طرابلس القتيلة (4): مدينةٌ نائمةٌ كجثّةٍ.. هل يوقظها تجدُّد لبنان؟

طرابلس القتيلة (4): مدينةٌ نائمةٌ كجثّةٍ.. هل يوقظها تجدُّد لبنان؟

محمد أبي سمرا - الأربعاء 23 تشرين الثاني 2022

الموت في طرابلس لا يحتاج إلى قاتل، فالمدينة بتاريخها وحاضرها تدفن أبناءها. فها سقف مدرسة يسحق رأس فتاة، وجدار شارع يخطف أباً من بين أولاده، فيما البحر وقواربه يتكفّل بأرواح المئات. أمّا أحلام أبنائها في السياسة والاقتصاد فتُعدم خلف صور زعمائها.

كيف تعيش مدينة طرابلس حال الانهيار العامّ الذي ألمّ بلبنان حتى المحق والاختناق والبؤس؟ هنا الحلقة الرابعة والأخيرة من هذا التحقيق، في محاولة للإجابة عن هذا السؤال.

كاتب هذه السطور كان قد وضع سنة 2008 كتاباً استقصائياً وصفيّاً عنوانه "طرابلس: ساحة الله وميناء الحداثة" (دار الساقي) تتألّف مادّته من شهادات سِيَر طرابلسيين تروي أحوال المدينة الشمالية بين منتصف القرن العشرين والعشريّة الأولى من الألفية الثالثة. أمّا أكثر ما أجمع عليه الطرابلسيون اليوم، فهو أنّ مدينتهم تتعايش مع الأوضاع اللبنانية الراهنة المزرية على القاعدة التالية: ساوى الانهيار اللبناني الزاحف منذ أكثر من سنتين لبنان كلّه بطرابلس المهملة، أو ألحقه انهياره بطرابلس، بعدما كانت أُلحقت به عنوة، فأهملها وهمّشها وأقصاها، منذ نشأة دولة لبنان الكبير.

نجا أبو داود من تلك المقاتل وتاب عن "النضال" والقتال والحرب، من دون أن تأخذه لوثة إسلام الإمارة الشعبانيّة الأصولية والسلفية، ربّما لأنّه، فوق نشأته على العقيدة العروبية ثمّ الشيوعية، صاحب حسّ سليم

سلع وهويّة تركيّتان

بعد نحو أكثر من ساعة من الاستماع إليه يروي كيف تعيش وتعتاش عائلات من فقراء حيّ القبّة الطرابلسي ومعوزيه في خضمّ الأزمة المعيشية الخانقة اليوم، خَلُصَ أبو داود (68 سنة) إلى عبارة مفاجئة لم أكن أتوقّعها: "طرابلس اليوم جثّة نائمة، تستيقظ حسبما يتّجه الوضع العامّ في لبنان. وما يرغبه الطرابلسيون ويريدونه أن يؤتى برئيس جديد للجمهورية لديه حدّ أدنى من المصداقية العربية والدولية".

كنتُ قد تعرّفتُ إلى أبي داود سنة 2005، بُعيد "ثورة الأرز" فسجّلتُ سيرة حياته، وصار دليلي في استقصاءات موسّعة عن أحوال أهالي حيّ باب التبّانة المزرية، عندما كان صاحب متجر لبيع الورق وأكياس النايلون هناك، ومتجر آخر مثله في القبّة، حيث يقيم. أمّا حين التقيته مجدّداً قبل أيام، فقد لفتني علمٌ تركي صغير معلّق خلف مكتبه على جدار متجره الصغير الذي يبيع في القبّة سلعاً كثيرة الأنواع ومن أصناف وماركات "غريبة" استجدّ استيرادها من تركيا غالباً، فصارت المتاجر اللبنانية الكثيرة التي تبيعها لا تعتني بعرضها، تناسباً مع الحياة الكئيبة في أيّام الضيق والقلّة.

