.

أمّا الجانب الآخر من هذا العنوان فهو موقع السعودية في خريطة التجارة العالمية. فالصين تستجمع الأوراق لمبادرتها "الحزام والطريق" (BRI)، وباتت تنظر إلى السعودية، والخليج عموماً، كنقطة ارتكاز استراتيجية، في منتصف طريق التجارة الدولية بين الشرق والغرب، سواء من ناحية الخليج أو ناحية البحر الأحمر. وفي هذا السياق يمكن فهم دخول شركة "كوسكو" الصينية في استثمار بنسبة 20% في محطة "بوّابة البحر الأحمر" بميناء جدّة، ليصبح هذا الميناء مرتكزاً لحركة التجارة العالمية في البحر الأحمر الذي تمرّ فيه 13% من التجارة العالمية.

4- التكنولوجيا: وهذا عنوان لملفّ متفجّر في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، منذ أن أطلقت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الحرب على نشر شبكات الجيل الخامس الصينية في دول العالم، وفرضت عقوبات مشدّدة على شركة "هواوي"، وجعلت من ملفّ "النقل القسري للتكنولوجيا" ملفّاً أساسياً في المفاوضات التجارية بين القوّتين العظميين.

ولا غرابة في أن يذكر الرئيس الصيني هذا العنوان بالذات في كلمته أمام القمّة الخليجية الصينية، ويذكر من بين أولويّاته التعاون في نشر شبكات الجيلين الخامس والسادس. وقد وقّعت "هواوي" بالفعل اتفاقيات ذات أهميّة استراتيجية في مجال الحوسبة السحابية وتخزين البيانات والشبكات الفائقة السرعة.

هل تكفي هذه العناوين لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في الإقليم؟

ثمّة مفارقة تتعلّق بالطرف الثالث الذي لم يكن حاضراً في قمم الرياض: الولايات المتحدة. فمنذ عهد أوباما، سرت في واشنطن مقولة تراجع أهميّة الشرق الأوسط في العقيدة الاستراتيجية الأميركية، وتحوُّل تركيزها إلى الصين والشرق الأقصى. فإذا بالصين تلقي بثقلها لتوسيع حضورها في الشرق الأوسط.

إقرأ أيضاً: الصين في الرياض… 72 ساعة تُزعج أميركا

حاجات السياسة الأميركيّة على المدى البعيد

ما من شكّ أنّ الأميركيين لا يزالون في موقع لا يُضاهَى في النظام الأمني الإقليمي، لكنّ الحفاظ على هذا الموقع على المدى البعيد يتطلّب من السياسة الخارجية الأميركية أن تكون أكثر موثوقيةً وثباتاً للحلفاء، بعيداً عن تقلّبات أمزجة الرؤساء. ومهما تغيّر في واشنطن، تفرض زيارة الرئيس الصيني والقمم الثلاث (السعودية والخليجية والصينية) حقيقتين استراتيجيّتين: الأولى أنّ الأميركيين لم يعودوا وحدهم في الفضاء الإقليمي، والثانية أنّ الشرق الأوسط مركز أساس للتنافس الدولي.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: OAlladan@