facebook نقاش الهويّة في الإمارات: حاجةٌ لا ترف!

نقاش الهويّة في الإمارات: حاجةٌ لا ترف!

محمد قواص* - الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2022

أثار الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله نقاشاً يتّصل بالهويّة الإماراتية إثر نشر مقالات له بهذا الصدد. وكان لافتاً توق النخب للانخراط في جدل من هذا النوع، سواء في تأييد حجج ودحض أخرى، أو في فتح ورش لتناول قضايا البلد المتعلّقة بشأن مستقبله الاجتماعي من المداخل الديمغرافية أو الهويّاتية أو حتى، لو بخجل، من منطلق مسائل مستقبل الوافدين. وما يُنشر يضاف إلى ذلك الذي لا يُنشر ويُعبَّر عنه في قوانين لافتة في مسائل الإقامة والمواطنة.

تدافعت التغريدات التويتريّة عن هذا الموضوع، واندفعت مقالات أخرى تناقش مسائل الهويّة ردّاً أو تعليقاً على عبد الخالق في لهجات مُكمّلة أو مدافعة عن مفاهيم أو مصوِّبة لمفاهيم أخرى على نحو كشف أنّ أمر الهويّة مُلحٌّ في راهن البلد وفي استراتيجيات الإعداد لإمارات المستقبل. ظهرت نصوص لعديد من الوجوه، منها ناصر بن حسن الشيخ والدكتور حبيب الملا والدكتور خليفة السويدي والدكتورة عائشة النعيمي وغيرهم، فيما ذهبت الدكتورة ميرا الحسيني أبعد من ذلك في تناول إشكاليّة العقد الاجتماعي.

الجدل في الإمارات كلاسيكي من حيث بحث العلاقة بين الأصالة والحداثة ورصد تحوّلات الهويّة بين الأجيال. لكنّه أيضاً يميط اللثام عن بدايات ملاحقة مفهوم الهويّة أخذاً في الاعتبار موقع الإمارات الجيوستراتيجي وتماسّ البلاد مع الدائرة الدولية وما تضخّه من قيَم ومعايير وقواعد. وإذا ما تلتصق الهويّات التقليدية بأصولها وجذورها "البيولوجية" والأنتروبولوجية، خصوصاً في جانبها السلالي والعرقي واللغوي والديني، فإنّ ما بين سطور المجادلين يتسرّب اعتراف بأنّ العالم والعولمة يفرضان تطوّراً للهويّات وطبيعتها وطبائعها، وهو أمر تسلِّم به بلدان الدنيا، ومنها دول المنطقة عامة، ودول الخليج خاصة.

اللافت في النقاش الإماراتي هو الدرجة العالية من الشفافيّة في طرح الأمور من داخل سياق تطوّر البلد مجتمعاً وحُكماً ومؤسّسات، واستناده إلى قاعدة صلبة من اللحمة الوطنية الحريصة على ما حقّقه البلد

المثير للاهتمام أن يتأمّل غير الإماراتي نقاشاً علنيّاً رفيع المستوى يفرضه الإماراتيون على أنفسهم في مسألة تشترك فيها كلّ دول مجلس التعاون الخليجي بنسب مختلفة. وإذا ما كان فتح النقاش ضرورة في الإمارات فسيصبح ضرورة لدى بقيّة دول الخليج بحكم الحاجة إلى الاهتداء إلى قوانين وقواعد تنظّم تطوّر المجتمعات ومرونة تكيّفها مع أنماط صهر مكوّنات اجتماعية أخرى على منوال ما فعلته سابقاً وفق قواعد وأعراف في تشكّلها التاريخي عبر العصور.

 

العلنية والشفافية

لكنّ اللافت في النقاش الإماراتي هو الدرجة العالية من الشفافيّة في طرح الأمور من داخل سياق تطوّر البلد مجتمعاً وحُكماً ومؤسّسات، واستناده إلى قاعدة صلبة من اللحمة الوطنية الحريصة على ما حقّقه البلد من نموذج وحدوي فريد في المنطقة العربية سليل لعهد المؤسّس الراحل الشيخ زايد بن سلطان، ومن التطوّر التنموي الاقتصادي السياسي الذي جعل البلد حتى عهد الشيخ محمد بن زايد منارة عالمية ورقماً صعباً في المشهدين الإقليمي والدولي. وعلى ذلك ينهل الجدل الهويّاتي قوّته من "الحاجة" إلى ملاقاة ما أُنجز فيرفده بالتحصين والحماية والاستشراف الحذق.

