فيصل الصايغ لـ"أساس": بلا تشريعات.. سيضيع الترسيم

فيصل الصايغ لـ"أساس": بلا تشريعات.. سيضيع الترسيم

أساس ميديا - الثلاثاء 29 تشرين الثاني 2022

شكّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل منعطفاً على المستويات السياسية والاقتصادية، وإنجازاً مهمّاً تمّ تحقيقه بالتقاط اللحظة المناسبة لتقاطع معطيات ومتغيّرات إقليمية ودولية. وكان فرصة نادرة ومؤاتية ضمن محاولات الخروج من حالة الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي. وهو الأمر الذي استدعى نقل النقاش في الاتفاق من حيّز التشكُّك والاتّهامات بتقديم التنازلات أو ادّعاء الانتصارات بهدف التوظيف السياسي، إلى حيّز النقاش الموضوعي لتحصينه وضمان تنفيذه بتهيئة البيئة السياسية والتنظيمية اللازمة لتشجيع الشركات على الاستثمار في التنقيب والاستخراج.

فهل جاء الاتفاق في سياق تسوية إقليمية دولية أم في لحظة تقاطع مصالح آنيّة في ضوء تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، والحاجة إلى غاز شرق المتوسط، معطوفة على حاجة إسرائيل إلى التهدئة والاستقرار لضمان استخراج الغاز من حقولها الشمالية؟

هل يشكّل الاتفاق مقدّمة لتسوية الأزمة السياسية المستعصية في لبنان؟ وما هي ملامح هذه التسوية؟

ماذا عن ترسيم الحدود البحرية مع سوريا؟ وهل يتطلّب ذلك نضوج ظروف شبيهة بظروف ترسيم الحدود الجنوبية؟

هل يتطلّب التنفيذ تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي، خاصة لناحية تحقيق الإصلاحات السياسية والإدارية، وتفعيل دور هيئة قطاع البترول وجعلها هيئة ناظمة، وإنشاء شركة نفط وطنية إلخ..؟

يمكن القول إنّ استغلال هذه الثروة يتطلّب وجود حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني في الدول المنتجة، والأهمّ وجود حالة من الاستقرار

في محاولة للإجابة على هذه التساؤلات ولإثراء النقاش المطلوب، وانطلاقاً من دوره السياسي والإعلامي، بادر موقع "أساس" إلى تنظيم ندوة حوارية شارك فيها كلّ من الوزير والنائب السابق ياسين جابر، والنائب جورج عقيص، والنائب فيصل الصايغ. وقام تلفزيون "الجديد" مشكوراً بنقل الندوة على الهواء مباشرة، وتولّى الزميل محمد زينب مهمّة الحوار التلفزيوني، في حين أدار النقاش الزميل ياسر هلال.

بعد جابر وعقيص، ينشر "أساس" اليوم مشاركة الصايغ، في حلقة أخيرة.

 

أريد أن أتناول الموضوع من منظار اقتصادي، لأنّه يشكّل العامل الرئيسي في التطوّرات التي يجب بحثها. فاستغلال ثروات النفط والغاز لم يكن يوماً بيد الدولة التي تمتلكها، بل كان ولا يزال بأيدي الدول العظمى، وأميركا تحديداً، والشركات النفطية الكبرى. فهي التي تحدّد الدولة أو المنطقة التي يتمّ فيها التنقيب والاستخراج، ومتى، والمكان الذي يُصدَّر إليه الإنتاج، والكميّات والأسعار. ونستذكر في هذا السياق أنّه تمّ اكتشاف النفط والغاز في لبنان في ستّينيات القرن الماضي، لكن لأسباب "معروفة ـ مجهولة" أُقفلت الآبار وغادرت الشركات. ونستذكر أيضاً المسوحات الزلزالية التي أجرتها شركة "سبكتروم" خلال عامَيْ 2000 و2002، بطلب من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي أثبتت وجود العديد من مكامن الغاز وربّما النفط. ولكنّ الملف أُقفل، و"راحوا ما رجعوا". أمّا اليوم فهناك قرار دوليّ بأنّ الوقت قد حان لاستغلال ثروة النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، سواء في مصر أو قبرص أو إسرائيل أو في لبنان وسوريا لاحقاً.

