انبعاث العصبيّات في أوروبا.. العودة إلى ابن خلدون؟

انبعاث العصبيّات في أوروبا.. العودة إلى ابن خلدون؟

العميد الركن خالد حماده* - السبت 19 تشرين الثاني 2022

لم تنجح الولايات المتّحدة في استخدام قمّة العشرين، التي اختتمت أعمالها أول من أمس في "بالي"، إحدى جزر إندونيسيا الساحرة، منصّةً لتحقيق إجماع دول الاقتصادات الكبرى في العالم على إدانة روسيا وتحميلها تبعات الحرب على أوكرانيا. وقد جاء مدروساً بعناية اختيارُ الزعيم الإندونيسي جوكو ويدودو، الذي رأست بلاده "مجموعة العشرين" العام الحالي، تخصيص الجلسة الأولى لبحث أزمة الغذاء، نظراً إلى وجود إجماع لدى الدول الأعضاء على أهميّة هذه القضيّة، حائلاً بذلك دون تحويل القمّة الاقتصادية إلى منصّة لمناقشة القضايا الأمنيّة التي طغت عليها الحرب الأوكرانية على الرغم من عدم إدراجها على جدول الأعمال.

"تنظيم القوميين الأوكرانيين" و"جيش التمرّد الأوكراني"، واستمرّت حتى عام 1944، وأدّت إلى مقتل عشرات الآلاف من البولنديين

الوهج الصينيّ

كان بالمرصاد موقفُ الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي دعا إلى معارضة تسييس مشكلات الغذاء والطاقة وتحويلها إلى أدوات وأسلحة. وقد عبّر عن معارضته سياسة العقوبات الغربية على روسيا حائلاً دون تحقيق الرغبة الأميركية ومنقذاً المسوّدة النهائية للبيان التي اكتفت بتسجيل "إدانة غالبية دول مجموعة العشرين بحزم للحرب في أوكرانيا التي تقوّض الاقتصاد العالمي".

اختبر الرئيس الأميركي جو بايدن في بالي بزوغ عالم جديد لا يتلقّى الإملاءات الأميركية، إذ كان واضحاً ثقل الصين الاقتصادي ووهج رئيسها المنتخب لولاية ثالثة على رأس الحزب الشيوعي، وهو ما يمهّد لتثبيته رسمياً لولاية جديدة على رأس الدولة في آذار 2023، في توجيه المنحى العام للمؤتمر، وربّما عبّر إلغاء الاجتماع الذي كان مقرّراً بين رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك مع الرئيس الصيني على هامش اجتماعات القمّة، وهو الاجتماع الأول منذ خمس سنوات لزعيمَيْ البلدين اللذين تشهد علاقاتهما توتّراً  كبيراً، عبّر عن معادلة دولية جديدة وشراكة فرضت نفسها على علاقات عالم ما بعد الحرب الباردة ينبغي التعامل معها بواقعية.

روسيا تستفزّ الناتو

بالتوازي مع اجتماعات بالي وُضعت الولايات المتّحدة وحلفاؤها في القمّة وفي حلف الناتو أمام اختبار آخر إثر صدور بيانات عسكرية تحدّثت عن تعرّض بولندا لهجوم صاروخي روسيّ في منطقة حدودية مع أوكرانيا، تبعتها تصريحات أوكرانية على لسان الرئيس فولوديمير زيلينسكي وبولندية رئاسية بالغة التوتّر تدعو إلى  تفعيل المادّة الرابعة من ميثاق الناتو التي تستوجب اجتماع الدول الأعضاء في حال تعرّض إحداها لاعتداء خارجي للتشاور واتّخاذ قرار بالإجماع يتعلّق بردود  الفعل، والمادّة الخامسة التي تعتبر أنّ الاعتداء على أيّ دولة في الحلف هو اعتداء على كلّ الدول الأعضاء ويستوجب الردّ. لم تكن حراجة الموقف المستجدّ في استثماره من قِبل واشنطن لفرض مزيد من الإجراءات على موسكو، بل في الاندفاعة البولندية والأوكرانية لدفع دول الناتو نحو مزيد من التصعيد والدعوة الصريحة إلى توسيع دائرة النزاع على الرغم من نفي موسكو مسؤوليّتها عن الهجوم.

