عندما كان السلف يسلّم الخلف

عندما كان السلف يسلّم الخلف

د. فادي الأحمر - الأربعاء 09 تشرين الثاني 2022

"أساس" ينشر تباعاً مقالات ومقابلات عن ملفّ رئاسة الجمهورية، بدءًا من مرشّحين "دائمين" لم يحالفهم الحظّ، وصولاً إلى الأسماء المؤهّلة والمرشّحة هذه المرّة، مروراً بالرؤساء الذين حكموا لبنان منذ الاستقلال، وما الذي ميّز عهودهم.

حلقة اليوم عن الرؤساء الذين "سلّموا" القصر لمن خلفوهم، حين كان "السلف يسلّم الخلف".

 

لم يغادر رئيس لبنانيّ من القصر كما غادره ميشال عون. لا بالشكل ولا بالمضمون. بالشكل خرج في احتفال جماهيري نظّمه صهره ووريثه السياسيّ. وفي المضمون، خرج بعدما دمّر كلّ شيء. دمّر الدولة والنظام والمؤسّسات والقطاعات الاقتصادية والجامعات والمدارس والمسشفيات... دمّر الشعب. ودمّر علاقات لبنان مع الدول العربيّة ومع المجتمع الدوليّ. تسلّم جمهورية قائمة ولو بالحدّ الأدنى، فترك خلفه جمهوريّة مدمّرة.

كثر هم الرؤساء اللبنانيون الذين اختلفت أحوال البلاد بين دخولهم قصر الرئاسة وخروجهم منه. بعضهم سلّم البلد أسوأ حالاً ممّا تسلّمه. وبعضهم سلّمه بأفضل حال ممّا تسلّمه.

لم يرغب الرئيس فؤاد شهاب لا بالتمديد ولا بالتجديد على الرغم من مطالبة مؤيّديه بأحدهما وقوّة تيّار "الشهابيّة" في الحكم

"الدستوريّ" لم يحترم الدستور

بطل الاستقلال الذي لم يلِن أمام الفرنسيين غادر الرئاسة مهزوماً بعدما أُجبر على الاستقالة. طمع بشارة الخوري بالسلطة، فأراد التجديد لولاية ثانية. جرت انتخابات 1947 النيابيّة لضمان التجديد له. أدارها شقيقه "السلطان سليم". شابها الكثير من التزوير. وكان زعيم حزب الدستوريين أوّل من خالف الدستور وجدّد ولايته، فقامت ضدّه معارضة شرسة قادها الزعيم الدرزي كمال جنبلاط الذي لم يستسِغ حكم الموارنة للبلاد، وأغاظه اتّخاذ بشارة الخوري من قصر بيت الدين مقرّاً صيفياً للرئاسة. انضمّت شخصيات مارونيّة كثيرة طامحة إلى خلافة الرئيس (أمثال كميل شمعون وحميد فرنجيّة) إلى المعارضة، إضافة إلى شخصيات سنّيّة. أمام ضغط المعارضة اختلى بشارة الخوري بنفسه في غرفة في القصر. قرّر الاستقالة. جمع مساعديه وفريق القصر وأبلغهم بقراره. وسلّم قائد الجيش فؤاد شهاب مقاليد الحكم رئيساً لحكومة انتقاليّة. وغادر قصر القنطاري، حيث كانت إقامة رئيس الجمهوريّة.

 

"النمر" في مواجهة الثورة

دخل "فتى العروبة الأغرّ" قصر الرئاسة بدعم إسلامي ودرزي وعربيّ وغربيّ. وخرج منه بعد ثورة الشارع الإسلامي ضدّه بدعم سوريّ – مصريّ.

في عهده لُقّب لبنان بـ "سويسرا" الشرق. تطوّر النظام المالي وجذب رؤوس الأموال، خاصة بعد إقرار السرّيّة المصرفيّة. نشطت السياحة. شُيّدت المرافق السياحيّة والرياضيّة والفنّيّة. في عام 1956 وضع الرئيس شمعون حجر الأساس لقصر الرئاسة في بعبدا وعهد بأعمال البناء إلى شركة سويسريّة، لكنّه لم يدشّنه، إذ بقي في قصر القنطاري الذي استأجرته الدولة من أحد أنسباء الرئيس بشارة الخوري.

شعر معارضو شمعون برغبته في التجديد الذي كان أحد أسباب اندلاع ثورة 58 التي قامت أيضاً ضدّ "انحيازه" إلى الأميركيين مقابل انحياز الشارع الإسلامي إلى عبد الناصر وتأييده الوحدة السوريّة – المصريّة. على الرغم من الثورة صمد "النمر".

لم يكن لشمعون الكثير من الأغراض لتوضيبها قبل مغادرة القصر لأنّ عائلته لم تُقِم فيه. جمع أوراقه من مكتبه وسلّم مقاليد الحكم للّواء فؤاد شهاب الذي تسلّمها هذه المرّة رئيساً للجمهوريّة.

 

دخل لواءً وخرج أميراً

تسلّم بلداً هزّته "ميني حرب". وسلّم دولة لديها مؤسّسات وإدارات وفيها نظام يُطبَّق على الكبير والصغير.