وإذا شئنا ربط هذه الحقيقة بأسئلة "أساس"، فيمكن القول إنّ استغلال هذه الثروة يتطلّب وجود حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني في الدول المنتجة، والأهمّ وجود حالة من الاستقرار، والابتعاد عن الحروب والنزاعات العسكرية بين دول المنطقة. وبغير ذلك يستحيل أن تقدم الشركات النفطية على ضخّ استثمارات بعشرات مليارات الدولارات في أعمال التنقيب والاستخراج، ثمّ في بناء مرافق المعالجة والتصدير من محطات تسييل أو خطوط أنابيب.

انطلاقاً من هذين البعدين الاقتصادي والسياسي، نؤيّد ما ذكره الوزير السابق ياسين جابر من أنّ الحرب الأوكرانية - الروسية وتزايد حاجة أوروبا إلى الغاز عزّزا وسرّعا جهود البحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، علماً أنّ الصادرات المتاحة حالياً من شرق المتوسط لا تشكّل إلا نسبة ضئيلة من حاجات أوروبا. ولكن على المديين المتوسط والبعيد قد يكون هناك احتياطيات كبيرة لم يتمّ اكتشافها أو لم يتمّ الكشف عنها.

بعد اتفاق الترسيم سندخل مرحلة التنقيب والاستخراج والتصدير التي تستوجب وجود بيئة سياسية وإدارية مستقرّة وبيئة تشريعية وتنظيمية ملائمة

تسوية كبيرة في المنطقة؟

الواضح "إنو عم يركب شي بالمنطقة" استناداً إلى ملف ثروة النفط والغاز. وإضافة إلى ما ذكرناه عن الاستقرار السياسي والأمني بما هو شرط للاستثمار، هناك قضية ثانية تتعلّق بما قد تفرضه متطلّبات التصدير من صيغ للتعاون أو التنسيق بين دول المنطقة. فلا يكفي اكتشاف الغاز واستخراجه، فالمهمّ أيضاً المكان الذي سيُصدَّر إليه وكيف. والخيارات المتاحة أمام لبنان معروفة، وهي إمّا تصديره إلى محطات التسييل في مصر بما يعنيه ذلك من ربط مع شبكة خطوط الأنابيب الإسرائيلية والقبرصية والمصرية، وهو الخيار الأسهل والأرخص، وإمّا الربط مع خط الغاز العربي واستكماله ليصل إلى تركيا، وهو خيار دونه عقبات سياسية تتعلّق بالوضع في سوريا. إضافة إلى عقبات تجارية تتعلّق بالتكلفة والجدوى الاقتصادية في ظلّ عدم وجود كميات كبيرة من الغاز حتى الآن. وهناك طبعاً خيار ثالث هو مشروع خط أنابيب بحري من شرق المتوسط إلى تركيا. ويبدو واضحاً أنّ كلّ هذه الخيارات تتطلّب قدراً كبيراً من الاستقرار السياسي والتعاون الإقليمي.

تتّضح الصورة أكثر بالنظر إلى الحاجة إلى تصدير النفط والغاز الإيرانييَّن والعراقييَّن. فهل يتمّ مثلاً اعتماد صيغة لتصدير غاز شرق المتوسط من خلال "بلوك" يضمّ مصر وقبرص وإسرائيل ولبنان، وسوريا لاحقاً، بالتعاون مع تركيا وروسيا، وبغطاء أميركي طبعاً، على أن يتمّ اعتماد صيغة أخرى أو "بلوك" موازٍ يضمّ إيران والعراق. ويصبّ في هذا السياق التطوّر السياسي اللافت الذي حصل في العراق أخيراً والذي شكّل انتصاراً كبيراً لإيران بموافقة أميركية طبعاً. وهناك صعوبة في جزم مسار التطوّرات نظراً إلى تشابك المعطيات والمتغيّرات. وهو ما يستدعي الكثير من التروّي في الاستنتاجات، والأهمّ الكثير من الحكمة لتحصين الاستقرار الداخلي.