سبق في أحد لقاءاتنا في لندن أن اهتممت بتناول مسألة الديمغرافيا مع الدكتور عبد الخالق عبد الله. وقد اعتبرت أنّ المدخل الحقيقي إلى ابتكار أيّ مقاربة جريئة وخلّاقة يجب أن يقرّ أوّلاً بمسلّمة أنّ المسألة بنيوية نهائية، وأنّها جزء من تكوين البلاد وليست ظاهرة موسمية عارضة.

وعلى الرغم من أنّ الإشكالية الديمغرافية لا تغيب عن الإماراتي ولا عن صاحب القرار في الإمارات، إلا أنّ حضورها لم يرقَ، حتى في ما يُكتب، إلى درجة طرق الأبواب مباشرة لحلّ مسألة الأحجام وعلاقاتها بين المواطنين والوافدين وإقرار ضرورة التوصّل إلى مداخل تعترف بعجالتها في مسائل الأمن الاستراتيجي العامّ.

نقاش الهويّة في الإمارات يجري من دون توتّر أو شوفينية قد تشهدهما دول أخرى

التجربة الكندبّة

وكان لافتاً في الأسابيع الأخيرة النقاش الذي ظهر في كندا وتناول الطبيعة المجتمعية والعمرية التي فرضت خطة حكومية لاستقبال نصف مليون مهاجر بحلول عام 2025. طبعاً تعني هذه الأعداد، وفق قوانين البلاد، أنّها ستصبح كنديّة الجنسية لاحقاً، وهو أمر بات جزءاً من سيرورة البلد وكينونته القائمة على الهجرة.

غير أنّ هذا المثال وإن كان غير قابل لأن يكون نموذجاً لدول أخرى، ولا سيّما الإمارات، إلا أنّ البحث الجدّي في مسألة الهويّة والقبول بفضاءاتها التاريخية من جهة، والجغرافية من جهة ثانية، والقيَمية من جهة ثالثة، سيطرح حكماً مستقبل التمدّد القانوني للجنسية الإماراتية من خلال فتح باب المواطنة في أُطر ثلاثة: الحقّ والواجب والضرورة.

سؤال الهويّة سؤال قديم لطالما اجتهد الفلاسفة والمفكّرون وعلماء السياسة في الإفتاء به، خصوصاً كلّما تعرّضت الأمم لمفترقات كبرى. وقد اشتهرت في أوروبا مدرستان فلسفيّتان في عزّ الجدل التاريخي بين ألمانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر ما زالتا تمثّلان قاعدة لمفهوم "الأمّة" في العالم.

اتّفق الفرنسيان إرنست رينان وفوستيل دي كولانج على أنّ الأمّة لا تُؤسَّس على لغة أو عِرق، بل وفق روح مشتركة يجتمع داخلها البشر وتتشكّل الأمّة على أساسها. واستفاض رينان في الحديث عن قيَم يجتمع عليها الناس فيؤسّسون أمّتهم التي يمتدّ حيّزها ما امتدّت هذه القيم.

بالمقابل، أتت أطروحة الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيشته (فيخته)، أحد المساهمين الكبار في صناعة مفهوم الأمّة، مختلفةً عن المقاربة الفرنسية للأمر. وقد اشتهر الرجل بسلسلة ما عُرف باسم "خطابات إلى الأمّة الألمانية"، حدّد فيها بعمق رؤيته لتلك الأمّة التي تُؤسَّس على عوامل اللغة و"الدم"، على نسق مختلف عن المدرسة الفرنسية التي تعتبر "الأرض"، أي المكان، والقيم هي أساس قيام الأمّة. وقد تبنّت نصوص القومية العربية المفاهيم الألمانية من حيث التمسّك بعوامل اللغة والدين والدم بما هي قواعد لقيام أمّة العرب الكبرى.

إقرأ أيضاً: قمم العرب بين الملل والغياب

اللافت جدّاً أنّ نقاش الهويّة في الإمارات يجري من دون توتّر أو شوفينية قد تشهدهما دول أخرى، ذلك أنّه لا يقوم على أساس العزلة والتقوقع والتحصّن خلف الذات، بل يدور داخل بلد تتعايش داخله حوالي 200 جنسيّة تحمل لغاتها ولهجاتها وموسيقاها وروائحها وأديانها وتقاليدها وهويّاتها، وتنتشر على أرضه الكنائس والمعابد إلى جانب المساجد الخارجة من بطون التاريخ ومنابع الراهن وحداثته. هنا فقط ينهل نقاش الهويّة بعداً حضارياً بات من عاديّات يوميّات دولة محمد بن زايد الحديثة.