facebook السعودية: الاقتصاد أساس عدم الانحياز السياسي

السعودية: الاقتصاد أساس عدم الانحياز السياسي

خالد البوّاب - الخميس 10 تشرين الثاني 2022

بات واضحاً أنّ السعودية ليست متحمّسة للتحرّك والقيام بمبادرات سياسية والغوص في تفاصيلها، ولا سيّما ما يتعلّق بالاستحقاق الرئاسي في لبنان، ما دام اللبنانيون ليسوا متحمّسين ولا جاهزين، على مستوى السلطة السياسية، لاحترام الأمن القومي العربي.

طالعتنا مجلة "فورين أفيرز" قبل أيام بتقرير طويل يسمح للقارىء باستنتاج الخريطة السعودية في التعاطي مع استحقاقات سياسية، اقتصادية، وفي الطاقة، حول العالم.

المقال عنوانه: "كيف ترى السعودية العالم: رؤية محمد بن سلمان لحركة عدم الانحياز الجديدة". وفي الآتي محاولة لقراءة السياسة السعودية بناءً على هذا التقرير.

طالعتنا مجلة "فورين أفيرز" قبل أيام بتقرير طويل يسمح للقارىء باستنتاج الخريطة السعودية في التعاطي مع استحقاقات سياسية، اقتصادية، وفي الطاقة، حول العالم

جذور الحذر السعودي

لم يأتِ مصطلح "حركة عدم الانحياز" من فراغ. بل إنّ ما عزّز مصداقيته هو الموقف السعودي من أزمات العالم المتفاقمة، خصوصًا بعد حرب روسيا على أوكرانيا، حيث اتّخذت السعودية موقفًا ساعيًا إلى وقف النار وعقد تسوية سياسية، وأبقت التواصل مفتوحًا مع روسيا وأوكرانيا.

أما على وقع أزمة الطاقة العالمية المتفجّرة فقد جاء قرار "أوبك بلاس" بخفض إنتاج النفط، فاعتبرته الولايات المتحدة الأميركية استهدافاً سعودياً سياسياً لها، فيما أكّدت السعودية في أكثر من مناسبة أنّ خفض الإنتاج يرتبط بقواعد السوق للحفاظ على هذه السلعة الاستراتيجية القادرة على التحكّم والتأثير في كلّ اقتصادات العالم. وإن كان لا بدّ من تسييس الموقف، فلهذا مبرّرات متعدّدة تعود إلى مسار أميركي طويل مع السعودية قائم على الابتزاز منذ أحداث 11 أيلول وملفّ الحرب على الإرهاب، وصولًا إلى مسار العلاقات الأميركية مع إيران، والساعي وراء الاتفاق النووي ولو على حساب الحلفاء الاستراتيجيّين في المنطقة.

هنا لا بدّ من العودة إلى الرواسب السلبية التي طبعت علاقة واشنطن بالرياض خلال ولايتَيْ باراك أوباما، ولا سيّما أنّ هناك وجهة نظر سعودية تعتبر أنّ المسار الذي تنتهجه إدارة بايدن أوباميّ الهوى والهويّة.

وفي حملة التجديد والعصرنة التي يطلقها وليّ العهد السعودي، ينفتح مسار جديد يرتكز على القوّة الاقتصادية والمصالح الوطنية، بدلًا من التحالفات السياسية والاتفاقيات الأمنية والعسكرية التي يمكنها أن تتغيّر حسب الظروف. هذا من الناحية الواقعية. أمّا من الناحية المعنوية سياسيًا، فثمّة اعتداد سعودي بموقف بن سلمان الذي قال "لا" مدويّة للرئيس الأميركي، لأنّ ذلك لا ينسجم أو يتناسب مع المصالح السعودية، ولأنّ قواعد العلاقات يجب أن تحتكم إلى ما تقتضيه المصالح لا الاستنسابية أو "التبعية".

يبقى هذا كلّه في الإطار الشكلي. لكن لا يغيب عن بال السعوديين أنّ هذه المواجهة، أو الخلاف مع واشنطن، قد يؤدّي إلى تداعيات كبيرة، إلا أنّ الأساس يبقى في التركيز على مسألتين:

- الأولى: هي القول "لا" لأميركا.

- الثانية: تغليب المصلحة الاقتصادية على ما عداها وفق رؤية 2030.

لا بدّ من فهم أكبر للموقف السعودي في لبنان، حيث تبدو السعودية غير متحمّسة للتحرّك والقيام بمبادرات سياسية والغوص في تفاصيلها

حاجة العالم إلى الطاقة

في تبسيط لشرح رؤية السعودية لبنانيًّا، لا بدّ من العودة إلى تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي يمكن استذكار موقفين أساسيَّين كان يعمل بموجبهما:

- الأوّل: مسارعته إلى القول لدى الإكثار من توجيه الأسئلة إليه عن قدرته على تحقيق التوازن السياسي في لبنان في ظلّ الوصاية السورية: "فلنعتبر أنّ لبنان هو قبضة يد، والوصاية السورية هي يد أخرى تقبض على هذه القبضة. إذّاك لا بدّ من تغذية وتقوية القبضة الأولى لتصبح أقدر من اليد القابضة وأسمن. وحينئذٍ يحصل التحرّر. وهذا لا يمكن بغير الاقتصاد".

