رهان إيران على "لذيذين" لبنانيَّين

رهان إيران على "لذيذين" لبنانيَّين

خيرالله خيرالله - الخميس 24 تشرين الثاني 2022

خسر المسيحيون لبنان وخسره المسلمون أيضاً. هذا ليس وقت محاسبة أيّ من الجانبين على الأخطاء المرتكَبة، وهي أخطاء يمكن وضعها في مصافّ الجرائم. لكنّ الوقت يظلّ وقت الاعتراف، في الذكرى الـ79 للاستقلال، بأنّ الجميع خسروا لبنان. كلّ لبناني خسر لبنان. ويشمل الخاسرون أبناء الطائفة الشيعيّة الذين سقطوا، بمعظمهم، تحت هيمنة "حزب الله" الذي لا يؤمن بلبنان بمقدار ما يؤمن به "ساحةً" لإيران... "ساحة" تفعل فيها إيران ما تشاء. تترافق هذه التبعيّة لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" مع سعيٍ إلى عزل البلد عربيّاً، وذلك عن سابق تصوّر وتصميم. تختزل فكرة "لبنان الساحة" ولبنان بعزلته العربيّة المأساة اللبنانيّة بكلّ أبعادها.

أخطأ المسيحيون وأخطأ المسلمون في ظلّ غياب تامّ لِما يمكن تسميته بالمنطق. هل يتصالح اللبنانيون في يوم من الأيّام مع المنطق الذي مكّنهم من تفادي التورّط في حرب عام 1967؟ أم فات أوان مثل هذه المصالحة بعدما سقط البلد تحت الاحتلال الإيراني؟

خسر المسيحيون لبنان وخسره المسلمون أيضاً. هذا ليس وقت محاسبة أيّ من الجانبين على الأخطاء المرتكَبة، وهي أخطاء يمكن وضعها في مصافّ الجرائم

سقط لبنان في وقت يسعى الشعب الإيراني نفسه إلى التخلّص من النظام القائم المبنيّ على نظريّة "الوليّ الفقيه" التي فرضها رجل دين متزمّت، هو آية الله الخميني، في مرحلة ما بعد سقوط نظام الشاه محمّد رضا بهلوي في عام 1979.

ليس ما يشير إلى مدى كره الإيرانيين للنظام سوى رفض لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم ترديد النشيد الوطني لبلدهم في أثناء عزف موسيقاه قبل المباراة مع منتخب إنكلترا في الدوحة. عكست المباراة التي أُجريت في إطار مسابقة كأس العالم لكرة القدم لسنة 2022 حال النظام الإيراني الذي بات مرفوضاً من شعبه على غرار النظام الأقلّويّ في سوريا.

مَن تابع المباراة بين فريقَيْ إنكلترا وإيران اكتشف غياب الحماسة لدى اللاعبين الإيرانيين لتحقيق مجرّد تعادل في غياب القدرة على الانتصار أمام فريق إنكليزيّ قويّ. انتهت المباراة بنتيجة 6-2 لمصلحة إنكلترا. كانت مرآة لحال إيران التي لا يزال في لبنان من هو مستعدّ لتمجيدها والموت من أجلها... ومن أجل انتصار النظام فيها!

مزايدة على الإيرانيّين

من المؤسف أنّ في لبنان من لا يزال يزايد على الإيرانيين أنفسهم لجهة التعلّق بنظام "الوليّ الفقيه" الذي حوّل دولة ذات حضارة عظيمة وثروات ضخمة إلى مجرّد دولة يعيش ما يزيد على نصف سكّانها تحت خطّ الفقر.

في الذكرى الـ79 للاستقلال اللبناني، ثمّة حدثان لا يبشّران بالخير. يتمثّل الحدث الأوّل في استمرار الفراغ الرئاسي، بعد خروج ميشال عون وجبران باسيل من قصر بعبدا، فيما يتمثّل الحدث الآخر في توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل بدفع إيراني وضمانة من "حزب الله"....

عندما يصل بلد ما إلى أن تصبح مرجعيّته في إيران، حيث يعاني النظام غيابَ أيّ شرعيّة حقيقية، يجوز حتماً التساؤل عن مصيره، وهل لديه مستقبل ما في منطقة تمرّ في مرحلة انتقالية.

سقط لبنان في وقت يسعى الشعب الإيراني نفسه إلى التخلّص من النظام القائم المبنيّ على نظريّة "الوليّ الفقيه" التي فرضها رجل دين متزمّت، هو آية الله الخميني، في مرحلة ما بعد سقوط نظام الشاه محمّد رضا بهلوي في عام 1979

من الواضح أنّ الفراغ الرئاسي سيطول. ليست سلسلة المهازل التي شهدها ولا يزال يشهدها مجلس النواب سوى تعبير عن إصرار "حزب الله"، ومن خلفه إيران، على فرض رئيس ذي ميول واضحة تصبّ في عمليّة تغيير طبيعة المجتمع اللبناني نهائيّاً.

من استطاع فرض ميشال عون رئيساً في 31 تشرين الأوّل 2016، لا يمكن أن يرى سبباً يحول دون فرض شبيه له في 2022. يبقى أسوأ ما في الأمر أنّ "حزب الله" يعتبر نفسه منتصراً على لبنان في حال انتخاب رئيس مؤيّد لخطّه... أو في حال دام الفراغ إلى ما لا نهاية. إنّه رهان على لذيذين. الفراغ الرئاسي لذيذ، كذلك لذيذ، بل لذيذ جدّاً، انتخاب رئيس من طينة ميشال عون وجبران باسيل.

الوقت ضدّ لبنان

خسر اللبنانيون لبنان. لا وجود إلّا لرابح وحيد هو إيران، لكن مع سؤال في غاية البساطة: ما الذي ستفعله "الجمهوريّة الإسلاميّة" بانتصارها اللبناني وكيف ستستثمره إقليميّاً؟

يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح شديد في مرحلة يشعر فيها الإيرانيون بسأم البقاء في أسر نظام يرفض أن يكون بلدهم بلداً طبيعيّاً يعيش في وئام وسلام مع شعبه وجيرانه والعالم.

يبقى أنّ عامل الوقت لا يخدم لبنان الذي عانى ولا يزال يعاني تدميراً ممنهجاً لكلّ مقوّمات وجوده منذ ما قبل الاستقلال. يكفي أنّ بيروت لم تعد بيروت، بل لم تعد لبيروت، في ضوء تدمير وسط المدينة ومرفئها ومصارفها وجامعاتها وإعلامها، علاقة ببيروت وثقافة الحياة. لم تعد من علاقة لبيروت ببيروت على الرغم من كلّ المقاومة التي تُظهرها المدينة وأهلها. بات الهدف الإيراني أن تكون عاصمة لبنان مجرّد ضاحية فقيرة في طهران تُستخدم، على سبيل المثال وليس الحصر، في تمكين الحوثيّين وغير الحوثيّين من إقامة محطّة فضائية معادية لكلّ دولة من دول الخليج العربي... باستثناء تلك التي تريد "الجمهوريّة الإسلاميّة" مراعاتها لأسباب خاصّة بها مرتبطة بمشروعها التوسّعيّ.

إقرأ أيضاً: الاستقلال الثالث مسؤولية المسلمين..

عاجلاً أم آجلاً، سيحصل التغيير في إيران. ما ليس معروفاً هل يفيد التغيير لبنان في شيء أم فات أوان ذلك بعدما راح لبنان إلى جهنّم، تماماً كما بشّر ذلك الحاقد الذي اسمه ميشال عون؟!