دعنا نسمِّ الأشياء بأسمائها، وسأوجز كلامي بثلاث نقاط هي:

1- اتفاقية الترسيم ستؤدّي على المستوى السياسي إلى الاستقرار والعودة إلى ما يشبه هدنة عام 1949، وهذا يعني أن لا حرب ولا تطبيع مع إسرائيل، وحتماً العدوّ الإسرائيلي سيبقى العدوّ الإسرائيلي. وستبقى العديد من نقاط الخلاف والصراع العالقة معه، سواء تلك المتعلّقة بالنقطة البرّية لانطلاق خط الترسيم، أو الأخرى المتّصلة ببعض بنود الاتفاق نفسه، إضافة بالطبع إلى العداء الذي سيبقى قائماً ما دامت القضية الفلسطينية لم تُحلّ.

2- اتفاقية الترسيم تشكّل إنجازاً تمّ تحقيقه بالتقاط لحظة تقاطعات سياسية واقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي. ولم يعد مقبولاً أن نبقى عالقين عند الخط 23 أو 29. ولا عند مَن انتصر ومَن تنازل. فلبنان تنازل وإسرائيل تنازلت، وفي النهاية تمكّن الراعي الأميركي من إخراج اتفاق حفظ ماء وجه الجانبين، وسمح للمسؤولين في كلا البلدين بالقول: "لقد انتصرنا وأجبرنا العدوّ على التنازل". المهمّ بالنسبة إلى لبنان أنّ الاتفاق تمّ استناداً إلى الخط الرسمي 23 (زائد حقل قانا). وكلّ ما يمكن قوله هنا: "يا ليت ارتضينا توقيع هذا الاتفاق عندما توصّل دولة الرئيس نبيه بري إلى اتفاق الإطار بعد سنوات من المفاوضات الشاقّة، أو حتى السنة الماضية خلال مفاوضات الناقورة".

3- التسوية الداخلية والاستفادة من الاتفاق لاستغلال ثروة الغاز والنفط تتطلّبان توافر شرطين متلازمين: الأول هو إعادة بناء الدولة، على أن تكون دولة حقيقية ذات سيادة كاملة ونظام يقوم على الشفافية والحوكمة بعيداً عن الفساد والمحاصصة الحزبية والطائفية. والثاني هو ترسيخ هويّة البلد السياسية من خلال تثبيت وتنفيذ اتفاق الطائف الذي كرّس إلى غير رجعة هويّة لبنان العربية واعتباره مكوّناً رئيسياً في المنظومة العربية والدولية. وبغير ذلك سيكون عبثاً الحديث عن استغلال الثروة النفطية، حتى لو نصّ اتفاق الترسيم على ضمانات لاستخراج الغاز. وخير دليل على ما نقول فنزويلا وإيران اللتان تعجزان عن استغلال ثروتهما النفطية الضخمة بسبب خيارهما السياسي. ونختم بما بدأنا به: "استغلال ثروات النفط والغاز لم يكن يوماً بيد الدولة التي تمتلكها".

 

ماذا عن خطّ الطفّافات؟

مسألة خطّ الطفّافات التي بقيت عالقة على الحدود البحرية وُضعت لها ضوابط مع ضمانات أميركية بأنّها لن تؤدّي إلى عدم استقرار. واستند الجانب الأميركي والإسرائيلي في ذلك إلى أنّ انطلاق الخطّ البحري من النقطة B1 له تداعيات أمنيّة وعسكرية باعتبار أنّ البلدين في حال حرب. هذا الخط مؤقّت ويشبه الخط الأزرق البرّي. وسيتمكّن لبنان من تثبيت حقّه بالنقطة B1، في مرحلة لاحقة تكون فيها الاعتبارات الأمنيّة والعسكرية أكثر بعثاً على الطمأنينة، والضمانات أكثر رسوخاً.

في الأساس يتعلّق اتفاق الترسيم بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، أكثر منه بترسيم الحدود مع العدوّ الإسرائيلي. فالترسيم الجغرافي النهائي بحراً أو برّاً يخضع حالياً لربط نزاع، إذا صحّ التعبير، بانتظار مرحلة السلام العادل والشامل الذي يحفظ حقوق الفلسطينيين وفق مقرّرات قمّة بيروت.

