خصائص نتانياهو... ونقائص خصومه

خصائص نتانياهو... ونقائص خصومه

نبيل عمرو - السبت 05 تشرين الثاني 2022

فاز نتانياهو. كان فوزه متوقّعاً ولو بنسبة خمسين في المئة. غير أنّ الذي لم يتوقّعه أحد هو العلامة العالية التي حقّقها في السباق الانتخابي، والتي عبرت حاجز الواحد والستين الذي يؤهّل لتشكيل حكومة، إلى ما يزيد على أربعة أو خمسة مقاعد، بفارق أكثر من خمس عشرة نقطة عن منافسه الرئيسي يائير لابيد.

الرئيس القاعدة.. الوصولي

منذ تولّى رئاسة الحكومة للمرّة الأولى، تكرّس نتانياهو على مدى عدّة ولايات ثابتاً أساسياً من ثوابت الحياة السياسية في إسرائيل، إذ صارت رئاسته للحكومة هي القاعدة، وابتعاده المؤقّت عنها الاستثناء.

كان لابيد يفتقر تماماً إلى صفة القائد المبادر، وفي السياسة كان ظلّاً باهتاً لنتانياهو حين قاطع الفلسطينيين بصورة مطلقة، وحاربهم عسكرياً بأشرس ممّا فعل نتانياهو

فما هي خصائص هذا الرجل حتى يفرض نفسه على إسرائيل بهذه القوة:

- أوّلاً، يحظى نتانياهو بموهبة الإفادة من ثغرات وهوامش الخصوم أكثر بكثير من توظيفه قدراته الذاتية وحتى التحالفية. وفي إسرائيل مرتع خصب له. فحظّه أن يتعامل مع منافسين هواة لا يملكون بعض ما يمتلك من قدرات على المناورة والخداع والوصول بشتّى الطرق إلى الهدف. وفي هذه النقطة بالذات، تظهر نقائص خصمه لابيد الذي تقوقع داخل معسكره، وكان همّه أن يحتفظ بالمكان الأول فيه، ولم يُصغِ لنصائح من هم أكثر خبرة ودراية منه، حين لفتوا نظره إلى أنّ استقطابه الأصوات من داخل المعسكر الحليف يمنحه المرتبة الأولى عددياً، إلا أنّه بالمقابل يفقد الحلفاء فرصة الفوز أمام خصم قوي يمتلك عضلة ذاتية صلبة، هي كتلة الليكود وحولها اليمين بكلّ تشكيلاته، فضلاً عمّا يستقطب من أصوات في الشارع المتردّد. وهذا ما حدث فعلاً.

- ثانياً، يتميّز أداء نتانياهو بالجرأة على اتخاذ القرارات من دون تردّد حتى لو كانت إشكالية. فهو لم يتورّع بمقتضى مصلحته الخاصة عن حمل حقيبة المال القطرية على ظهره وإرسالها إلى حركة حماس في غزّة. ولم يتورّع عن فتح سلسلة معارك مع القضاء الإسرائيلي للإفلات من محاكمات قضايا الفساد، التي لو تعرّض لها غيره لخرج من الساحة السياسية بصورة نهائية ومن أوّل جلسة. ولم يتردّد في الاعتراف بحلّ الدولتين حين كان ذلك مطلباً دولياً قوياً، وحين تغيّرت الصورة لم يتردّد في النكوص عنه واعتباره أحد المستحيلات والمحرّمات. وهكذا عمل في القضايا الداخلية والسياسية، وحتى في العلاقات التحالفية. ألم يخُض معركة مفتوحة مع باراك أوباما في قلب الكونغرس؟ ألم يسيطر على دونالد ترامب بأن كتب بخطّ يده صفقة القرن التي حصل فيها على أكثر ممّا كان يطالب به أهمّ القادة الإسرائيليين الذين سبقوه؟ ألم يتّخذ قرارات بالامتناع عن شنّ حرب على غزّة، وبالقدر عينه كان يذهب إلى الحرب حين يحتاج إلى ذلك؟ ألم يطوِ منافسه بيني غانتس كورقة سهلة، ووضعه في جيبه حين تعادلت الأصوات، ووظّف سذاجته السياسية آنذاك فأخذ منه رئاسة الحكومة وحجبها عنه وقت الاستحقاق؟

هشاشة الخصوم

مقابل ذلك، كيف تصرّف لابيد في فترة رئاسة تحالفه الأولى ثمّ الثانية؟ كان يفتقر تماماً إلى صفة القائد المبادر، وفي السياسة كان ظلّاً باهتاً لنتانياهو حين قاطع الفلسطينيين بصورة مطلقة، وحاربهم عسكرياً بأشرس ممّا فعل نتانياهو، وكذلك عندما تحالف مع بيضة القبّان العربية في إسرائيل ليشكّل بها حكومة، ولم يقدّم ما يترتّب عليه من أثمان موازية لذلك.

كان لابيد طريدة سهلة لنتانياهو، فاستغلّ ضعفه وقلّة درايته في القيادة حتى القطرة الأخيرة. ذلك من دون أن نتطرّق إلى ما وفّره انقسام العرب في إسرائيل لنتانياهو من مزايا استراتيجيّة أكسبته الفوز حتى قبل أن تبدأ الانتخابات. نتانياهو عاد إلى موقعه الطبيعي في رئاسة الحكومة. فهو على مقاس إسرائيل الحقيقية، محمولاً على أكتاف خصومه ومنافسيه قبل حلفائه ومناصريه. فمن غير نتانياهو يوظّف شعار "إلّا بيبي" فيحصد من خلاله أصوات اليمين جميعاً؟! فإذا بمطلقي الشعار يجدون أنفسهم خارج الملعب وتتشكّل حكومة في إسرائيل خالية من لابيد وغانتس وعباس.

إقرأ أيضاً: فوز اليمين الإسرائيلي: نعم للصهيونية الدينية ولا حلّ مع الفلسطينيين

رجل يتمتّع بكلّ هذه المواصفات، وبتوظيف الشيء وعكسه بالكفاءة عينها، يستحقّ أن يفوز على خصومه الذين تميّزهم الهشاشة وقلّة الدراية. إلا أنّ الحقيقة الأهمّ التي تبدو غائبة عن "الملك" نتانياهو، هي أنّ إدمانه رئاسة الحكومة في إسرائيل، ليس كلّه خيراً عليه وعلى الدولة. فها هو يعود إلى الرئاسة، لكن تنتظره أثمان باهظة لا بدّ من دفعها: أوّلها داخلياً، إذ سيكون محكوماً لأعتى ممثّلي اليمين العنصري المتخلّف، سموتريش وبن غفير. وهذا صداع لا علاج له في حقيبته السحرية، إضافة إلى الصداع الفلسطيني الدائم والموجع، الذي يقضّ مضجع أيّ حكومة في إسرائيل، حين يطلّ تارة من غزّة، وتارة أخرى من الضفّة، وتارة ثالثة من وراء الخطّ الأخضر، ودائماً على حساب أمن واستقرار الدولة العبرية.