تذكّرتُ أنّ الشاعر الراحل محمد العبدالله كتب مرّة في غمرة "الحروب اللبنانية" في كتابه الهجائي الهذياني "بعد ظهر نبيذ أحمر/ بعد ظهر خطأ كبير" عن "نبيذ نكد الأحمر/ الممحون من الأحمر/ الذي تنخفض أسعاره في الأحياء الداخلية". وفي سهرة على شرفة شقّة فخمة قبالة حديقة الصنائع في بيروت، سمعتُ قبل نحو شهر سيّدتين من الفئات المتوسّطة شاركتا بحماسة ملتهبة في انتفاضة 17 تشرين 2019، فأصابهما فشلها بإحباط كبير، سمعتهما تتحدّثان بغضب يضاهي غضبهما وإحباطهما من فشل الانتفاضة، عن فقدانهما السلع الغذائية المستورَدة التي تعوّدتا شراءها، واستبدالها بأخرى "غريبة" فرضت عليهما غربة عمّا ألفتاه في التسوّق وفي نظام حياتهما الغذائية البيتية.

ولمّا سألتُ أبا داود عن العلم التركي الصغير خلف مكتبه، فاجأني بإخراجه من محفظته الجلدية الصغيرة بطاقة هويّته التركية، قائلاً: لقد استعدتها أخيراً، فأنا، كما تعلم، مارديني من مردين التركية أباً عن جدّ.

كنتُ قد نسيتُ تماماً أنّه روى لي سنة 2005 أنّ جدّه من عشيرة ماردينية في تركيا، ونزحت من ديارها كسواها من أمثالها أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. فنزلتْ شطور من تلك العشائر في حيّ الشعراني (عائلة طرابلسية) بمحلّة القبّة. والحارة التي نزل فيها النازحون من ماردين عُرفت لاحقاً بحارة الماردينيّين، المتاخمة لحارة الحدشيتيّين (نسبة إلى حدشيت في جبّة بشرّي المسيحية المارونية الصافية)، ولحارة العلويين الوافدين من جبال العلويين السورية وعكّار. وكان يبلغ عدد الماردينيين في أحياء القبّة 7 آلاف نفس، بينهم نحو 1,300 ناخب، في مطالع الألفية الثالثة. وكان الحاجّ أبو محمد شيخو وجهاً عشائرياً بارزاً فيهم، ويعود إليه تحديد ولاء العشائر في المواسم الانتخابية الطرابلسية. وبعدما كانت كثرة من الماردينيين ترعى المواشي في ديارها قبل وفادتها إلى طرابلس، عمل كثيرون منهم في مهجرهم الجديد حمّالين وحدّادين وسمكريّين وباعة متجوّلين. وكانت الرابطة والتقاليد الإسلامية والتضامن العشائري لحمة الكتلة السكّانية الماردينية التي حصلت على الجنسية اللبنانية في إحصاء مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين.

المُقاتل شيخُ شبابٍ اجتماعيّ

لمّا روى أبو داود هذا كلّه وسواه عن نسبه في عام 2005، إنّما رواه من باب التذكُّر، وليس من باب الانتساب إلى هويّة حيّة، على الرغم من أنّها كانت حاضرة وفاعلة في شبكة العلاقات المحليّة في حارات القبّة، لكن خلف الانتساب إلى مدينة طرابلس وفي ظلاله. فأبو داود المولود سنة 1955 في حارة الماردينيين في القبّة، طرابلسيّ ثمّ لبنانيّ في سيرة حياته. فهو لم يكن تجاوز الثانية عشرة حين صار من أشبال "حركة 24 تشرين" الطرابلسية العروبية الناصرية الجذور والهوى بزعامة ابن العائلة السياسية الطرابلسية المعروفة، فاروق المقدّم. ثمّ التحقت الحركة إيّاها بفصائل حركة فتح الفلسطينية. وسنة 1968 استنفر من كان الشبل الذي اتّخذ "الضباب" اسماً حركيّاً كنايةً عن خفّته وشجاعته (أي أبو داود لاحقاً)، وشارك في تنفيذ "حركة تشرين" تلك عصياناً مسلّحاً، دفاعاً عن حرّية العمل الفدائي الفلسطيني في لبنان.

حتى نهاية الحروب "الأهليّة الطرابلسية" سنة 1986، لم يكن أبو داود قد عمل في أيّ مهنة سوى التحزُّب والقتال في منظّمات وأحزاب وحركات مسلّحة شتّى: منظمة العمل الشيوعي التي مثّلها في قيادة جهاز "الأمن الشعبي"، قبل أن يصير من أركان حركة خليل عكّاوي "المقاومة الشعبية" المقاتِلة في باب التبّانة ضدّ بعل محسن، والموالية لحركة فتح في صراعها الحربي ضدّ نظام حافظ الأسد، ثمّ المنضوية باسم "لجان الأحياء والمساجد" في "حركة التوحيد الإسلامي" وإمارتها الطرابلسية تحت لواء أميرها سعيد شعبان. لم تخرج طرابلس من تناسل حروبها طوال 15 سنة إلا مدمّرة وغارقة في مقاتل دموية كانت أشدّها تدميراً وفتكاً تلك التي خاضها فيها جيش "نسور الأسد" للاستيلاء عليها وإخضاعها.