بالتأكيد ستكون هناك مشكلة في البلوكات الشمالية تحتاج إلى معالجة. وقد تحتاج إلى نضوج الظروف الإقليمية والدولية كما حدث في ترسيم الحدود الجنوبية. وحتماً الجانب السوري يريد ثمناً للترسيم لا يكون من لبنان وحده. لذلك سيأتي هذا الأمر في إطار مفاوضات دولية وإقليمية تترافق مع التسوية التي يُحكى عنها والتي بدأت بوادرها في لبنان عبر الترسيم مع إسرائيل.

الآن إلى أين؟

بعد اتفاق الترسيم سندخل مرحلة التنقيب والاستخراج والتصدير التي تستوجب وجود بيئة سياسية وإدارية مستقرّة وبيئة تشريعية وتنظيمية ملائمة. فكيف يمكن لشركة "توتال" وغيرها أن تعمل في بلد القضاء فيه معتكف عن العمل، والإدارات العامة شبه مقفلة أو تعمل بدوام جزئي، ولا يوجد فيه قطاع مصرفي يقدّم الخدمات اللازمة لها ولموظّفيها وللشركات التي ستتعاقد معها من الباطن؟

كيف يمكن لأيّ شركة أن تعمل في بلد لا تتمتّع فيه السلطة القضائية باستقلاليّة تامّة. لذلك الخطوة الأولى على هذا الطريق الطويل هي انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة والبدء بورشة شاملة للإصلاح السياسي والإداري.

أمّا في ما يتعلّق بهيئة قطاع البترول، فقد حان الوقت للخروج نهائياً من بدعة اعتبار الهيئات الناظمة مجرّد هيئات استشارية، سواء في النفط أو الكهرباء أو الاتصالات أو غيرها. فقد نشأت فكرة الهيئة الناظمة في مؤتمرَيْ باريس 1 وباريس 2، من أجل تحقيق الحوكمة والشفافية وفصل السياسة عن العمل الاقتصادي والإداري وإخراجه من دائرة المحاصصة والكيد السياسي. لكن للأسف تمّ تعطيل هذه الآليّة من قبل فريق سياسي معروف، إمّا بمنع إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإمّا بتحويل الهيئة الناظمة للنفط إلى هيئة ملحقة بوزارة الطاقة، وتحويل أعضاء مجلس الإدارة إلى موظّفين عند الوزير، بحيث لا يستطيع أحدهم المشاركة في ندوة حوارية بدون إذن الوزير كما حدث اليوم.

نختم بالقضية الأهمّ المتعلّقة باستكمال البنية التشريعية، وفي مقدَّمها إنشاء شركة وطنية للنفط وإدارة العائدات المالية للنفط والغاز. لقد قدّم الحزب التقدّمي الاشتراكي مشروع قانون، وكذلك كتلة التنمية والتحرير، لإنشاء صندوق سيادي لحفظ وإدارة هذه العائدات ومنع التصرّف بها، كما حصل مع احتياط الذهب، إلّا وفق ضوابط ومعايير واضحة.

إقرأ أيضاً: عقيص لـ"أساس": بلا رئيس جمهوريّة.. لا قيمة للترسيم

يجب وضع هذا القانون على نار حامية لإقراره في أقرب فرصة ممكنة، وعدم الأخذ بمقولة تأجيله لأنّ استخراج الغاز وبدء تكوين العائدات المالية لن يتمّا قبل عدّة سنوات. كما هي العادة، يتطلّب إقرار القوانين وقتاً طويلاً، وقد يكون استخراج الغاز أسرع ممّا نتوقّع في ضوء معطيات لن تُعرَف قبل الحفر، مثل وجود كميّات ضخمة وعلى أعماق مقبولة مثلاً. ففي هذه الحالات تخصّص الشركات المزيد من الجهد والاستثمارات للإسراع في الاستخراج، كما حدث في حقل ظهر المصري.