لماذا عاد الطائف من إغماءاته؟

لماذا عاد الطائف من إغماءاته؟

رضوان السيد - الثلاثاء 08 تشرين الثاني 2022

لا أدري فلكلٍّ وجهة نظره، لكن هناك بلا شكّ، كما يتبيّن من احتفال السفير السعودي في 5/11//2022، عودة اتفاق الطائف إلى الوعي على الأقلّ، بعد الإغماءات المتتالية التي أُدخل بها منذ إقراره وعدم تطبيقه... ولدى سائر الفرقاء، ربّما باستثناء العونيين أو فريق منهم. وحتى أمل وحزب الله ما عادوا يرون مرجعاً إلّا في الطائف!

لكنّ الوعي الذي نتحدّث عنه هو وعيٌ خاصٌّ لدى كلّ فريقٍ أو طائفة. أمّا وليد جنبلاط فيتحدّث طويلاً عن مجلس الشيوخ الذي ينبغي أن يكون رئيسه درزيّاً بحسب الاتفاق في الطائف، وهو يمثّل الطوائف، واختصاصاته الموادّ الحاسمة في مقدّمة الدستور. جنبلاط ذهب إلى أنّ النظام السوري كان ضدّ مجلس الشيوخ برئاسة درزي حتى لا ينعكس ذلك في مطالب ممكنة للدروز في سورية! وممثّل القوات اللبنانية يقول إذا كان الطائف يتضمّن كذا وكذا وكذا فنحن معه. فكلّ طائفة ما تزال تبحث عن ضمانات وميزات تبرّر قبولها الآن بالطائف. وقد كانوا جميعاً ضدّه على مدى ثلاثٍ وثلاثين سنة.

ما نحن مقبلون عليه في أحسن الحالات، هو لقاءٌ كلقاء الدوحة عام 2008 يجري خلاله التصالح والتوافق على رئيس. ولن يحصل ذلك الآن لأنّ إيران التي تخفّفت من الصراع مع إسرائيل، ما تزال مشتبكة مع الولايات المتحدة

لقد كانت هناك وجهتا نظر قبل الطائف.

- وجهة النظر الأولى مع الغموض البنّاء، ويعني ذلك، باستثناء المناصفة في مجلس النواب وفي وزراء الحكومة، ترك الأمور للتوافق، ولنضج اللبنانيين وحسن تقديرهم. وقد جرى التعبير عن وجهة النظر هذه في جنيف ولوزان وفي الأيام الأولى بالطائف.

- أمّا وجهة النظر الثانية فتقول بالتدقيق في كلّ شيء حتى لا يعود الخلاف ويتفاقم، ولا ينبغي أن تُترك الأمور لمزاج أحد. ووجهة النظر الثانية هي التي سادت بسبب مرارات المسلمين من الصلاحيّات المطلقة لرئيس الجمهورية في الدستور الأوّل. وقد كان يُقال إنّ الرؤساء ما استخدموا صلاحيّاتهم على إطلاقها، على الرغم من كلّ ما قيل. وما أزال أذكر أنّ سليم الحص عندما اختلف مع الرئيس سركيس في بعض الأمور صرخ فؤاد بطرس في وجهه: حكمٌ برأسين لا يقوم.

"الغموض البنّاء" والنظام السوري

لقد كان مشترعو الطائف في منتهى الحكمة عندما عهدوا إلى الطوائف بصلاحيّات مهمّة، رجاء أن يكونوا أكثر اهتماماً وأكثر حرصاً على الوحدة الوطنية. وعلى الرغم من أنّ لعدم تطبيق الطائف أسباباً متعدّدة، فالواقع أنّ "الغموض البنّاء" أو غير البنّاء الذي رفضته عدّة فئات هو الذي بقي سائداً وأفاد منه الجميع وعلى رأسهم السوريون.

بعد عام 1993 ما عاد أحدٌ يذكر الطائف أو تطبيقه، وصار ديدن وليد جنبلاط ونبيه برّي إرضاء السوريين للحصول على ما يريدون من النظام، وفي الغالب أكثر ممّا يعطيهم الطائف بكثير. وهو الأمر الذي دُرِّب الجنرال إميل لحّود على السلوك بحسبه مع السوريين، أي الطاعة المطلقة، في حين كان خطابه للمسيحيين أنّه يريد استعادة صلاحيّات الرئيس التي نزعها منه الطائف. ومن كان يستطيع الاعتراض على ميشال المرّ في وزارة الداخلية، وقد أُعيدت إليها البلديّات لتصبح نصف الدولة؟! من كان يسأل عن الطائف وحدوده وصلاحيّاته والجميع مسرورون، ويحصلون على ما يريدون؟!