في خضمّ تفاقم الأزمة المعيشية، صار صغار الكسبة عاطلين عن العمل في القبّة، وأقفلت فيها متاجر صغيرة كثيرة أبوابها

نجا أبو داود من تلك المقاتل وتاب عن "النضال" والقتال والحرب، من دون أن تأخذه لوثة إسلام الإمارة الشعبانيّة الأصولية والسلفية، ربّما لأنّه، فوق نشأته على العقيدة العروبية ثمّ الشيوعية، صاحب حسّ سليم.

لكن كيف يمكن أن يتدبّر أمور معاشه من لا يجيد سوى القتال؟ رفيقةٌ قديمةٌ له في منظّمة العمل الشيوعي، مقتدرة ومن عائلة طرابلسية معروفة، وهبته مبلغاً من المال مكّنه من استئجار محلّ لبيع الأسماك في القبّة. لكنّه سرعان ما عاف هذا العمل، وافتتح محلّاً لتجارة الورق وأكياس النايلون في باب التبّانة، فنجح في تجارته هذه وتحسّنت أحواله المادّية والمعيشية. لكنّ توبته عن "النضال" والقتال لم تحمله على القطيعة مع سيرته وتاريخه وتجربته السابقة، فتحوّل إلى ما يشبه شيخ شباب اجتماعي مسالم ومعروف وصاحب نخوة في باب التبّانة والقبّة.

ريفي والحريري وأبو العبد

وفي لقائنا الأخير بمحلّه في القبّة قبل أيام، أطلعني أبو داود على أفلام فيديو عدّة في هاتفه المحمول يظهر فيها خطيباً مفوّهاً يتقدّم جمهرة من متظاهرين في القبّة، يعترضون على أوضاعها المعيشية والخدميّة المزرية، قبل انتفاضة 17 تشرين 2019 وبعدها. حتى سنة 2018 رأس الهيئة التنفيذية لـ "حركة التنمية والتجدّد" التي أسّسها سنة 2011 النائب الطرابلسي محمد كبّارة (أبو العبد) الموالي لسعد الحريري وتيّاره. وسنة 2018، أثناء حفل افتتاح مدرسة رسمية بباب التبّانة، حضره الياس بو صعب وكبّارة، وكان "تمرّد" أشرف ريفي على الحريري قد ظهر إلى العلن بسبب التسوية الرئاسية الحريريّة مع ميشال عون ومهادنة حزب الله، وقف أحمد الحريري ممثّلاً تيار المستقبل، وقال: "لا صوت يعلو فوق صوت سعد الحريري". فما كان من أبي داود إلا أن وقف وصفّق، ودعا الشباب الحاضرين إلى التصفيق قائلاً: "يا أرض احفظي ما عليك، يعيش الملك، يعيش الملك". وبعد هذه الحادثة عزف أبو داود عن "تعاونه" مع محمد كبّارة، وقال له "نحن لا يشبه أحدنا الآخر، وكلٌّ منّا في طريق"، ولم يعد يتردّد على مكتب كبّارة في ساحة التلّ.

روى أبو داود أنّ أشرف ريفي واللواء عدنان مرعب والمهندس يوسف حمداش كانوا رفاق طفولته في القبّة، وباجتهادهم وعصاميّتهم صاروا إلى ما هم عليه. وفيما تعلّق هو بلعبة كرة القدم وسط كروم الزيتون، كان رفاقه الثلاثة يحملون كتبهم ويدرسون، ويتفرّجون عليه وأمثاله يلعبون. أمّا حين انقاد هو إلى "حركة 24 تشرين" وصار شبلاً من أشبالها، انصرف رفاقه إيّاهم إلى التحصيل الدراسي. وأشرف ريفي، الذي يصفه أبو داود بـ "العصاميّ"، ونشأ في بيت لم يرتقِ إلى الفئة المتوسطة، وكان والده يعمل في مطحنة قمح ورثها عن والده على نهر أبو علي، لم تنقطع صلته بأبي داود، بل هي مستمرّة حتى اليوم.

