الياس سركيس: مجدٌ من رماد الجمهوريّة

الياس سركيس: مجدٌ من رماد الجمهوريّة

أيمن جزيني - الثلاثاء 22 تشرين الثاني 2022

في المدّة الأخيرة، وفي غمرة البحث عن رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال عون "القويّ" الكارثيّ، راجت في الصحف ونشرات الأخبار اللبنانية، وحتى في المواقف السياسية، عناوين مثل: "البحث عن الياس سركيس جديد"، و"بروفايل" الياس سركيس يتقدّم على "الرئيس القويّ". ودعا النائب مروان حمادة "إلى رئيس يشبه فؤاد شهاب إذا كان عسكريّاً، أو الياس سركيس إذا كان مدنيّاً"، وقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط: "لنبحث عن سركيس آخر". وكتب أحدهم ردّاً على جنبلاط متسائلاً: "أيّ سركيس يريد؟".

ملابسات انتخاب رئيس

الوزير السابق والكتائبي السابق سجعان قزّي تساءل في إحدى الصحف: "أحقّاً تريدون الياس سركيس آخر؟". وأضاف: "يُخطِئُ الأعيانُ الّذين يَطرَحون اسمَ الرئيس الياس سركيس نَموذجاً لمرشَّحٍ رئاسيٍّ تِقنيٍّ ومحايدٍ وتَسوويٍّ ومِطواع. مواصفاتُ الرئيسِ سركيس بعيدةٌ من النَموذجِ قيدَ التحرّي عنه. هؤلاءِ الأعيانُ لا يَعرِفون ربّما مسيرةَ هذا الرجل ومواقِفَه وميزاتِه، ولا ظروفَ انتخابِه رئيساً، ولا العواصفَ التي ضَربت عهدَه" (1976 - 1982).

يعتبر قزّي أنّ سركيس كان "مرشَّحاً سياسيّاً بامتيازٍ لا مرشَّحاً تقنيّاً، إذ عاش الحياةَ الوطنيّةَ بكلِّ أبعادِها اللبنانيّةِ والعربيّةِ والدُوليّة، وشارك في صناعةِ القراراتِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والعسكريّةِ مع الرئيسَين فؤاد شهاب وشارل حلو".

بحسب التحليلات المتقاطعة كان سركيس مرشَّحَ معادلةٍ سياسيّةٍ - عسكريّةٍ، عربيّةٍ وأميركيّةٍ، أُقِرّت في قِمّتَيْ الرياض والقاهرة

لـمّـا خاض سركيس انتخاباتِ الرئاسةِ أوّلَ مرّةٍ سنةَ 1970 كان مرشّحَ الشهابيّةِ ضِدَّ سليمان فرنجية مرشّحِ الحلفِ الثلاثيِّ والوسَطِ، وخَسِر على صوتٍ واحد. كان مرشَّحَ فريقٍ لا مرشَّحاً محايداً حين فاز بالرئاسةِ سنةَ 1976. دَعمَته، آنذاك، الجَبهةُ اللبنانيّةُ وسوريا، وعارضَه تحالفُ الحركةِ الوطنيّة بزعامةِ كمال جنبلاط ومُنظمةِ فتح بقيادةِ ياسر عرفات الذي، أي التحالف، أيّدَ ريمون إدّه. وعقدت يوم السبت في 8 أيار 1976 جلسة انتخاب الرئيس في قصر منصور، وسط أجواء حرب حقيقية، إذ فَجّر التحالفُ (المذكور) الوضعَ العسكريَّ في الأوّلِ والثاني من أيّار، فسَقط 96 قتيلاً و116 جريحاً. ويومَ الانتخابِ، أعلَنت الحركةُ الوطنيّةُ الإضرابَ العامَّ وقاطَع الجلسةَ النوّابُ مؤيِّدو ريمون إدّه.