الثاني: هي كلمة الحريري نفسه الشهيرة، بأنّ العرب لم ينجحوا في إعلان قيام الوحدة العربية في السياسة والعسكر، لكنّ الأساس هو السعي إلى توحيدهم اقتصاديًا.

هذا الاقتصاد هو الذي ترتكز عليه السعودية في تأثيراتها العالمية أو في نظرتها إلى العالم أو النظام العالمي، مستفيدة من ظروف متعدّدة، أبرزها الحاجة الماسّة إلى النفط. وتستعدّ السعودية لأن تصبح من أكبر الدول المنتجة للغاز في السنوات المقبلة. ولا بدّ للاقتصاد من أن يتعزّز وفق سياسة "صفر" مشاكل في المنطقة والعالم، إذا أمكن، أو الارتباط بعلاقات جيّدة مع القوى المختلفة. ومن هنا تبرز نظرية "عدم الانحياز".

هذا ما تظهّر في مسار الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية المختلفة، منذ فوز الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسية، فكانت مصالحة "قمّة العُلا"، والمصالحة مع تركيا، إضافة إلى التوازن في إدارة العلاقة مع أميركا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.

المشكلة الإيرانية

أمّا في المعطى السياسي فكان الأبرز هو الحوار السعودي - الإيراني في بغداد على مدى 6 جلسات، خلال ولاية الرئيس مصطفى الكاظمي. كانت مميّزةً خطوة إقدام السعودية على الحوار مع إيران، وفي الوقت نفسه كانت واشنطن تسعى إلى فتح أبواب التفاوض مع إيران مجدّدًا للوصول إلى اتفاق نووي.

ربّما يكون الحوار السعودي - الإيراني هو أكثر ما أساء إلى الأميركيين الذين كانوا يريدون لهذا الحوار أن يبدأ بعد إنهاء واشنطن المفاوضات النووية وإنجاز الاتفاق. وهنا لا حاجة إلى الدخول في بعض عناصر التخريب التي طرأت على هذا المسار، من بينها عرقلة الوصول إلى اتفاق أوسع أو أشمل للهدنة في اليمن.

قبل أسبوع، كشفت وسائل إعلام أميركية عن إحباط السعودية مخطّطًا إيرانيًا لضرب أهداف في داخل المملكة. تحرّكت واشنطن على وقع هذه العملية في محاولة واضحة لإعادة تعزيز العلاقة مع السعوديين. وهذا ما تجلّى في مواقف المسؤولين الأميركيين الذين أكّدوا استعدادهم لحماية مصالح الحلفاء في مواجهة أيّ تهديدات. وهو موقف يختلف عمّا كان عليه الواقع لدى استهداف جماعات محسوبة على طهران لمنشآت آرامكو. تأتي هذه الخطوة الأميركية في سياق محاولة إصلاح العلاقة وترتيبها.

هنا لا بدّ من التركيز على العديد من أوراق القوّة التي تمتلكها السعودية في ضوء التطوّرات الحاصلة، وأبرزها أزمة الطاقة العالمية التي تستطيع التأثير فيها سلبًا أو إيجابًا. وهذا ما يدفع الأميركيين إلى تكوين وجهة نظر في الموقف السعودي تفيد بأنّ المملكة تنظر إلى نفسها من موقع القوّي غير المستعدّ لتقديم أيّ تنازل نظرًا إلى حاجة الجميع إليه.

إقرأ أيضاً: "فورين أفيرز": بن سلمان يؤسّس "حركة عدم انحياز"

بناءً عليه كانت الخلاصة الأميركية أنّ السعودية لن تبيع أيّ مكسب للآخرين بالمجّان، لا سياسيًا ولا عسكريًا. وبالاستناد إلى هذه النظرة الأميركية لا بدّ من فهم أكبر للموقف السعودي في لبنان، حيث تبدو السعودية غير متحمّسة للتحرّك والقيام بمبادرات سياسية والغوص في تفاصيلها، ولا سيّما ما يتعلّق بالاستحقاق الرئاسي، ما دام لا يمكن جني مكاسب وأرباح في الساحة اللبنانية.

لذلك يظل الأمر متروكًا إلى أن تقتضي اللحظة الإقليمية والدولية عكس ذلك. وعليه يعتبر الأميركيون أنّ هذا هو أحد أبرز الأسباب لطول أمد الفراغ على الساحة اللبنانية.