صبرُ الحزب إيراني.. فلا تستعجلوا الرئاسة

صبرُ الحزب إيراني.. فلا تستعجلوا الرئاسة

سامي كليب - الأربعاء 23 تشرين الثاني 2022

كثيرةٌ هي الأمثلة والحِكَم الفارسيّة حول الصبر، منها مثلاً: “الصبرُ شجرةٌ جذورُها مُرَّة، وثمارُها شهيّة” أو ” المرأة العاقِلة هي التي لديها الكثير لتقولَه لكنها تُؤثِرُ الصمت”. وغالبًا ما يُضرب المثلُ بطريقة حياكة السجّادة الفارسيّة دليلاً على الصبر، ذلك أنَّ الانتهاء من كلّ سجّادة يتطلّب شهورًا أو سنواتٍ، وفق مقاساتِها وعدد العُقدِ في كلٍ سنتيمترٍ منها. وهي بالتالي مرغوبةٌ جدًّا عالميًّا، وكانت الولايات المتحدة الأميركيّة وحدها تستورد 30% من مجمل صادرات إيران من السجّاد قبل العقوبات.

من نوادر السياسةِ أنّه حين قالَ أحدُ وزراء خارجيّة أميركا للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد:” إن الإيرانيين يُعيلون صبرَنا لكثرةِ نقاشِنا بالتفاصيل وإنَّهم يُفاوضون كما يحيكون السجّادة الأصفهانيّة”، سأل الأسد:” كم تستغرق السجّادة” فقال له الوزير:” أعتقد 4 إلى 5 سنوات”، فابتسم وسأل:” ولماذا يستعجلون؟”، في إشارة إلى أن صبرَه أطوَل.

الواقع أنّ عادةَ الصبرِ هذه انتقلت تمامًا الى حزب الله، فهو يُجهّز “مونة” الصبر ويجلسُ منتظرًا الآخرين، ومُستجلِبًا عروضًا، من كلّ طامح للرئاسة، أو منصبٍ، أو خدمة، أو حليف، ولا يضيرُه بالتالي كلُّ ما يقال عن فراغٍ دستوريٍ هُنا أو شللٍ هُناك، الاّ حين يتناقض ذلك مع مصالحِه الاستراتيجيّة الكُبرى المتعلّقة بدوره في الإقليم وبمكانة المحور الذي ينتمي إليه.

هي الصُدفة رُبّما، أو العَمْدُ على الأرجح، ما دفعَ أمينَ عام حزب الله السيّد حسن نصرالله الى التحذير المُقارب الإنذار، بوجوب انتخاب رئيسٍ ” لا يطعن المقاومة” ولا يُباع للأميركيين وغيرهم

هكذا يفعلُ الحزبُ في الأوقات العاديّة، فكيفَ لا يتبنّى قاعدة الصبر والانتظار عند حافة النهر إذاً الآن، وقد اطمأن إلى أنّ الحروبَ مؤجّلة ضدّ إسرائيل الى آجالٍ طويلة بعد ترسيم الحدود، بينما النارُ المُشتعلة في الداخل الإيرانيّ عبر التظاهرات المُستمرّة، ترفع مستوى القلق وتتطلّب مؤازرةً خارجيّة من الحلفاء للضغط على من يعتقدُ المحور أنّهم يُساهمون في إذكاء النار.

هي الصُدفة رُبّما، أو العَمْدُ على الأرجح، ما دفعَ أمينَ عام حزب الله السيّد حسن نصرالله الى التحذير المُقارب الإنذار، بوجوب انتخاب رئيسٍ ” لا يطعن المقاومة” ولا يُباع للأميركيين وغيرهم. فنصفُ هذا الكلام للداخل ونصفُه الآخر، أو أكثر من النصف، للخارج لكونه خصوصًا تزامن مع أحداث إيران واهتزاز المفاوضات مع السعوديّة.

في ذهنِ الحزب أنَّ أيِّ تراخٍ في موضوعِ رئاسة الجمهوريّة، سيكون مؤشّرَ ضعفٍ محليّ وإقليميّ، وهذا غيرُ مقبول بعد ترسيم الحدود واشتعال الحريق الإيرانيّ. وفي ذهنِه على الأرجح أنّه لا بُدّ من “تأديب” الأطراف الداخليّة من المُعارضين حتَّى جبران باسيل، كي يعودوا عاجلًا أم آجلاً صاغرين وقابلين بالتسويات، تمامًا كما فعل حين دعم ميشال عون في تعطيل المسار الانتخابيّ والدستوريّ لعامين ونصف العام حتّى يأتي زعيم التيّار البرتقاليّ الى سُدّة الرئاسة.

المُرشّح الوحيد عند الحزب، على الاقلّ حتّى الآن، هو سليمان فرنجيّة، ولا بأس من الانتظار والصبر وحياكة سجّادة التسويات ببطء وبعقدٍ كثيرة. يُدركُ نصراللّه أن خصومَه لن يُفلِحوا في انتاج رئيسٍ لوحدهم، وأنّ باسيل سيعود إليه عاجلاً أم آجلاً مهما أثار من زوابع، لأنّ الابتعاد يعني الانتحار. يُدركُ نصرالله أيضًا أنّه الأكثر قدرة على الانتظار حتى تنفرجَ شؤون المنطقة وتأتي العروض، أو حتى ييأس الخصوم ( والمتخاصمون في ما بينهم)  ويقبلوا برئيسٍ يُشبهُ المواصفات التي أعلنها قبل أيام.

لو كان الخيار طاولةُ حوارٍ، فقد يكون في الأمر مُناسبة لإعادة التذكير بضرورة تغييّر بعض التوازنات المذهبيّة قياسًا الى التعديلات الديمغرافيّة. وهذا لا يضير الحزب بشيء. اطلاقًا. وربما يكون مطلوبًا

هل فرنجيّة خيارٌ نهائي قاطع؟ حتى الآن نعم، وقد اتفق الحزب وحليفه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي على هذا الخِيار، وثمّة يقين عند برّي بأن صديقه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لن يخذله خصوصًا إذا شعر بميل سعودي ضمن لعدم معارضة فرنجيّة، لكن مَن يدري فقد يذهب الخيار الى مُرشّح توافقي آخر، و ” لا يطعن المقاومة”، لو تغيّرت رياحُ التسويات بما يُريح الحزب وإيران وبينهما سورية.

ما تزال سجّادةُ الرئاسة اللُبنانية في عُقدتِها الأولى، ولا بأس في أن تستمرَّ حياكتُها شهوراً أخرى أو سنوات. لكن هل يتحمّل البلدُ ذلك وسط احتمالات التدهور الاقتصاديّ والاجتماعي؟ لا تستعجلوا القلق، فالرئيس نجيب ميقاتي يعدُ بالكثير، وحاكمُ مصرف لُبنان رياض سلامة الذي بقيَ بينما رحل أشرس خصم له (العهد)، مستعدٌّ لتحريك بعض الإيجابية، وربما بغطاءٍ غربيّ. فما قبل ترسيم الحدود بالنسبة للغضب الأميركي، ليس كما بعده. وما كان مرفوضًا جُملةً وتفصيلاً، صار مسموحًا ولو بالقطّارة.

أمّا لو كان الخيار طاولةُ حوارٍ، فقد يكون في الأمر مُناسبة لإعادة التذكير بضرورة تغييّر بعض التوازنات المذهبيّة قياسًا الى التعديلات الديمغرافيّة. وهذا لا يضير الحزب بشيء. اطلاقًا. وربما يكون مطلوبًا.

*نقلاً عن موقع "لعبة الأمم"