بالتوازي مع اجتماعات بالي وُضعت الولايات المتّحدة وحلفاؤها في القمّة وفي حلف الناتو أمام اختبار آخر إثر صدور بيانات عسكرية تحدّثت عن تعرّض بولندا لهجوم صاروخي روسيّ في منطقة حدودية مع أوكرانيا

أظهرت ردود الفعل على الموقف المستجدّ افتراقاً أوروبياً واضحاً بين شرقها وغربها، ليس في الموقف من الحرب الدائرة، بل في استحضار الموروث التاريخي المبني على العصبية والعدائية والثأرية بما يخالف القيم الغربية التي تسعى إلى تحقيق المصالح والنفوذ تحت عناوين الاستقرار والسلم  الدوليَّين. ففيما تماهت كلّ من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وحلف الناتو مع موقف الولايات المتّحدة الذي استبعد احتمال الهجوم الروسي استناداً إلى المعطيات التي وفّرتها الأقمار الصناعية، استمرّ التصعيد من قِبل الدول التي دخلت الحلف بعد انتهاء الحرب الباردة، ولا سيّما بولندا وأوكرانيا وليتوانيا، وتحدّثت بيانات عسكرية عن حشود عسكرية على حدود كاليننغراد الروسية (مقاطعة روسية مطلّة على بحر البلطيق تقع بين بولندا وليتوانيا ولا تتّصل بالبرّ الروسي). لكنّ الجنوح البولندي أخمده الموقف الواضح للرئيس الأميركي، كما ربط الموقف البولندي المطلوب أميركياً مشاركة أوكرانيا في التحقيق بموافقة واشنطن.


الثأر البولندي

إنّ الاندفاعة البولندية إلى تصدّر المشهد العسكري في أوكرانيا، من خلال سماحها باستخدام أراضيها لنقل أحدث الأسلحة من الدول الغربية، وفتح الحدود بين الدولتين، ونشر آلاف المتطوّعين البولنديين مع الجيش الأوكراني، ولا سيّما في المناطق الغربية، لا تتّفق مع التاريخ الدامي والمواجهات التي وقعت بينهما في المناطق الحدودية وقادها تنظيمان متطرّفان هما:
"تنظيم القوميين الأوكرانيين" و"جيش التمرّد الأوكراني"، واستمرّت حتى عام 1944، وأدّت إلى مقتل عشرات الآلاف من البولنديين. وتفترض الواقعية قراءة المشهد من حيث هو ثأرية تاريخية من قِبل بولندا لاقتناص الفرص واستعادة أرض الأجداد، ويقابلها إمعان أوكراني في تكريس انتصار تاريخي على دول الجوار.

إقرأ أيضاً: إعلان الجزائر ..نافذة عربيّة أمام لبنان

فهل تعوّل بولندا من خلال دورها الجديد في الحرب الدائرة على انتزاع الأجزاء الغربية من أوكرانيا التي انتُزعت منها عنوة في أربعينيات القرن الماضي؟ وهل يتنامى التطرّف في أوروبا بما يهدّد بتقسيم أوكرانيا تبعاً لمناطق الإقامة الكثيفة لمواطني الدول المحيطة بها، ولا سيّما رومانيا  والمجر؟ وهل تكفي مقولة بايدن أمام الكونغرس الأميركي إنّ "الولايات المتّحدة ستستمرّ في قيادة الساحة العالمية بدبلوماسية مدعومة بأفضل قوّة قتالية في العالم" لوقف عودة العصبيّات إلى أوروبا، أم على واشنطن العودة الى مقدّمة ابن خلدون للبحث عن حلول للعصبيّات الأوروبية المتنامية؟

* مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات