قمة الجزائر: لا ضوء في نهاية النفق العربي..

قمة الجزائر: لا ضوء في نهاية النفق العربي..

رضوان السيد - الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2022

تستحقّ قضايا العرب وأحوالهم مراجعات وقراءات نقدية واستشرافية مستمرّة. وما كاد أحدٌ يُحسُّ بمؤتمر القمّة العربي بالجزائر. لكنّه والحقّ يُقال استعرض سائر المشكلات العربية واتّخذ توصياتٍ بشأنها. وليس منذ مؤتمر الجزائر وإنّما منذ زمنٍ بعيد انفصلت القرارات والتوصيات عن الواقع والوقائع، وما عدنا نحسب حساباً للمتابعة والتنفيذ لأنّ ذلك لن يحصل. وبعد مؤتمر القمّة كان هناك ملتقى بني ياس الذي تقيمه وزارة الخارجية بدولة الإمارات كلّ عام ويحضره سياسيون وخبراء استراتيجيون. وقد لخّص الأستاذ محمد الرميحي وقائعه بجريدة "الشرق الأوسط". وإلى ذلك هناك ملتقى أبوظبي للشأنين العربي والدولي الذي يقيمه مركز أبوظبي للسياسات كلّ عام وصارت له شهرةٌ دولية بسبب أهميّة الحضور من الأساتذة والخبراء بمراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم.

 

أزمات وحروب

لا يجوز الاستخفاف بمؤتمر القمّة العربي الذي انعقد بعد ثلاث سنوات من الغياب. فهو مهمّ بمجرّد القدرة على الانعقاد. وصحيح أنّه يستمرّ الغياب السوري، لكنّ السواد الأعظم حضروا وناقشوا وعرض كلّ طرفٍ وجهة نظره وجاءت التوصيات توافقيّة. ولولا الأزمة المغربية – الجزائرية التي سبقت المؤتمر بيومٍ لظلّت المظاهر محفوظة. فالمغاربة انسحبوا لأنّ وفدهم الإعلامي تعرّض للإعاقة في مطار الجزائر فاعتبروا أنّ الاستقبال ما كان ملائماً، ولم تقُل الحكومتان شيئاً عن الموضوع، لكنّ وسائل التواصل حفلت بالهجمات والهجمات المضادّة. المشكلات التي بين المغرب والجزائر لم تجد حلولاً، بل إنّها ازدادت تعقيداً. والطرفان لم يميلا إلى قبول الوساطات (!).

لبنان حظي بالاهتمام من جانب قمّة الجزائر. فقد دعت القمّة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وإجراء الإصلاحات من أجل الحصول على مساعدات

ومع أنّه لا علاقة لنزاع الجزائر والمغرب بالحرب على أوكرانيا من جانب روسيا، لكنّ المراقبين يجمعون على التأثيرات السلبية للحرب، ليس على البلدان التي أصابتها أزمات الطاقة والغذاء فقط، بل وما ترتّب على الحرب إيّاها من حروبٍ وأزماتٍ أُخرى تبدأ ولا تنتهي في سائر أنحاء العالم.

ومع ذلك كلّه لا يمكن نسبة أيٍّ من الأزمات العربية إلى هذه الحرب بالذات. فعلى مقربةٍ من المغرب والجزائر تتفاقم الأوضاع في ليبيا، وفيها من سنوات جيشان، وأخيراً حكومتان، وميليشيات، ودول، وانقسامات قبلية وبين شرقٍ وغرب. ولليبيا حدود مع سبع دول منها ثلاث دولٍ عربية. وإذا اعتبرنا السودان غير قادر على التدخّل الإيجابي، فإنّ مصر والجزائر لديهما قدرات، لكنّهما لم تستطيعا الاتفاق على مقاربة للمشكلة في ليبيا. وقد سمح هذا العجز للأوروبيين والأتراك بالتدخّل بعدما كانت طائرات الحلف الأطلسي ذاتها هي التي قضت على نظام العقيد القذّافي، ثمّ تنافست دوله على التدخّل في ذلك البلد البترولي الغنيّ، وبحجّة الطاقة تارةً ومكافحة اللجوء الإفريقي تارةً أُخرى، إلى أن تدخّلت تركيا لأسباب "استراتيجية" جالبةً معها مرتزقةً من "مستعمرتها" في سورية العربيّة (!). يقول الطرفان المتنازعان بالبلاد وعليها إنّهما يسعيان إلى إجراء الانتخابات الحاسمة التي كانا هُما المسؤولين عن منع حصولها من قبل. وبانتظار حصول ذلك تدور مفاوضاتٌ لا تنتهي على تقاسم كلّ شيء، من البترول إلى موظّفي الدولة الكبار، بل والأرض والمدن والقبائل! وبالطبع كان لمؤتمر الجزائر رأي في المشكلة الليبية يدعو إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار وإجراء الانتخابات.

