أين الجهْل العوني من الجاهل؟

أين الجهْل العوني من الجاهل؟

أبو زهير - الإثنين 21 تشرين الثاني 2022

تقول "السالفة" إنّ إشكالاً قانونيّاً وقع قبل عقود بين شركة Air France  والحكومة اللبنانية في عهد الرئيس اللبناني فؤاد شهاب، ووصل إلى القضاء اللبناني لبتّ الأمر، فرفع الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول سمّاعة الهاتف، واتّصل بالرئيس شهاب متحدثاً إليه طويلاً عن ذاك النزاع.

بعد أخذ وردّ، توصّل الطرفان إلى تسوية تقضي بضرورة إخراج حلّ ودّي للأزمة. دفع هذا الأمر بالرئيس شهاب إلى الاتصال بمدير غرفة الرئاسة الياس سركيس في حينه، لإبلاغه بنتيجة الاتصال والتسوية التي توصّلا إليها، ثمّ طلب منه أن يُبلغ قاضي الأمور المستعجلة سليم الجاهل الممسك بالملفّ بهذه النتيجة.

قصد الياس سركيس مكتب الجاهل في قصر العدل، وأبلغه بأمرِ التسوية. لكن بعد أيام، فوجىء الرئيس شهاب بأنّ القاضي أصدر حكماً مخالفاً للتسوية المتّفق عليها بين الرئيسين. فأسرع شهاب إلى توجيه رسالة للجنرال ديغول يقول فيها إنّ القاضي اللبناني لم يقبل بالتسوية التي توصّلنا إليها، ويعتذر منه عن ذلك.

جاء الجواب الأجمل من طرف ديغول، الذي بعث لفؤاد شهاب برسالة يقول فيها إنّ لبنان عليه أن يعتزّ بقضاة يضعون الحقّ فوق السياسة، وبدلاً من أن يعتب الرئيس الفرنسي على لبنان، هنّأه بنزاهة القضاء اللبناني.

جاء الجواب الأجمل من طرف ديغول، الذي بعث لفؤاد شهاب برسالة يقول فيها إنّ لبنان عليه أن يعتزّ بقضاة يضعون الحقّ فوق السياسة

بعد تلك الحادثة دقّ جرس الهاتف في منزل القاضي سليم الجاهل، فردّ على الخط وسمع صوتاً يقول: "فؤاد شهاب عم يحكي، يا سليم أنت أصدرت حكماً مخالفاً لتسوية سياسية رئاسية، وإنّني أفخر بك. كنت فخوراً كثيراً أمام الرئيس الفرنسي".

روى المحامي عبد الحميد الأحدب هذه "السالفة" منذ زمن، وقال وقتئذٍ إنّ الياس سركيس حينما انتقل إلى مكتب القاضي الجاهل في قصر العدل ليُبلِّغه بأمر التسوية بناءً على طلب الرئيس شهاب، رحّب به القاضي أيّما ترحيب، لكنّه استوقفه بالقول: "يا أستاذ الياس هذا اتفاق سياسي، والسياسة تقف على أبواب قصر العدل، فاعذرني أن أبقى قاضياً ينظر إلى النزاع بتجرّد وعدل، ومن الزاوية القانونية وليس من الزاوية السياسية".

مرّت على هذه الحادثة عقود، ولم تَعُد سوى ذكرى نتغنّى بها ونكرّرها كلّما قرأنا أو سمعنا عن مآثر القضاء اللبناني والرؤساء الـStock في هذه الأيام. فتعيدنا بالنُهى إلى أطلال "لبنان الجميل"، الذي شبّهه العرب ذات يوم بـ"سويسرا الشرق". ذاك الـ"لبنان" الذي كان أرضاً خصبة تشبه أرض فرنسا، التي تُنبت رجالات ورؤساء يتحلّون بالمسؤولية وبشجاعة الاعتذار عند الخطأ، لا كما في أيامنا هذه، حيث أشباه الرؤساء و"خيالات صحرا" في البلدين... فأين الثراء من الثرى؟

بالتزامن مع ذلك، ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، تذكّرنا هذه السالفة، وبما آلت إليه حال بعض القضاة من انحدارات أخلاقية ومهنية. تذكّرنا بفصول القاضية غادة عون، التي جعلت من أعتاب قصور العدل "مِمسحة" Vileda صفراء للسياسيين، بعد تقبّلها بأن يملي عليها الرؤساء (الفعليّون ورؤساء الظلّ) التعليمات والأوامر، وترفض الاستماع إلى السلك الذي تنتمي إليه، لا بل تستقوي بـ"رجالات" السياسة (على زعمهم) على مرؤوسيها، مُقحمة خواصّ السياسة وروح المناكفات في لبّ عملها القضائي وعمل السلك ككلّ!

إقرأ أيضاً: الفرح ليس حكراً على العونيّين!

تذكّرنا بزمن الرؤساء الفرنسيين الكبار، الذين يحترمون القانون وعمل المؤسّسات، فلا يلتفتون إلى منطق الدويلات والميليشيات أو يخضعون للتسويات الرخيصة à la libanaise، فيتذلّلون للفاسدين بعد تعويمهم وانتشالهم من تحت الأنقاض والركام... (إسألوا أهالي الجمّيزة).

أين إيمانويل ماكرون اليوم من شارل ديغول؟ وأين ميشال عون (وصهره رئيس الظلّ) من فؤاد شهاب؟

بل أين غادة عون من سليم الجاهل؟

سقى الله تلك الأيّام.

 

*هذا المقال من نسج خيال الكاتب

لمتابعة الكتاتب على تويتر: abo_zouheir@