ليس أبو داود وحده من يقول إنّ ريفي "ماسك الأرض" في طرابلس، أي لديه جمهور في الشارع الطرابلسي وبين شبيبة الأحياء والشوارع وفتيانها. فأحد نشطاء تيار المستقبل الفاعلين يقول ذلك أيضاً. وقد روى هذا الناشط أنّ أحمد الحريري سلك في عمله في طرابلس مسلكاً جعل تيار المستقبل تيّارين منفصلين. فمنذ عهد الحريري الأب كان جمهور التيار من الطلاب والمدرّسين وأصحاب المهن الحرّة والعائلات. وهؤلاء نفروا من إقدام أحمد الحريري على استقطاب شبّان الشوارع وفتيانها وزمرهم، الذين نجح ريفي في استقطابهم، جرّاء نضوب إعالة سعد الحريري، فيما ضعف تيّاره في أوساط المتعلّمين والمهنيين والعائلات، بعدما صدّعته واستنزفته أزمة الحريري وتسويته الرئاسية مع ميشال عون وحزب الله.

تركيا وميقاتي وباسيل

بعد استفحال الأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية، أخذت نسوة من القبّة يعرفهنّ أبو داود معرفة أهليّة وثيقة، يدخلن إلى محلّه قائلات له: "كرمال الله أبو داود ربطة خبز للأولاد، كرمال الله". فما كان من شيخ الشباب الاجتماعي العتيق إلا أن دبّ الصوت وجمع مخاتير ومشايخ وأعضاء من المجلس البلدي وأئمّة مساجد وقبضايات حارات في القبّة، فأنشأوا إطاراً محليّاً سمّوه "اللقاء الشعبي" لإغاثة وإنماء المنطقة. وصار هذا "اللقاء" يدعو إلى تخزين الطحين والبرغل وموادّ غذائية في مستودع، بغية طبخها وتوزيعها إعاشة على المحتاجين، في حال اشتدّت الأزمة على الناس الشديدي الفقر، لكنّ المقتدرين لم يتجاوبوا مع هذه المبادرة.

اشتدّت الأزمة، وصارت شوارع القبّة في الليل تشبه مقبرة. المغتربون وجمعيّاتهم الأهلية في الاغتراب، وخصوصاً في أستراليا، إضافة إلى أقارب الماردينيين في تركيا، بادروا إلى جمع أموال وإرسالها إلى "اللقاء الشعبي" في القبّة. والسفارة التركية في لبنان أخذت تُرسل حصصاً غذائية وتموينية في رمضان إلى الأهالي. فبعض من الماردينيين لديهم الجنسية التركية، وبعضهم سعى جاهداً إلى استعادتها. ابنة أبي داود المتزوّجة من ضابط متقاعد في الأمن العام، هاجرت وزوجها إلى تركيا واستعادا جنسيّتهما، وأنشآ شركة تجارية تتعاون مع ماردينيين مهاجرين في أستراليا. ثمّ أخذ أبو داود يتردّد إلى تركيا وحصل على جنسيّتها. وفي بيروت التقى السفير التركي، فاقترح عليه إنشاء مدرسة في القبّة، فقال له السفير إنّ الدولة التركية لن تتدخّل في الخصوصيات اللبنانية، وظلّت المساعدات التركية تقتصر على موادّ غذائية وتموينية رمضانية.

بعد الغارة الباسيليّة على الميناء، تردّدت أخبار عن شراء جبران باسيل بيوتاً تراثية ثلاثة فيها. فنشطت على الفيسبوك حملة بين سكّان المدينة عنوانها "الميناء ليست لباسيل ولا لحزب الله"، و"يا أهالي الميناء انتبهوا، لا تبيعوا بيوتكم"

قبل ذلك، وفي خضمّ تفاقم الأزمة المعيشية، صار صغار الكسبة عاطلين عن العمل في القبّة، وأقفلت فيها متاجر صغيرة كثيرة أبوابها. حتى متجر أبي داود صار مهدّداً بالإقفال، فباع سيّارته الخاصة ذات الدفع الرباعي لتغطية مصاريف أسرته ونجدة بعض المعوزين في الحيّ. وكان هذا قبل أن ينتشله من ضائقته استيراده سلعاً تركية رخيصة الأثمان وبيعها في محلّه.