لماذا إذن صار الصراع على الطائف نوعاً من الأيديولوجية الحاسمة؟

لأنّ عوناً أراد ذلك وأحرج الجميع، وبخاصّةٍ البطريركية المارونية والقوات اللبنانية. كان عون يقاتل النظام السوري فصالحه، وكان يعتبر حزب الله إرهابيّاً فتحالف معه، وانصرف لمخاصمة الطائف من خلال مخاصمة رؤساء الحكومة على الصلاحيّات التي أعطاهم إيّاها الطائف والتي لم يكونوا يستطيعون تطبيقها أو حتى التفكير فيها.

لماذا سلّم له حزب الله بذلك؟

بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري لأسبابٍ إقليمية، ما عاد يمكن التفكير في مصالحةٍ مع السُنّة، على الرغم من استماتة سعد الحريري لإقناعهم بذلك. وربّما اعتقد الحزب أنّ مطلب نزع السلاح قد يصبح جدّياً بعد حرب عام 2006 بالذات. ولذلك احتلّ الحزب بيروت لكسر السُنّة و14 آذار، وترك عوناً يعمل على جبهة الطائف والدستور. وكما أفحش الحزب في الدفاع عن سلاحه وسياساته الإقليمية والدولية، أفحش الجنرال في هدم النظام الذي اعتبره نظام أهل السُنّة، وما كان كذلك على الإطلاق.

ما تحمّل النظام إفحاش الحزب وإفحاش جبران، وتفحّش سائر الحلفاء، فانكسر، ليس بسبب مخالفة الدستور، الذي لم يسأل عنه أحد، بل بسبب الفساد الفظيع الذي شارك فيه الجميع حتى حاكم المصرف المركزي وأباطرة المصارف. فالعداء للطائف كان أيديولوجية للتهويل، أمّا الواقع فهو إرادة الاستيلاء على النظام والدولة، وقد حصل، فانهار النظام.

لماذا يُقبل الجميع على المطالبة بالطائف والدستور الآن؟

لأنّهم جميعاً متورّطون في هذا المستنقع الفظيع. وما بقي شيء يمكن قوله، ولا برنامج أو فكرة إلّا مطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكما رأينا أقبل كلُّ فريق على الدستور بشروطه. ولذلك لا مبرّر للتفاؤل بتطبيق الدستور إذا أصرَّ كلّ فريقٍ على شروطه أو ميزاته التي فهمها من الدستور.

هناك بلا شكّ، كما يتبيّن من احتفال السفير السعودي في 5/11//2022، عودة اتفاق الطائف إلى الوعي على الأقلّ، بعد الإغماءات المتتالية التي أُدخل بها منذ إقراره وعدم تطبيقه

"الدوحة" 2؟

ما نحن مقبلون عليه في أحسن الحالات، هو لقاءٌ كلقاء الدوحة عام 2008 يجري خلاله التصالح والتوافق على رئيس. ولن يحصل ذلك الآن لأنّ إيران التي تخفّفت من الصراع مع إسرائيل، ما تزال مشتبكة مع الولايات المتحدة وتوشك أن تدخل إلى جانب روسيا في حربها على أوكرانيا، وهذا فضلاً عن الاضطراب الداخلي الذي لا يهدأ ولا يكلّ.

في احتفال السفير السعودي بالطائف أدركنا من كلام بعض المتحدّثين مثل الأخضر الإبراهيمي والسفير السعودي، كم كان الوضع جدّياً وصعباً في العامين 1988 و1989 حين كانت عدّة حروب ناشبة. لكنّ المملكة أصرّت ورأت الفرصة لصالح اللبنانيين. ولذلك هناك إمكانيّةٌ واحدةٌ: أن تعمل المملكة كما عملت عام 1989، حين لم تترك أحداً إلا وجرّتْه إلى السلم والسلامة، وقد ذكرتُ المَثَل النبوي فيمَن "يُجرُّ إلى الجنّة بالسلاسل"!

إقرأ أيضاً: "منتدى الطائف": غارة سياسية وإعلامية دفاعاً عن لبنان

هناك إذن احتمال الغموض البنّاء من خلال توافق مؤقّت لانتخاب رئيس لا أكثر، وبخاصّةٍ أنّ هناك عرضاً بالمساعدة على إعادة بناء الاقتصاد، أو ما يشبهها. وهناك احتمال الجرّ إلى الطائف أو ما يشبهه، لكنّ صعوبته الرئيسية (بعد هزيمة باسيل) تكمن في الحزب وسلاحه. وإذا حصل ذلك فسيكون الأمل بسلامٍ حقيقي وبإرادة بنّاءةٍ قد لا تكون عاجلة، لكنّها ستتسبّب بوقف الانهيار إلى قاع المنحدرات التي تنكشف قيعانها الآن... وآخرها الكوليرا.