المعارضة شريكة الموالاة في "الكوميديا السوداء"

المعارضة شريكة الموالاة في "الكوميديا السوداء"

إيلي القصيفي - الأحد 20 تشرين الثاني 2022

للمرّة السادسة على التوالي يتواصل عرض مسرحية انتخاب رئيس للجمهورية في المجلس النيابي. فعناصر العمل المسرحي متوافرة كلّها. فلا المرشّحون المعلَنون يصدّقون أنفسهم، وإن هم فعلوا في لحظة نشوة فإنّ مؤيّديهم يوقظونهم من سكرتهم حين يعلنون صراحة أو مواربة أنّهم مستعدّون للتخلّي عنهم في لحظة التسوية.

 

شخوص المسرح

هذا ما فعله تباعاً وليد جنبلاط وسمير جعجع مع ميشال معوّض. ولا المرشّحون المستترون حتى الآن واثقون بأنّ حظوظهم قائمة وأنّ انتخابهم أمر واقع لا مفرّ منه في لحظة التسوية. وهذه حال سليمان فرنجية الذي لم يؤيّد حزب الله ترشيحه جهاراً بعد، ولذلك باتت أيضاً حماسة مناصريه وانتظارهم لحظة انتخابه جزءاً من المسرحية.

أمّا نوّاب التغيير فبدلاً من أن يفضحوا العرض المسرحيّ المتواصل في المجلس، فقد أصبحوا يلعبون أدواراً رئيسية فيه، لا بل إنّهم يتبارون فيما بينهم على من يلعب دوره المسرحي أفضل من غيره.

غياب المعارضة السياسية الفاعلة يحوِّل التسوية إلى استسلام. هذا ما حصل في 2016، وما يحصل الآن، مع فارق أنّ الحزب ومن ورائه إيران لا يملكان في ظلّ ظروفهما الحالية

حتّى سامي الجميّل، الذي حاول أن يعيد المجلس إلى الواقع من خلال فتح نقاش في النصاب الدستوري لجلسات انتخاب الرئيس، تحوّل بدوره إلى مشارك في المسرحية بدور ثنائي مع رئيس المجلس، إذ يدركان مسبقاً أنّ هذا النقاش لن يصل إلى أيّ مكان، وليس أمامهما سوى أداء دورَيْهما في المسرحيّة بشكل ناجح. هذا قبل أن ينضمّ نديم الجميّل وقبلان قبلان بحماسة إلى العرض المسرحي ولو بأدوار ثانوية، لكن يُسجّل لهما رفضهما الجلوس في مقاعد المشاهدين!

 

سوابق أقلّ كوميديّة

لم يسبق أن شهد لبنان مثل هذه  "الكوميديا السوداء" التي تحصل في المجلس النيابي. حتى في الانتخابات السابقة لم تكن حال المجلس على هذا القدر من انعدام الجدوى، على الرغم من فشل النواب في انتخاب رئيس خلال أكثر من 50 جلسة على مدى سنتين ونصف سنة. ففي المرّة السابقة كان ترشيح ميشال عون جدّيّاً إلى أقصى حدّ.

هذا ما يشكّل الفارق النوعيّ بين الانتخابات السابقة والحالية، التي لا مرشحّ جدّياً فيها على النحو الذي كانه عون. وإذا كان فرنجيّة المرشّح الأكثر جدّيّة الآن، لكنّ جدّيّته ليست نهائيّة، ما دام عدم ترشيحه العلني من قبل الحزب  يعني أنّه مستعدّ للتخلّي عنه والبحث عن مرشّح بديل. ولذلك فرنجيّة هو أيضاً يؤدّي دوراً في المسرحية، وإن كان دوراً أكثر جدّية من الأدوار الأخرى. ويبدو أنّ فرنجية قد تعلّم من أخطائه في الانتخابات السابقة فأصبح أقلّ انفعالاً وأكثر تحفّظاً، لكنّه يدور حتى الآن في حلقة مفرغة ما دام الحزب لم يؤيّد ترشيحه علانية. فنجيب ميقاتي وحتّى نبيه برّي لن يفيداه في شيء إن لم يرشّحه الحزب الحاكم، مدير المسرح.

لكنّ الحلقة المفرغة الأخطر هي تلك التي يدور فيها المجلس النيابي على نحو جعله، وهو السلطة التي تمنح الثقة لباقي السلطات، منزوع الثقة بنفسه قبل أن يفقد الثقة الشعبية به. وهذا أصبح عطباً كبيراً في النظام البرلماني اللبناني. فمَن يحاسب برلماناً لا يؤدّي وظائفه الأساسية؟ وهذا ما يُفترَض أن يدفع في نظام ديمقراطي حقيقي إلى حلّ البرلمان والذهاب إلى انتخابات نيابيّة مبكرة، وإلّا تكن العملية الديمقراطية قد أقفلت على نفسها بنفسها.