روى ناشطٌ طرابلسي تخلّى قبل أكثر من سنتين عن انتمائه إلى تيار المستقبل، أنّ رجالاً من بطانة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وأتباعه وحاشيته في المدينة، نشطوا في حملة شراء سيارات عتيقةٍ من موظّفين وأصحاب مهن حملهم تدهور أحوالهم المعيشية والمادّية على بيع سياراتهم لإعالة أسرهم. وكانت غاية رجال بطانة ميقاتي من ذلك اغتنام مآسي الناس المعوزين للاتّجار بسيّاراتهم الخاصة والمستعملة التي يشترونها منهم، بعد إصلاحها وتحسين أحوالها، وكانوا لا يعرضونها للبيع مرتقبين، مع استمرار تفاقم الأزمة، غلاء أسعار السيارات المستعملة، بعد ندرة تداول الجديدة في السوق اللبنانية.

أمّا جبران باسيل فروى الناشط عينه أنّه قام في 17 أيلول الماضي بزيارة - غارة شبه سرّية وخاطفة لمدينة الميناء في السابعة صباحاً. فللتيار العوني مكتب في الميناء. وكان باسيل قد مهّد لزيارته - الغارة الصباحية بقيام عونيّيه الباسيليّين بحملة طلاء لبعض مباني الميناء في شارع مونو، كستار لعزم صهر الجنرال الرئيس، حامي حقوق المسيحيين، على شراء عقارات تراثية قديمة في الميناء المعروفة بمدينة الهجرة المسيحية الكثيفة والقديمة، والمستجدّة بين الشبّان/ات إلى كندا وقطر في السنوات الثلاث الأخيرة. لذا خلت بيوت كثيرة في الميناء وأقفلت وصارت مهجورة.

ذكّرني مشهد النسوة المسنّات المجتمعات صباحاً في بيوت قديمة تراثية الطراز المعماري، ومفتوحة أبوابها في طبقاتها الأرضية على الأزقّة الضيّقة بين بيوت الميناء، بمشهد نسوة اجتمعن في بيت إحداهنّ في قرية جنوبية حدودية نائية نهاية خمسينيات القرن العشرين. لكنّ الفرق بين المشهدين أنّ نسوة تلك القرية كنّ في مقتبل أعمارهنّ بعدُ، وهاجر أزواجهنّ إلى الكويت في موجة اجتاحت القرية بعد انهيار زراعة الحبوب في مساحات منبسطة ضيّقة في جرودها. ولمّا وقف زوج إحدى النساء القرويّات أمام بيته مودّعاً، سألته زوجته: لا شيء في البيت، فماذا أُطعم الأولاد حين يجزعون؟ أشار الزوج المودّع إلى شجرتَيْ الجوز والتوت المعمّرتين أمام بيته، وقال: اطحني أوراق التوت والجوز وأطعميهم.

بعد الغارة الباسيليّة على الميناء، تردّدت أخبار عن شراء جبران باسيل بيوتاً تراثية ثلاثة فيها. فنشطت على الفيسبوك حملة بين سكّان المدينة عنوانها "الميناء ليست لباسيل ولا لحزب الله"، و"يا أهالي الميناء انتبهوا، لا تبيعوا بيوتكم".

 

تحوّلات طبقيّة طرابلسيّة

في مقهى بمبنىً تراثي قديم في مدخل شارع مونو بالميناء، كان لنا لقاءٌ بطالبة جامعية طرابلسية. أنشأت هذا المقهى السيّدة نادين العليّ وزوجها الهولندي، وسمّوه "ورشة 13"، فصار ملتقى شبّان/ات من العاملين والناشطين في منظمات غير حكومية (N.G.O) اجتماعية وثقافية في الميناء وطرابلس. وفي أوقات من نهارين تردّدنا على الميناء وهذا المقهى، صادف أن وقفت سيارات تاكسي نزل منها شبّان/ات أوروبيون قادمون للمشاركة في أعمال ونشاطات وتنفيذ مشاريع متنوّعة في طرابلس والشمال. وروت الطالبة الجامعية المقيمة في الميناء أنّ الجمعيات المحلية الناشطة في طرابلس، والمموّلة من الخارج، تتدفّق عليها أموالٌ لا يستهان بها لتنفيذ مشاريع إنمائية اجتماعية وثقافية في أحياء القبّة وباب التبّانة. لكنّ هذه الأموال المحوَّلة باليورو أو الدولار، غالباً ما تكون نهباً للفساد والاختلاس من العاملين في الجمعيات المحلية.

