facebook لبنان أكثر من مسألة دستوريّة

لبنان أكثر من مسألة دستوريّة

محمد السماك - الأربعاء 30 تشرين الثاني 2022

منذ أن انتهت رئاسة الجنرال ميشال عون، ومجلس النواب يدور في حلقة مفرغة لانتخاب رئيس جديد. يُعزى فشل عهد الرئيس عون، وفشل مجلس النواب في انتخاب رئيس جديد حتى الآن إلى اتفاق الطائف والدستور الذي انبثق عنه. حاول الرئيس عون تعديل الدستور بالممارسة من دون جدوى. ويحاول مجلس النواب اليوم الالتفاف عليه من دون جدوى أيضاً.

ليس تعديل الدستور، أو حتى تغييره، في حدّ ذاتهما مشكلة كبيرة. فمنذ الدستور الفرنسي الأوّل الذي أُقرّ في عام 1791 اعتمدت فرنسا 16 دستوراً مختلفاً. وحتى دستورها الحالي الذي اعتمدته في عام 1958 جرى تعديله عشرات المرّات حتى الآن.

اقتبس لبنان معظم موادّ دستوره من الدستور الفرنسي، لكنّه لم يواكب التغيير الفرنسي في أسبابه وتجلّياته إلى أن اصطدم بجدار المتغيّرات، وتوجّه مضطرّاً إلى الطائف بعد "حرب أهليّة" أودت بحياة الآلاف، وكان السلم الأهليّ أوّل ضحاياها.

الدساتير ليست خالدة

في شهر أيلول الماضي، صوّتت تشيلي على نصّ دستور جديد. وفي تشيلي جالية لبنانية كبيرة. ويتضمّن هذا الدستور الجديد نصّاً دستوريّاً جرى تعليق العمل به 60 مرّة منذ عام 1980.

اقتبس لبنان معظم موادّ دستوره من الدستور الفرنسي، لكنّه لم يواكب التغيير الفرنسي في أسبابه وتجلّياته إلى أن اصطدم بجدار المتغيّرات، وتوجّه مضطرّاً إلى الطائف بعد "حرب أهليّة" أودت بحياة الآلاف، وكان السلم الأهليّ أوّل ضحاياها

في الأساس، لا توجد دساتير دائمة وخالدة. يقدِّر الخبراء عمر الدستور في دول أميركا الجنوبية بحوالي 16 سنة فقط، أمّا في أوروبا الأكثر استقراراً، فإنّ متوسط عمر الدستور في دولها لا يزيد على 77 سنة فقط. من هنا كان مبدأ "تقديس" الدستور مبدأ خاطئاً. ولكن قبل تعديله يكون الالتزام به مقدّساً. وهو ما لم يحترمه الرئيس الذي انتهت ولايته.

هناك آليّة لتعديل الدستور تبرّرها أسباب موجبة. ما حدث في لبنان خلال السنوات الستّ الأخيرة أنّ الآليّة كانت ذاتية ومزاجية، بل ويمكن القول إنّها كانت انتقامية وانتقائية، في محاولة لإعادة الأمور في لبنان إلى ما كانت عليه قبل ميثاق الطائف وقبل الدستور الذي ارتكز على موادّ هذا الميثاق.

عندما عدّلت بريطانيا دستورها كان ذلك استجابة لقواعد الالتزام باستراتيجية الاتحاد الأوروبي. وهو ما قامت به فرنسا والدول الأوروبية الأخرى. فالتعديل تفرضه أسباب موجبة. أمّا محاولة التعديل في لبنان فكانت تفرضها أسباب شخصية أدّت إلى غرق لبنان في وحول أزمة، فتعطّل اتّخاذ القرار السياسي – الوطني على مدى الأعوام الستّة الأخيرة.

عندما عدّلت الولايات المتحدة دستورها في عام 1947 حدث ذلك من أجل "تحديد" فترة رئاسة الرئيس.

وعندما عدّلت إيرلندا دستورها في عام 2018 حدث ذلك استجابة للانقلاب على نصّ دستوريّ كان يحرّم الإجهاض، علماً بأنّ إيرلندا دولة كاثوليكية، والكنيسة تحرّم الإجهاض.

أمّا التعديل الدستوري من أجل أن يصبح الرئيس قويّاً فهي ظاهرة عرفتها روسيا في الاستفتاء على الدستور الذي جرى في عام 2020 في عهد الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، وعرفها لبنان في عهد الرئيس المنتهية ولايته الجنرال ميشال عون من خلال مجموعة من المواقف والقرارات الفردية.

إقرأ أيضاً: "الخارج" للمرّة الأولى: دبّروا رئيسكم بأنفسكم

الديكتاتور والطوباويّ يعبثان بالدساتير

اثنان يعبثان بالدستور. الديكتاتور والطوباويّ. لم يكن الجنرال عون ديكتاتوراً. كان طوباويّاً يؤمن بأنّه صاحب رسالة، وأنّ رسالته هي "تحرير" لبنان من الأثقال التي فرضها عليه اتفاق الطائف. وفي ذلك يلتقي مع طوباويّة الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي نقل تونس من دستور 2014 الذي اعتمده التونسيون بعد ثلاث سنوات من انتهاء حكم الرئيس الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي، إلى دستور جديد يبعده عن الطوباوية ويمنحه صلاحيّات شبه مطلقة. وهو في ذلك يشكّل نموذجاً للحالة التي يصفها عالِمان سياسيان، هما روزالية ديكسون من جامعة نيوساوث ويلز في سيدني بأستراليا، وديفيد لاندو من جامعة فلوريدا في الولايات المتحدة، باستقلال السلطة "الدستورية" الذي يفسّرانه العالِمان بأنّه استغلال للديمقراطية والليبرالية من أجل تبرير منح سلطات مستبدّة لحكّام أوتوقراطيين بما يؤدّي إلى تآكل الديمقراطية. وربّما كان لبنان في السنوات الستّ الأخيرة نموذجاً لهذه الحالة أيضاً. وهي الحالة التي يحاول الخروج منها بدون جدوى.