في النتيجة انتُخب المرشّح الوحيد إلياس سركيس رئيساً للجمهورية. وبحسب التحليلات المتقاطعة كان سركيس مرشَّحَ معادلةٍ سياسيّةٍ - عسكريّةٍ، عربيّةٍ وأميركيّةٍ، أُقِرّت في قِمّتَيْ الرياض والقاهرة (تشرين الأول 1976)، وتَقومُ على وقفِ الحربِ في لبنان ودخولِ قوّاتِ الردعِ العربيّةِ إليه. وفي شهادة للوزير الراحل ميشال إدّه في ندوة عُقدت في مركز عصام فارس في أيار 2013، قال إنّ الرئيس سركيس "كان ربّان باخرة مخلّعة وأعزل إلا من نقاوته اللبنانية ونزاهته النادرة، وتسلّم في 23 أيلول 1976 سدّة الرئاسة في جمهورية قصرها الرئاسي مهجور والدولة فيها دويلات، مجرّداً من أبسط المقوّمات والقدرات الكفيلة بالحفاظ على الجمهورية واستعادة الدولة بوحدة مؤسّساتها"، وإنّ "مهمّة الرئيس شهاب في بناء الدولة تحوّلت مع سركيس مهمّة إنقاذ لبنان، دولة وكياناً وصيغة، من التفكّك والاندثار".

من هو سركيس؟

سركيس "الآدميّ" و"العصاميّ"، كما يقولون، من مواليد عام 1924 في بلدة الشبانيّة إحدى قرى قضاء بعبدا. دخل المدرسة في بلدته قبل أن يكمل المرحلة الثانوية في مدرسة فرير- الجمّيزة، ثمّ واصل تحصيله العالي في الجامعة اليسوعية حيث حصل على إجازة في الحقوق، فيما هو يعمل لتغطية نفقات تعليمه وحياته. مارس بعد ذلك مهنة المحاماة، وتولّى مناصب عدّة: قاضياً في ديوان المحاسبة، ثمّ مديراً للشؤون القانونية في القصر الجمهوري، فمديراً عامّاً للرئاسة، فحاكماً لمصرف لبنان مدّة تسع سنوات (1967 - 1976). هذه الوظائف التي لم تكن تسمّى مناصب، كما اليوم، منحته المعرفة والخبرة وقوّة الدفع الإضافية في مسيرته السياسية والرئاسية. وكان شهابيّاً، ويُعتبر اليد اليمنى لفؤاد شهاب. وكمعظم الشهابيين الأفراد، من غير أصحاب الزعامة والمناصب السياسية وعصبيّاتها الأهليّة، كان إلياس سركيس تقنيّاً من كوادر الإدارة الرسمية أو الحكومية، أيّام كان ذلك ممكناً في لبنان، الشهابيّ على وجه التخصيص. والسؤال كيف أصبح اليد اليمنى لفؤاد شهاب؟

يُروى أنّه في عام 1975 جمّد سركيس بعض المعاملات بعدما تكرّرت المخالفات أكثر من مرّة. غضب الضبّاط الذين أحالوها ورفعوا المسألة إلى اللواء شهاب فسأل عن السبب. قالوا له إنّ هناك مستشاراً في ديوان المحاسبة اسمه الياس سركيس هو الذي يردّها ويوقفها ويعرقل عمل الوزارة، واتّهموه أيضاً بأنّه شيوعي مخرّب. اتّصل شهاب بقريبه جميل شهاب رئيس ديوان المحاسبة مستفسراً عن أسباب وقف معاملات الوزارة، وسائلاً عمّن يكون المستشار الياس سركيس. فقال جميل شهاب لفؤاد شهاب: "إذا كانت المعاملات مجمّدة عند الياس سركيس فمعنى ذلك أنّ فيها عيوباً قانونية تستوجب التوقيف". بالمحصّلة كانت دقّة سركيس في العمل فرصة للتواصل مع شهاب والالتقاء به، وتطوّرت العلاقة إلى أن اختاره مستشاره الأوّل.

يعتبر قزّي أنّ سركيس كان "مرشَّحاً سياسيّاً بامتيازٍ لا مرشَّحاً تقنيّاً، إذ عاش الحياةَ الوطنيّةَ بكلِّ أبعادِها اللبنانيّةِ والعربيّةِ والدُوليّة، وشارك في صناعةِ القراراتِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والعسكريّةِ مع الرئيسَين فؤاد شهاب وشارل حلو"

النزاهة ضحيّة الحروب

في عهده الرئاسي حصلت تطوّرات كثيرة ودراماتيكية في مسار الأزمة - الحروب اللبنانية والشرق أوسطيّة والعربية الإقليمية. فالرجل الذي انتُخب في معمعة القصف، شهد عهده حروباً متنقّلة واغتيالات واحتلالات: ففي الأوّل من حزيران 1975 دخلت أو تسلّلت القوات السورية إلى لبنان، والبقاع تحديداً. وكانت جولات الحروب الأهليّة الإقليمية تتوسّع في البلاد. ورث سركيس التدخّل السوري في لبنان عن سليمان فرنجية، الذي ورث عن شارل حلو اتفاق القاهرة الذي عُقد عام 1969، وكان كارثة الكوارث أيضاً.

