كلّهم كانوا ضدّه... وخطران اليوم عليه

كلّهم كانوا ضدّه... وخطران اليوم عليه

جان عزيز - الجمعة 18 تشرين الثاني 2022

سقط الطائف السوري إلى غير رجعة. بل دُفن. وأُقيم على قبره حرّاس شهود شهداء، من كلّ الوجدانات بلا استثناء. وما بقي اليوم هو الطائف اللبناني. وأجمل ما فيه اسمه الأصليّ: وثيقة الوفاق الوطني.

لكن فلنتذكّر هذه الحقائق: كلّهم كانوا يوماً ضدّ الطائف. ثمّ انضووا كلّهم تحت سقفه، وعلى مراحل، وعن قناعة أو انتهازيّة. والأهمّ أنّ هذا السقف في خطر اليوم. لا بل أمام خطرين وجوديَّين اثنين.

                                **********************************

الطائف، الذي أُقرّ قبل 33 عاماً، هو تسوية ميثاقية، أُعطيت كألواح الوصايا لأناس هم خليط من عقل وجنون، من شغف حياة واستسهال موت وقتل، ونحر وانتحار. كانوا قد تقاتلوا حتى أُنهكوا، فأُعطيت لهم خلطة عجائبية من تسوية ميثاقية حول الأساسيّات، وتفاصيل تنظيمية حول التقنيّات والإداريّات.

الميثاقي في الطائف هو الثابت. التنظيميّ متحوّل. الميثاقي هو المؤسّس. العملاني هو المتطوّر. الميثاقي جاء من المعاناة. التنظيمي جاء من ردود الفعل حيال الكيديّات والحرتقات والحساسيّات.

كان ميشال عون متّهماً بأنّه جيَّر الجيش اللبناني كلّه لهَوَس رئاسيّ. فجاءت فقرة المادّة 49 الشهيرة ومهلة السنتين لانتخاب الموظّفين

الشقّ التنظيمي من الطائف محدَّد بزمانه ومكانه:

مثلاً، كان أمين الجميّل متّهماً بتأخير إصدار المراسيم والقوانين. فصار في الاتفاق نصٌّ على مُهَل دستورية ملزِمة لتوقيع الرئيس. بينما لا مهل لتوقيع وزير.

أو كان ميشال عون متّهماً بأنّه جيَّر الجيش اللبناني كلّه لهَوَس رئاسيّ. فجاءت فقرة المادّة 49 الشهيرة ومهلة السنتين لانتخاب الموظّفين.

هذا الشقّ التنظيمي من الوثيقة عَرَضيّ تفصيليّ. وهو قابل لأيّ تطوير، وبنصوص من دون الدستور. نظام داخلي لمجلس الوزراء كافٍ وحده لحلّ معظم تلك الإشكاليّات الإدارية التقنيّة، إن لم يكن كلّها.

الميثاقيّ أساس الطائف

لكنّ الأساس في الوثيقة هو الطائف الميثاقيّ. وفيه ثلاث مسلّمات تأسيسية بنيويّة:

- أوّلاً، هذا التلازم بين الانتماء العربي ونهائية الكيان اللبناني. مع المفارقة أنّ بداية نهضة العروبة الحديثة مسيحية أكثر منها مسلمة. بينما مقولة نهائية لبنان شيعية لا مسيحية، أطلقها السيّد موسى الصدر منتصف السبعينيّات، قبل أن تكرّسها "الثوابت الإسلامية" من دار الفتوى في أيلول 1983، قبل الطائف بأعوام ستّة.

- ثانياً، التلازم بين الشراكة في السلطة (على قاعدة لا شرعيّة لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) مع إطلاقيّة السيادة في الدولة ولها. وهي المعادلة التي دُفِع البطريرك صفير دفعاً إلى التعبير عنها ذات يوم من أيّام الوصاية، بالقول: "إذا خُيّرنا بين الحرّية والتعايش، اخترنا الحرّية"... مع أنّ شراكة السلطة هذه تحوّلت مع منظومة الحكم على مدى 33 عاماً إلى زبائنيّة فاضحة فاجرة، بينما سياديّة الدولة صارت طبيعة عضوية أحشائيّة عند كلّ لبناني. لا لزوم للنصّ عليها ولا لمقايضتها بأيّ شيء بعد.

- ثالثاً، التلازم بين مركزيّة السلطة الحكومية ولامركزيّة السلطات الإنمائية والإدارية والخدماتية، على أوسع نطاق. وهو ما لا يزال عالقاً بين تخلّف حكم المركز، وتعثّر نموّ الأطراف.

وكان في الطائف تلازم - تزامن رابع، لكن عابر. هو التلازم بين الإصلاحات والانسحابات والانتخابات.

كان المسلمون يريدون الإصلاحات أوّلاً. وكان المسيحيون يريدون انسحاب السوري أوّلاً. وكان استحقاقُ انتخاب رئيس جديد عالقاً بين المطلبين. فأقرّ الطائف تلك الوصفة البديهية المتمثّلة في جدول زمني متلازم بين إصلاح وانتخاب وانسحاب، قبل أن يسقط هذا الجدول في كمين أبي جمال (نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدّام)، مع بداية الطائف السوري، من خلال ربط الانسحاب بإلغاء الطائفية، وفي كمين أبي بهاء (الرئيس رفيق الحريري) في نهايته، حتى اقتنعنا كلّنا، بفعل الدم والدمع والهزيمة والهجرة، بأنّه يكفينا أن نتصالح فوق القبور.