أمّا الدكتورة ريما مولود، مدرّسة اللغة الفرنسية وآدابها بكليّة آداب الجامعة اللبنانية الطرابلسية، فتحدّثت عن "مهرجان بيروت للكتاب الفرنكوفوني" الأخير، وعن نشاطاته في طرابلس. فهي منسّقة نشاطات المهرجان والمعرض في طرابلس والشمال، وأثنت بإسهاب على نجاحات النشاطات الثقافية الفرنكوفونية الشمالية المتمثّلة في تنظيم معارض وندوات ولقاءات متنوّعة.

في المقابل تحدّثت عن وضع الجامعة اللبنانية الطرابلسية ومدرّسيها ومدرّساتها المزري والمحزن. صار الوصول إلى المبنى الجامعي على ربوةٍ في البحصاص، مشقّة ومكلفاً مادّياً. فالأزمة أحدثت انقلاباً في ضرورات الحياة وأساسيّاتها: الدواء صار سلعة نادرة ونخبوية. والطبقة الوسطى من الموظّفين الطرابلسيين أصابها تدمير شامل، مادّي ومعنوي. وتعذّر تماماً حصولها على الأدوية للأمراض المستعصية، فصارت تلجأ إلى الحصول عليها من منظمات المساعدات الإنسانية التي تصطفّ على أبواب مكاتبها ومستوصفاتها طوابير من الناس الكئيبين والتعساء الذين بليت ثيابهم وعتقت وحالت ألوانها وصارت كامدة كوجوههم.

أمّا من لديهم أزواج وأبناء وإخوة مهاجرون في أوروبا وأستراليا ودول الخليج العربية، فاستمتعت عائلاتهم في الصيف الماضي مع مهاجريها العائدين. شاع على صفحات الفيسبوك نشر صور عائلات كثيرة في مطاعم منطقة الضمّ والفرز الطرابلسية، وكذلك في مطاعم الميناء الفخمة. وذلك للتباهي وإثارة حسد وسخط وغضب من ليس لديهم أقارب مهاجرون. ولمّا دعت مولود بعض المشاركين الفرنسيين في النشاطات الفرنكوفونية في طرابلس، إلى مطعم سمك مرموق في الميناء، لم تجد أماكن شاغرة فيه في يومين متتاليين.

إقرأ أيضاً: طرابلس القتيلة (3): فقرٌ ويُسرٌ في عمران الإسمنت العاري

روى الناشط الطرابلسي المتخلّي عن نشاطه في تيار المستقبل أنّ فئة اجتماعية طرابلسية واسعة كانت قد صعدت في المدينة طبقياً واجتماعياً إبّان عهد الحريري الأب حتى عام 2009، مستفيدة من منح التعليم والوظائف والأعمال الأخرى. لكنّ هذه الفئة انهارت وفقدت أعمالها ومداخيلها بدءاً من عام 2016، فصعدت فئة أخرى من المهنيين غير المتعلّمين (حدّادين ونجّارين وسمكريين...إلخ) وحلّت مكان الفئة المنهارة. أمّا في منطقة أبو سمرا الطرابلسية الواسعة فلأموال جمعيّات المهاجرين الإسلاميين، وخصوصاً في أستراليا، حضور فاعل في توسّعها العمراني والتعليمي والديني والمدني، وفي نجدة عدد وافر من أهاليها المقيمين في بناياتها.

ختم الناشط إيّاه ملاحظاته عن أحوال طرابلس بإشارته إلى أنّ موجات اقتحام بعض المودعين المصارف في بيروت، التي غالباً ما شارك فيها ناشطون في انتفاضة تشرين، غابت تماماً عن طرابلس ومصارفها التي لم تشهد حادثة اقتحامٍ واحدة قطّ، علماً أنّ الموجة المتأخّرة من انتفاضة 17 تشرين، بعد تراجع الجمهرات السلمية السعيدة وخفوتها في ساحة النور الطرابلسية، شهدت موجة عاصفة وعنيفة من تحطيم المصارف وحرق بعضها. وعلّل الناشط تلك الموجات العاصفة، وعدم اقتحام مودعين مصرفاً واحداً في طرابلس بالتزامن مع موجات اقتحام مصارف في بيروت، بأنّ من يُسمّون القبضايات والفتوّات الطرابلسيين، الذين كانت لهم اليد الطولى في إدارة تحرّكات تشرين في ساحة النور، هم ذوو ارتباط وثيق بالأجهزة الأمنيّة التي تحرّكهم وتدير نشاطاتهم.