لذا غمر كلّ من الدم والقتل والشقاق الأهليّ الخصال السركيسيّة في النزاهة والخدمة العامّة والكفاءة والتخصّص، التي حاول الرجل استعادتها بعد عهد سليمان فرنجية (1970 - 1976) الذي زرع محاسيبه ورهطاً من عشيرته في الإدارات العامّة. لكن كيف كان يمكن للخصال السركيسيّة أن تجد لها مسلكاً في حمّى الاقتتال الأهلي في الشوارع؟! كان البلد في مكان آخر: تغوّل المطامع السورية والإسرائيلية.

في عهده اغتيل كمال جنبلاط على يد النظام السوري، في واحد من منعطفات الحرب. وتبعت اغتياله ردود فعل دمويّة في الشوف حصدت ضعفاء المسيحيين العزّل في القرى والبلدات الشوفيّة. ثمّ اغتال الجناح العسكري الكتائبي طوني فرنجية في إهدن، وتبعت ذلك عمليات ثأر دموية. وكانت الثارات والحروب تتناسل مجازر وتهجيرات متتالية: من الدامور إلى النبعة وتل الزعتر... فالمجزرة تجرّ المجزرة، والتهجير يجرّ التهجير، والحرب تجرّ الحرب، من زحلة إلى الصفرا وصيدا، وصولاً إلى الأشرفية وحرب المئة يوم فيها. أدّت هذه المعارك إلى صعود نجم بشير الجميّل وتصدّره المشهد الحربي في المناطق المسيحية قائداً للقوات اللبنانية تحت شعار "توحيد البندقية المسيحية".

براكين الخارج

كان ذلك في الداخل اللبناني. أمّا الخارج فكانت رياحه أقوى: أنور السادات في إسرائيل بحثاً عن السلام. حرب بين الرئيس حافظ الأسد ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية على لبنان. حرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين على الأراضي اللبنانية. واجتياح إسرائيلي أوّل لجنوب لبنان حتى مجرى الليطاني سنة 1978. ثمّ تبعه اجتياح ثانٍ أشدّ وحشيّة وصل إلى الشوف ومشارف البقاع، وحاصر العاصمة بيروت صيف 1982، ثمّ اجتاحها وأخرج منها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها، إضافة إلى القوات السورية المرابطة فيها وعلى تخومها. وتزامن ذلك كلّه مع عام نهاية ولاية الرئيس الياس سركيس، وانتخاب رئيس جديد.

لبنان صار أتوناً أو على فوهة بركان. لكنّ الاستحقاق الرئاسي ظلّ له حضوره، وبدأ طرح الأسماء التي يمكنها أن تخلف الرئيس إلياس سركيس. يؤكّد العميد غابي لحّود أنّه في مطلع عام 1982 قال السفير الأميركي للرئيس سركيس: "أتمنّى عليك أن تفكّر في موضوع ولايتك، فربّما تحتاج البلاد إلى وجودك سنة إضافية أو اثنتين، على أمل أن تساعد التطوّرات في تحريك الحلّ في لبنان". ردّ الرئيس سركيس سائلاً: "أنتم تريدون شخصي أم سياستي؟ أمّا سياستي فهناك من يستطيع أن يكملها، كما لو أنّ إلياس سركيس مستمرّ، وهو غابي لحّود".

