يا محلى الترويكا

يا محلى الترويكا

نديم قطيش - الإثنين 21 تشرين الثاني 2022

يُحسَد جبران باسيل على كمّ الإنكار وفقدان النزاهة اللذين يتمتّع بهما، وهو يؤسّس خطاب معركته الرئاسية. بالفم الملآن يقول لجمهوره في تسجيل صوتيّ "مسرّب" إنّه يسعى إلى إيصال من "يعطي نموذج الإنسان على رأس الدولة، خصوصاً أنّ الحديث هنا عن الهيبة والتوازن والموقع".. وإنّ التيار "يريد الإصلاح الحقيقي والدولة الحقيقية التي لا يستطيع فرنجية أن يقوم بها".

الأهمّ أنّ باسيل يعتبر أنّ إيصال سليمان فرنجية إلى الرئاسة، سيعيد تأسيس الترويكا الرئاسية، أيام الرئيس الراحل الياس الهراوي والرئيس الشهيد رفيق الحريري و"طويل العمر" الرئيس نبيه برّي، لكن هذه المرّة بترويكا جديدة هي ترويكا فرنجيّة-برّي والرئيس نجيب ميقاتي. ثمّ يسأل عن مآل الترويكا الأولى وما إن كان تكرارها محبّذاً.

لا فكاك من القول إنّ لبنان يستأهل أفضل بكثير من سليمان فرنجية، وإنّ أزمته المتعدّدة الطبقات تستوجب قيادة من نوع مختلف، معرفةً وعلاقاتٍ ومشروعاً. لقد ولّى زمن التسويات التي كانت ممكنة قبل الانهيار الكبير عام 2019 وما تلاه. وما قد يكون صحّ سابقاً في تسويق خيار فرنجيّة، وأنا ممّن كتبوا عنه إيجاباً من باب تحبيذ التسوية، ما عاد يصحّ اليوم، إلّا إن كان لبنان موعوداً بتمديد الأزمة وتعميق الانهيار واستكمال هدم ما تبقّى من هيكل الجمهورية، وهذا الأرجح في نهاية المطاف.

باسيل يعتبر أنّ إيصال سليمان فرنجية إلى الرئاسة، سيعيد تأسيس الترويكا الرئاسية، أيام الرئيس الراحل الياس الهراوي والرئيس الشهيد رفيق الحريري و"طويل العمر" الرئيس نبيه برّي

ولكن يحقّ لنا أن نسأل جبران باسيل، عن سنده وأدلّته وهو يقدح الترويكا الأولى ويتنطّح لمنع تكرارها، إن كان يظنّ فعلاً أنّ رصيد الترويكا أسوأ من رصيد "العهد القويّ". كم يحتاج المرء من الإنكار والنفاق، ليهاجم مرحلة، بكلّ الطعون الممكنة فيها، شهدت بناء الدولة والمؤسّسات والاقتصاد والخدمات وصورة فاخرة عن لبنان ولبنان الممكن، في مقابل مرحلة "الجحيم العونيّ" التي أخذت البلاد إلى سقوط ملحميّ؟

يتناسى جبران باسيل أنّه في جمهورية الترويكا الأولى، أُعيد بناء قطاع الكهرباء في حين أنّ في عهد ميشال عون باتت سرقة كابلات الكهرباء وبيعها في سوق الخردة، هي مورد اليائسين لتأمين ما يسدّ الرمق أو يشتري الدواء أو يدفع ثمن بطاقة موت على مركب غارق حكماً. تكفي هذه المقارنة فقط، من دون الإشارة الى أيّ مؤشّر تنموي آخر، ليخجل الباسيليّون والعونيون من ممارسة الفجور السياسي والوطني والتعبويّ الذي يمارسونه.

يا محلى الترويكا، بكلّ سيّئاتها، التي من الممكن الحديث عنها، في مقابل يوم عونيّ واحد في بعبدا.

وإذا يتنافخ جبران باسيل وهو يتحدّث عن عدم مونة زعيم ميليشيا حزب الله حسن نصرالله عليه في الملفّ الرئاسي، وأنّ حماية ما يسمّى "المقاومة" ليست كلّ شيء، ينسى أنّ العونيّة السياسية، كانت ولا تزال هي السند الأهليّ والسياسي والدستوري لهيمنة حزب الله على البلاد، من نظريّة تحالف الأقليّات إلى تغطية آلة القتل، أو حتى المشاركة في تمهيد الطريق أمام الاغتيالات، كما حصل في ملفّ الشهيد وسام الحسن!

ما يُسمّى الغطاء المسيحي العونيّ لحزب الله، هو في الواقع شراكة بين الطرفين لعب فيها ثنائي عون-باسيل دوراً وظيفيّاً في تمكين ميليشيا مذهبيّة من "احتلال" البلاد، احتلالاً تامّاً، ولا ينفع اليوم أن ينتحل باسيل صفة الندّ الشجاع لحسن نصرالله. ليتواضع أمام الشجعان الحقيقيّين ممّن رفضوا هيمنة السلاح وفساد السلاح وجريمة السلاح، حين كان هو وعمّه وحزبه وجمهوره مكوِّناً من مكوِّنات خلطة الموت والدمار.

إقرأ أيضاً: كلّهم كانوا ضدّه... وخطران اليوم عليه

وإذا صحّ القول "يا محلى الترويكا" يصحّ في هذا السياق السياسي القول "يا محلى الوصاية السورية" أمام تغوّل الاحتلال الإيراني الذي حوّل البلاد كلّها مخزن أسلحة وغرفة عمليات للحرس الثوري الإيراني، محمولاً على أكتاف العونيّة السياسية، قبل وأكثر من غيرها. طبعاً أقول هذا الكلام من باب أنّ الشيء بالشيء يُذكر، لا من باب تفضيل أجنبي على أجنبي. فلا سقى الله ذكرى الوصاية السورية ولا أطال بعمر وصاية إيران، كي تتسنّى للبنان فرصة نهوض من جحيمه الراهن والمستمرّ بأفضال مصائب العونيّة السياسية التي يأخذها باسيل اليوم إلى ارتفاعات جديدة.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: NadimKoteich@