قدّم الرئيس اللواء بناء الدولة ومؤسّساتها على استكمال بناء قصر الرئاسة، فأقام في "فيلا" في زوق مكايل ليست بعيدةً من منزله المتواضع في جونيه. وكان يسيّر أعمال الحكم من "الفيلا" والمنزل.

على خلاف أسلافه، لم يرغب شهاب لا بالتمديد ولا بالتجديد على الرغم من مطالبة مؤيّديه بأحدهما وقوّة تيّار "الشهابيّة" في الحكم. عند وصول شارل الحلو لتسلّم الحكم بادره اللواء شهاب بالقول: "لقد أتيت بورقة إخلاء السبيل ومش عارف كيف بدّي فلّ". غادر اللواء النبيل المتعفّف عن السلطة ومباهجها "فيلا" الرئاسة وذهب أميراً إلى منزله حيث كانت زوجته في انتظاره.

قبل مغادرته القصر، أودع الياس سركيس وزارة الماليّة جردة بالصندوق الأسود تبيّن حفاظه على الـ 3 ملايين دولار التي كان قد تسلّمها من سلفه

أوّل رئيس يقطن قصر بعبدا

أتعبته الرئاسة. ربّما لأنّه رجل ثقافة أكثر منه رجل سياسة. شهد عهده بداية "تفكّك الدولة". تسلّم دولة على طريق البناء ما لبثت أن تعرقلت بسبب الظروف الطائفيّة في الداخل والأحداث الإقليميّة في الخارج. بعد نكسة 67 بدأ صعود نفوذ منظمة التحرير الفلسطينيّة في لبنان، وأصبح شرعيّاً إثر توقيع اتّفاق القاهرة عام 1969. قبل نهاية عهده بيوم عُقدت قمّة عربيّة طارئة في القاهرة لمناقشة تطوّرات الوضع في الأردن إثر "أيلول الأسود". في اليوم التالي، قطع مشاركته في أعمال القمّة وسلّم مقاليد الحكم لخلفه (23 أيلول). كان مستعجلاً تسليم الرئاسة ليرتاح. في اليوم التالي غادر فرنجيّة إلى القاهرة لتمثيل لبنان في القمّة العربيّة. تجدر الإشارة إلى أنّه كان أوّل تسليم وتسلّم في قصر بعبدا. فشارل الحلو كان قد انتقل إليه بعد انتهاء الأعمال في كانون الثاني 1969. قبل ذلك أقام في "فيلا" في سنّ الفيل.

 

الزغرتاويّ "القبضاي"!

اعتُبر أوّل رئيس "صُنع" في لبنان لأنّه فاز بفارق صوت واحد على الياس سركيس. دخل قصر بعبدا بـ "طبل وزمر". ولكنّه غادره قبل إكمال ولايته. لم يتمكّن الزغرتاوي "القبضاي" من لجم "أبي عمّار". حاول في عام 1973، فكان أوّل من تصدّى له صديقه حافظ الأسد، إضافة إلى الداخل الإسلامي ودول الإقليم. تراجع فرنجية، لكنّ أبا عمّار أكمل استباحة البلد حتى انفجر الوضع كلّيّاً بعد سنتين. طال القصف قصر بعبدا، فغادره فرنجية "ليبقى للبنان رئيس"، كما قال. أقام أوّلاً في القصر البلدي في زوق مكايل، ثمّ في منزل لوسيان دحداح في بلدة الكفور في فتوح كسروان. لم يخضع لضغوط "الحركة الوطنيّة" ولائحة النواب الـ 66 المطالِبة باستقالته. ولكنّه قَبِل بتقديم موعد انتخاب سلفه. انتُخب الياس سركيس في أيار 1976، وانتظر حتى 23 أيلول حين تسلّم حكم بلد "مشلّع" وواجه "مشكلة معقّدة غير محلولة، وهي القضيّة الفلسطينيّة"، كما قال في خطاب التسليم سليمان فرنجية.

إقرأ أيضاً: مرشّحون بين الخيبة والانتظار

الرئيس المتعفّف

دخل الياس سركيس بعبدا قصراً مهجوراً ومطوّقاً بكلّ تعقيدات الصراعات المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وبعد ستّ سنوات خرج منه قصراً مطوّقاً بالدبّابات الإسرائيليّة، إضافة إلى كلّ تعقيدات الصراعات. كان على المحامي الآتي من الوظيفة التعامل مع كلّ ما هو غير قانونيّ، وكان على الذي شارك فؤاد شهاب في بناء الدولة ومؤسّساتها وفي تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، التعامل مع من يدمّرها ويستجلب كلّ صراعات المنطقة والعالم إلى داخلها. بقي صامداً في قصر بعبدا ولم يغادره. لم يتراجع عن مبادئه. ولكنّه أعدّ كتاب استقالته في عام 1978 واحتفظ به. أكمل ولايته وأصرّ على تسليم خلف له وعدم ترك الموقع للفراغ. فرِح بانتخاب بشير. ولكنّه سلّم الحكم لشقيقه أمين الجميّل بعين دامعة على بشير وعلى لبنان.

قبل مغادرته القصر، أودع سركيس وزارة الماليّة جردة بالصندوق الأسود تبيّن حفاظه على الـ 3 ملايين دولار التي كان قد تسلّمها من سلفه.