 

مطامع ومطامح الانفصالات

لا يدري المراقب ماذا يقول عن أوضاع السودان وهل هي أفضل من ليبيا بعد "ثورة" عام 2019 الواعدة. لا يدري أحد بالضبط لماذا خرج الجيش على الترتيبات المتّفق عليها مع قوى الحرّية والتغيير والتي تكاثرت الوساطات للعودة إليها. وفي السودان نزاعات كامنة وأخرى متفجّرة تبدأ ولا تنتهي كما يُقال. وكلّها تحتاج إلى وسطاء ورجالات دولة لا يبدون موجودين أو جاهزين للتدخّل. ولذلك تتصاعد مطامع ومطامح الانفصالات، في حين لا يخلو يومٌ من تظاهراتٍ حاشدةٍ أيضاً للمطالبة بخروج العسكر من السلطة. وما كان بوسع القمّة بالجزائر غير المطالبة بالاتفاق على ترتيبات المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات التي ستجلب الحلَّ العجائبيّ!

الواقع أنّ مشكلات العراق ولبنان هي أكبر الأدلّة على فشل استراتيجية الانتخابات. فقد كانت الانتخابات المبكرة أكبر مطالب ثورة الشباب بالبلدين عام 2019. وعندما أجرتْها حكومة الكاظمي بالعراق ما فاز الشباب الثائرون، بل فاز التيار الصدري (!)، الذي عجز هو وحلفاؤه السُنّة والأكراد عن تشكيل حكومة فانسحب من البرلمان تاركاً الحلفاء والأصدقاء، فشكّل الحكومة الذين انهزموا في الانتخابات وعلى وعدٍ بانتخاباتٍ مبكرة من جديد!

ثلث أعضاء حكومة "الإطار التنسيقي" برئاسة السوداني مطلوبون للقضاء بتهم فساد في وزارات ومناصب سابقة تولّوها في حكومتَيْ المالكي. ومع ذلك فقد قال لي مثقّف عراقي معروف: أن تكون لدينا حكومة خير من أن لا تكون، لكنّ حكومة الكاظمي كانت أفضل بما لا يُقاس والحقّ يُقال. وما اعتبرت القمّة أنّ في العراق مشكلة تستحقّ الذكر. لكنّ المندوب العراقي دأب في اجتماعات الجامعة العربية وفي الجزائر على الاعتراض على إدانة الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العراقية باعتبار كلام العرب تدخّلاً في شؤون العراق الداخلية!

إنّ الموضوع الذي لا يمكن تجنُّب معالجته أو تجاهله هو الموضوع السوري. وما أمكن الاتفاق على حضور سورية في قمّة الجزائر، مع أنّ الدولة المضيفة كانت متحمّسةً لذلك. واكتفى مؤتمر القمّة في الموضوع السوري بالدعوة إلى الحلّ السياسي، وتطبيق القرار 2254. والواقع أنّ الوضع هناك شديد السوء ليس بسبب انهيار نظام العيش وانتشار المجاعات والأوبئة فحسب، بل وبسبب التبدّلات على الأرض. فالروس الذين كانوا القوّة الرئيسية بالبلاد المنكوبة بالتقسيم صارت أولويّتهم الحرب في أوكرانيا، والأتراك الذين تحمّسوا كثيراً للتدخّل وإن بعد طول تردّد، يريدون الانسحاب بأيّ ثمن، في حين يحاول الإيرانيون زيادة تدخّلهم والحلول محلّ الروس والأتراك معاً. وتتزايد الاشتباكات بين سائر الأطراف. وبحسب اعتراف المندوب الدولي فإنّ مفاوضات الحلّ السياسي لم تتقدّم. ولم تعد الأزمة في سورية تحظى بأيّ اهتمام، وإنّما تُثار بين الحين والآخر قضايا الهجرة واللجوء السوري بالملايين في لبنان وتركيا والأردن وبلدان أُخرى كثيرة، وهذا فضلاً عن مهجّرين بالملايين بالداخل السوري ذاته.

لبنان حظي بالاهتمام من جانب قمّة الجزائر. فقد دعت القمّة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وإجراء الإصلاحات من أجل الحصول على مساعدات. وقد قيل على سبيل النكتة: في حين تعاني الدول العربية من كثرة الرؤساء والحكومات، يعاني لبنان (أو لا يعاني؟) من قلّة الرؤساء والافتقار إلى الحكومات العاملة! الأوضاع في لبنان في منتهى السوء على كلّ المستويات. وكما في حالة الرئيس السابق عون، فإنّ حزب الله مُصِرٌّ هذه المرّة على النائب والوزير السابق سليمان فرنجية أو لا انتخابات. والفرق بين الحالتين أنّه في حالة عون اصطفّ معظم النواب المسيحيين في النهاية إلى جانبه، بينما في حالة فرنجية فإنّ معظم النواب المسيحيين ضدّه حتى الآن.

إقرأ أيضاً: لمّ الشمل الجزائريّ... قبل الشمل العربيّ!

أوصت قمّة الجزائر بالتهدئة في كلّ المسائل، لكنّها لم تحلّ مشكلة، ولا ساعدت في ذلك. أمّا البلدان العربية الخمسة أو الستّة فتزداد غرقاً في المشكلات التي تضيّق عليها الخناق منذ سنوات، ولا ضوء في نهاية النفق.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: RidwanAlsayyid@