لم يسبق أن شهد لبنان مثل هذه  "الكوميديا السوداء" التي تحصل في المجلس النيابي. حتى في الانتخابات السابقة لم تكن حال المجلس على هذا القدر من انعدام الجدوى

جمهوريّة مستحيلة

المشكلة أنّ المعارضة والموالاة، إذا ما اعتبرنا أنّ الموالاة هي الحزب وحلفاؤه، والمعارضة خصومهم، تلعبان على المسرح عينه أدواراً مختلفة. لذا لا معارضة حقيقية الآن في لبنان، لا تغييرية ولا تقليدية، وإلا لتوقّفت الكوميديا السوداء في المجلس النيابي، أي لكانت انكسرت تلك الحلقة المفرغة التي يدور فيها البرلمان ومعه البلد بأكمله.

لا شكّ أنّ كسر هذه الدائرة المغلقة ما عاد ممكناً من ضمن الدائرة المغلقة نفسها، بل بالخروج منها كليّاً. وذلك من خلال الاستقالة من المجلس النيابي العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية. فلو كنّا في نظام ديمقراطي فعليّ لكانت تبدّلت أولوية انتخاب الرئيس بعدما عجز المجلس ستّ مرّات متتالية عن انتخابه. أصبحت المشكلة الرئيسية في المجلس نفسه لا في الفراغ الرئاسي، وبالتالي صارت الأولوية التخلّص من المجلس العقيم والذهاب إلى انتخابات جديدة.

ربّ قائلٍ إنّ هذا أمر غير ممكن حالياً. لكنّنا بتنا أيضاً في جمهورية غير ممكنة. ولذلك يعني عمليّاً عدم ظهور أيّ حالة تمرّد سياسي داخل البرلمان على الأمر الواقع المفروض عليه وعلى البلد، فالموالاة والمعارضة شيء واحد وشركاء في الأزمة، وما عاد ينفع هنا توزيع المسؤوليّات، وكأنّما المسألة تقنية وأخلاقية، بينما هي مسألة سياسية بامتياز وتتطلّب ردّ فعل سياسي ضدّ الموالاة والمعارضة معاً.

 

موت السياسة

حتّى النواب التغييريّون الذين يقدّمون أنفسهم معارضةً ضمن المعارضة أو معارضةً شاملةً لكلّ المنظومة السياسية، باتوا بدورهم جزءاً من المشكلة وتعبيراً عن انسداد الأفق السياسي في البلد. لقد حكم هؤلاء النواب على أنفسهم بالسقوط السياسي النهائي، إلا إذا أقدموا على تقديم استقالتهم من المجلس النيابي وحمّلوا باقي المعارضة مسؤوليّة الأزمة من خلال القبول بتعطيل المجلس واستمرار الفراغ الرئاسي، وإلّا فليستقِل جميع نوّاب المعارضة.

عدم حصول هذا الأمر هو تأكيد لموت السياسة في لبنان. وهو موت يفاقمه سلوك الحزب الأكبر في البلد، أي حزب الله، الذي يتصرّف بذهنيّة أمنيّة مع الأزمة. فالحزب يبحث دائماً عن حلول أمنيّة للمشكلات السياسية.

 

الحزب الأمنيّ الحاكم

لكنّ هذا دأب حزب الله منذ ولادته، فهو يفاقم خطورة المشكلات. هكذا فعل أقلّه منذ 7 أيار 2008، مروراً بمشاركته في حوار عين التينة مع تيّار المستقبل، ثمّ انتخاب ميشال عون، والآن يتعاطى مع الأزمة الرئاسية الحالية وفق المنطق نفسه، حسبما عبّر أمينه العامّ بالقول: "نريد رئيساً لا يطعن المقاومة في ظهرها". وهذا كلام يطعن المعارضة والسياسة والديمقراطية في قلبها. وهي طعنة نجلاء لا تشفيها أيّ تسوية.

إقرأ أيضاً: "لبنان الممانع" يُسقط الديموقراطية

إنّ غياب المعارضة السياسية الفاعلة يحوِّل التسوية إلى استسلام. هذا ما حصل في 2016، وما يحصل الآن، مع فارق أنّ الحزب ومن ورائه إيران لا يملكان في ظلّ ظروفهما الحالية، وعلى الرغم من جنوحهما إلى التصعيد أخيراً، ترف التّعنّت كما في 2016. مع ذلك ليست المعارضة مستعدّة لتحسين شروطها، أو حتى خلط الأوراق أو قلب الطاولة، بل هي تفضّل الحفاظ على أدوارها في المسرحية الدائرة، ولو كانت أدواراً ثانوية!

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: eliekossaifi@