ولا لزوم الآن للعودة إلى الخلفيّات التاريخية لتلك التلازمات الثلاثة، بين ما كان منها مسيحياً وما كان مسلماً، خاصة أنّه خلال 33 عاماً، وخصوصاً منذ جلاء الاحتلال السوري سنة 2005 حتى اليوم، ذابت تلك التصنيفات والتقسيمات، حتى تمّ تبادلها وتشاركها وتكاملها، وصولاً إلى تحوُّلها كلّها مسلّمات لبنانية خالصة. هكذا صار "لبنان أوّلاً" مطلباً سنّيّاً، والجنوح شرقاً هيصة مسيحية. ولم تعد العروبة أصلاً هويّة دينية سياسية هنا. ولم تعد "الفكرة اللبنانية" تقسيمية انعزالية هناك. عاش اللبنانيون، بين الحداثة والعولمة، في عقولهم وعوالمهم، شيئاً من حالة التنافذ (Osmose)، فصاروا فعلاً أبناء تلك "اللبنانية"، كما سمّاها منح الصلح، بينما كان الزعماء وما زالوا في كوكب آخر، وهو ما أدّى إلى وحدة الساحات في 17 من ذلك التشرين، الذي كان وسيبقى هاجس كلّ المنظومة وموحِّد استبداديّيها، الفعليّين منهم أو الكاريكاتوريّين، في مواجهة جيل رائع، سلاحه وعي سمارتفونيّ (الهواتف الذكية) أفعل من كلّ أسلحة الإستابليشمانت.

الميثاقي في الطائف هو الثابت. التنظيميّ متحوّل. الميثاقي هو المؤسّس. العملاني هو المتطوّر. الميثاقي جاء من المعاناة. التنظيمي جاء من ردود الفعل حيال الكيديّات والحرتقات والحساسيّات

المسلَّمات والجماعات كلّها تطوّرت

لكنّ الحقيقة الممنوعة هي أن ليست المسلّمات وحدها تطوّرت، بل مواقف الجماعات والوجدانات والزعامات أيضاً. ففي الأصل لم يكن أيٌّ منهم مع الطائف فعلاً. القول إنّ كلّ اللبنانيين أجمعوا على تلك الورقة، وإنّ ميشال عون وحده رفضها فسحقته، فيه شيء من أسطورة غسل الدماغ. فالعودة إلى الوقائع والحقائق تُظهر العكس تماماً. كلّهم تقريباً كانوا ضدّها.

كان عون مقاتلاً في وجه الطائف، مع أنّه حاول أن يخترع له ولنفسه تخريجة "الفاصلة" (إبسيلون) ليقبله، قبل أن يوقّع ورقته المشروطة قبل 24 ساعة من الاجتياح، تلك الورقة التي حملها رينيه ألا (السفير الفرنسي آنذاك) إلى الرئيس الراحل الياس الهراوي، فأخفاها الأخير ليكمل علّة وجود رئاسته.

أمين الجميّل أعلن الموقف العوني نفسه. سليمان فرنجيه الجدّ كان ضدّ فلسفة الطائف منذ جنيف ولوزان. وحفيده أعلن في أيلول 2006 أنّه آن أوان تغيير الطائف. سمير جعجع وقف صارخاً سؤاله الاستنكاري في 26 كانون الأول 1989: وهل تُسأل القوات عن الطائف؟! نبيه برّي كان واضحاً في العلن والإعلام. قال صراحة: أعطونا مداورة الرئاسات يصبح إصلاح النظام واقعاً. المفتي الراحل عبد الأمير قبلان صارح ناسه على مضض واضح: قَبِلنا بالطائف لأنّ البديل كان التقسيم. حزب الله لم يكن معنيّاً بالمسألة، ولا بلبنان كلّه يومها. كان لا يزال تحت عباءة (الأمين العامّ السابق لحزب الله صبحي) الطفيلي الإيرانية، قبل أن يصير الأخير ركناً في 14 آذار (!!)، فلم يهتمّ حزبه يومها.

وليد جنبلاط، من جهته، رفع ورقة مكتوبة. عشر ملاحظات تنسف الطائف من جذوره وتعلن مؤشّراً واضحاً: حين تقبلون بانتخاب الرئيس من الشعب، تكونون صادقين في الإصلاح! القوى الإسلامية أصدرت بياناً متطرّفاً: إنّه تأبيد للنظام الطائفي ونحن نرفضه.

إقرأ أيضاً: على قياس الأسد والحريري؟!

كلّ ذلك كان قبل 33 سنة...

كتب جان بيار فالونيو (اسم مستعار لدبلوماسي فرنسي رفض الكشف عن اسمه) صاحب المؤلَّف الضخم "حياة مسيحيّي الشرق وموتهم"، في ختام فصله عن لبنان، أنّ شيئاً واحداً يبدو قادراً على إعادة إحياء بلد الأرز، ألا وهو رفض اللبنانيين بالإجماع حكم سوريا لهم. والمعنى نفسه حصل مع اتفاق الطائف، بحيث إنّ سيطرة، بل سلبطة، الطائف السوري على لبنان، أعادت كلّ المقاطعجيّة اللبنانيين إلى الطائف اللبناني، حتى انتصر، وحتى اقتنعنا جميعاً أنّه السقف والعتبة، وأنّه إطار العيش معاً ودرعه.

لكن يبقى حيال ذلك الآن، خطران اثنان:

- أوّلاً، ألّا يأتي رئيس يقرأ الطائف بهذا المعنى، فضلاً عن خطر أن يأتي رئيس لا يقرأ أصلاً.

- ثانياً، ألّا نفتح اتفاق الطائف على أفقه الأوسع والأكمل: دولة مدنية كاملة، بحسب منطوق المادّة 95 و"إلغاء الطائفية"، بحيث يكون لنا مشروع وطن وحلم مواطنة... كيف؟؟ فلنتابع.

لمتابعة الكاتب على تويتر: [email protected]