يُحكى بقوّة أنّ سركيس أعدّ أو مهّد أو ساهم في إيصال بشير الجميّل إلى الرئاسة، أو أنّ عهده المتأرجح أو العهد الذي كان يدير الأزمة أنتج بشير الجميّل الذي صعد نجمه في خضمّ الحروب والمجابهات مع الفلسطينيين والسوريين، وكذلك داخل الشارع المسيحي تحت شعار "توحيد البندقية المسيحية"، وهو الذي صرخ أكثر من مرّة: "نحن قدّيسو هذا الشرق وشياطينه (أي المسيحيون)، فلا ترغمونا على التحالف مع الشيطان". وقصد من ذلك إسرائيل التي ربّما كان قد قطع شوطاً في اتصالاته السرّية مع قيادة جيشها واستخباراتها تمهيداً لاجتياح 1982. وكان الجميّل الابن يقول في خطبه إنّه سيتخطّى التسويات إلى الحسم. لكنّه ما إن انتُخب رئيساً للجمهورية، حتى بدأ بتشذيب صورته وراح يبحث عن شخصيّات مثل كريم بقرادوني، يمكنه من خلالها التقرّب من شخصيّات معارضة أو مناهضة له.

انتهى عهد إلياس سركيس، الذي سمّاه البعض الرئيس الباكي أو الحزين، بانتخاب بشير الجميّل الذي سرعان ما اغتيل مع حلمه وحلم المسيحيين بعد نحو 20 يوماً من انتخابه

عشريّة لبنان السوداء

بعد انتهاء ولايته، خاطب إلياس سركيس الناس قائلاً: "إنّني أعرف جيّداً الأيّام المرّة والأليمة التي عشناها معاً... وإذ أدعو الله أن يحفظ لبنان لنا جميعاً... أقول لكم إنّني سأبقى معكم وفي صفوفكم كأيّ واحد منكم من أجل لبنان". لم يمهله العمر طويلاً فتُوفّي في 27 حزيران من عام 1985 في فرنسا متأثّراً بالمرض.

يقول الصحافي جورج الراسي في منشور فايسبوكيّ: "المدّة التي قضاها إلياس سركيس رئيساً كانت من أسوأ الفترات التي عاشها لبنان، ومنذ اليوم الأوّل لانتخابه في الثامن من أيار 1976. ولعلّ قصّته مع الرئيس الفرنسي الذي عاصره فاليري جيسكار ديستان خير دليل على القهر الذي كتم أنفاسه".

والحقيقة تُقال أنّ كلّ رؤساء الجمهورية الخامسة في فرنسا حاولوا مساعدة لبنان للخروج من الحروب المدمّرة. وقد وجّه ديستان دعوة إلى الياس سركيس للقيام "بزيارة دولة" لفرنسا على غرار الزيارة التي قام بها رئيسان: شارل حلو قبل دعوة سركيس، وميشال عون بعد وصوله إلى الرئاسة. لكنّ سركيس اعتذر عن عدم تلبية الدعوة. وفي السنة ما قبل الأخيرة من مرضه كشف عن طلبه ألّا تكون "زيارة دولة" بل "زيارة عمل". وكانت قد انقضت أربع سنوات من ولايته.

طلب منه الرئيس الفرنسي لائحة بالمساعدات العسكرية والاقتصادية التي يريدها لبنان، فلم يعرف بماذا يجيب. سأله الصحافيون السؤال عينه، فتهرّب ولم يروِ غليلهم. لكنّه "بقّ البحصة" لأحد المرافقين: هل أطلب معدّات تستولي عليها قوات الردع السورية والمنظمات الفلسطينية المسلّحة حال وصولها؟!

إقرأ أيضاً: سليمان فرنجيّة.. قصر مهجور وجمهوريّة متشظّية

انتهى عهد إلياس سركيس، الذي سمّاه البعض الرئيس الباكي أو الحزين، بانتخاب بشير الجميّل الذي سرعان ما اغتيل مع حلمه وحلم المسيحيين بعد نحو 20 يوماً من انتخابه. وجاء الثأر له بمجزرة صبرا وشاتيلا. وسرعان ما استُكملت فصول الحروب الملبننة أعنف وأشرس من ذي قبل طوال عقد الثمانينيات أو العشرية اللبنانية السوداء.

غداً: بشير الجميّل: قدّيس لبنان.. وشيطانهُ.

المصادر:

- كريم بقرادوني، "لعنة وطن".

- سجعان قزّي: "أحقّاً تريدون إلياس سركيس آخر؟"، جريدة النهار.

- الياس سركيس، "أنا منكم"، مؤسّسة الياس سركيس.

- مجلّة الوسط، العدد 342، 17 آب 1998.