البابا في البحرين: غاب لبنان وحضرت أوكرانيا

البابا في البحرين: غاب لبنان وحضرت أوكرانيا

محمد السماك - الجمعة 11 تشرين الثاني 2022

لم ينتبه كثيرون ممّن تابعوا وقائع زيارة البابا فرنسيس للبحرين إلى الالتفاتة التكريمية الاستثنائية التي خصّ بها البابا بطريرك إسطنبول الأرثوذكسي، بارثالوميو. فقد أجلسه إلى جانبه، وأشاد به شخصيّاً بالاسم. وتوجّه إليه في كلمته بعبارة "أخي العزيز". لكنّ أحداً لم يسأل: لماذا كلّ هذا الاهتمام؟ ولماذا كلّ هذا التقدير من البابا الكاثوليكي للبطريرك الأرثوذكسي، علماً أنّ العديد من بطاركة الشرق الأرثوذكس والكاثوليك كانوا حاضرين أيضاً؟

يتمتّع بارثالوميو بصفة "أوّل بين متساوين" في الكنيسة الأرثوذكسية التي لا تعتمد نظاماً بابويّاً. أمّا بابا الفاتيكان فهو الأوّل، ونقطة على السطر، وهو في نظر الكنيسة معصوم. هذه المفاهيم الكنسية غير معتمَدة لدى الأرثوذكسية. إلا أنّ بطريرك إسطنبول يتمتّع بصفة "الأوّل" أو المتقدّم لأنّه بطريرك المدينة التي كانت عاصمة للإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية. وبصفته هذه يتمتّع بصلاحيّة معنوية لا يتمتّع بها البطاركة الآخرون. وهكذا عندما انفصلت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن الكنيسة الروسيّة، ما كان لهذا الانفصال أن يتمتّع بالشرعيّة الكنسيّة من دون موافقة بارثالوميو. حاولت موسكو أن تثنيه عن منح الشرعية للكنيسة الأوكرانية، لكن من دون جدوى. ولمّا صدر عنه قرار تكريس شرعيّتها المستقلّة، قامت ضدّه قيامة روسيا كلّها ابتداء من الرئيس فلاديمير بوتين والبطريرك كاريل بطريرك روسيا.

غير أنّ هذا الموقف جعل منه نجماً ساطعاً في الغرب (أوروبا وأميركا)، فانهالت عليه مبادرات التكريم من كلّ حدب وصوب. وكان الفاتيكان في مقدَّم المرجعيّات الدينية التي قدّرت عالياً جرأته وشجاعته في اتّخاذ القرار.

تواصل مسيرة التوافق الإسلامي - المسيحي انطلاقها مع لبنان أو من دونه، لكن مع البابا وإمام الأزهر دائماً

الفارق بين البابا والإمام الطيّب

تحدّث البابا عن الصراع الحربي في أوروبا بعبارات عامّة، على خلاف شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيّب. فقال البابا: "بعد حربين عالميّتين مروّعتين، وبعد حرب باردة، ظلّ العالم فيها حابساً أنفاسه مدّة عشرات السنين، وسط صراعات مدمّرة في كلّ جزء من العالم، وبين أصوات الاتّهام والتهديد والإدانة، ما زلنا نجد أنفسنا على حافة الهاوية في توازن هشّ، ولا نريد أن نغرق".

أمّا الإمام أحمد الطيّب فقد قارب الموضوع بشكل مباشر: "أضمّ صوتي إلى صوت محبّي الخير ممّن يدعون إلى السلام ووقف الحرب الروسية الأوكرانية، وحقن دماء الأبرياء ممّن لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المأساة، ورفع راية السلام بدلاً من راية الانتصار، والجلوس إلى دائرة الحوار والمفاوضات".

كان البابا والإمام مهتمّين بصورة خاصّة بالعلاقات بين الشرق والغرب (وبين الإسلام والمسيحية تحديداً)، وهو اهتمام كان وراء زيارات البابا لكلّ من عمّان والقاهرة والرباط وبغداد وأبو ظبي (حيث صدرت وثيقة الأخوّة الإنسانية)، والآن البحرين.

 

أين لبنان من كلّ هذا؟

البابا يوحنّا بولس الثاني استحدث سابقة الدعوة إلى سينودس من أجل دولة في عام 1993، وكان لبنان هو هذه الدولة الاستثنائية. وخليفته البابا بنديكتوس السادس عشر تعمّد اتّخاذ لبنان منبراً لإعلان وثيقة الإرشاد الرسولي حول الشرق الأوسط في عام 2010.

وكانت زيارات البابا فرنسيس الدول العربية ومبادراته التصالحية مهمّة جدّاً لإرساء قواعد أخويّة للعلاقات الإسلامية - المسيحية عملاً بما جاء في وثيقة نوسترا إيتاتي التي صدرت عن المجمع الفاتيكاني الثاني (1974). إلا أنّ استثناء لبنان من هذه المبادرات، وهو استثناء المضطرّ، يؤلم البابا بقدر ما يؤلم لبنان.

إقرأ أيضاً: سنغافورة تعلّمت من لبنان؟

لكن في الحسابات الأخيرة، تواصل مسيرة التوافق الإسلامي - المسيحي انطلاقها مع لبنان أو من دونه، لكن مع البابا وإمام الأزهر دائماً.

يؤكّد الأمر الواقع الجديد، وهو أنّ فقدان لبنان لنفسه ولدوره لا يعني أنّ مسيرة الحوار والتفاهم والأخوّة قد ضلّت طريقها أيضاً. إنّه يعني أنّ لبنان وحده هو الذي ضلّ الطريق، ولا يزال سياسيّوه في ضلالهم يعمهون!