نجيب محفوظ وقصّة نوبل

نجيب محفوظ وقصّة نوبل

أحمد المسلماني - الأربعاء 02 تشرين الثاني 2022

ما إن أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الكاتبة الفرنسية آني إرنو بجائزة نوبل للآداب، حتى تجدّد النقاش في القاهرة بشأن نوبل نجيب محفوظ التي أسعدت العالم العربي قبل 34 عاماً.

قبل سنوات قمتُ بترتيب اللقاء التاريخي الذي جمع الدكتور أحمد زويل بالأستاذ نجيب محفوظ في مركب "فرح بوت" على نيل الجيزة. وقد كان من حظّي أنّي اقتربتُ من المصريّين الثلاثة الحائزين لجائزة نوبل: الدكتور أحمد زويل، والأستاذ نجيب محفوظ، والدكتور محمد البرادعي.

التقيتُ الأستاذ نجيب محفوظ في جامعة القاهرة، وفندق شبرد، ومركب فرح بوت، وفندق نوفوتيل المطار. واجتمعت مع الدكتور محمد البرادعي في مكتبه بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي منزله في فيينا والقاهرة، ثمّ عملنا معاً في إدارة الرئيس عدلي منصور لمدّة شهر. أمّا الدكتور أحمد زويل فقد عملت معه مستشاراً لنحو عشرين عاماً، منذ تخرّجي في الجامعة حتى قبيل رحيله.

ما إن أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الكاتبة الفرنسية آني إرنو بجائزة نوبل للآداب، حتى تجدّد النقاش في القاهرة بشأن نوبل نجيب محفوظ التي أسعدت العالم العربي قبل 34 عاماً

الدقائق العشر الأخيرة

قال لي الدكتور زويل: في كلّ عام كانت زوجتي الدكتورة ديمة الفحام تنتظر حصولي على جائزة نوبل، منذ أن ترشّحت لها. وذات يوم جاءني اتصال هاتفي في المنزل، وكان من لجنة جائزة نوبل في السويد، وتمّ إبلاغي بفوزي بجائزة نوبل في الكيمياء، وقال لي عضو الأكاديمية السويدية الذي اتصل بي: أتركك الآن لآخر عشر دقائق هادئة في حياتك، بعد نوبل لن تصبح حياتك كما كانت قبل، وسوف ترى، فاستمتع بهذه الدقائق الأخيرة.

في قصة إبلاغ الأستاذ نجيب محفوظ بالجائزة، حاول البعض من كارهي الأديب العالمي أن يروّجوا أنّ اتصالاً جاءه من رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن قبل إعلان الفوز بخمس دقائق. وهذا الكلام هو محض أكاذيب واستحالات لا أساس لها.

الاستحالة الأولى أنّ بيغن لم يكن رئيساً للوزراء، والثانية أنّه لا يمكن لأيّ شخص في العالم أن يتصل من خارج الأكاديمية السويدية، والاستحالة الثالثة أنّه لا يمكن أن يبتهج قادة إسرائيل إلى الحدّ الذي يدفعهم إلى التهنئة المبكرة، ذلك أنّ الجائزة هي تعزيز للأدب العربي وللقوّة الناعمة المصرية.

"الأهرام" بديلاً عن استوكهولم

جاء هاتف نوبل هذه المرّة من صحيفة الأهرام التي يعمل بها الأستاذ نجيب محفوظ. عرفت "الأهرام" الخبر من وكالات الأنباء التي تشترك فيها الصحيفة العريقة.

قال لي مراسل صحيفة الأنباء الكويتية في القاهرة إنّه هو من ذهب إلى نجيب محفوظ في منزله المجاور لمكتب الوكالة على نيل العجوزة وأبلغه بالخبر. لكنّ تقديري أنّ ذلك كان لاحقاً على اتصال "الأهرام"، لكنّه بالطبع كان متقدّماً على غيره من الصحف المنافسة.

حسب الأستاذ عبد العظيم حماد رئيس تحرير "الأهرام" السابق فإنّه هو أوّل من أبلغ نجيب محفوظ بالخبر، وحسب الصحافية بـ"الأهرام" هبة محمد باشا فإنّ والدها الأستاذ محمد باشا مدير تحرير "الأهرام" هو من أبلغ الأستاذ نجيب محفوظ، وكان معه الكاتب الأستاذ سلامة أحمد سلامة.

يقول الأستاذ عبد العظيم حمّاد: "أنا عبد العظيم حماد، أشهد أنّني من أيقظ نجيب محفوظ من نوم القيلولة لإبلاغه نبأ الفوز فور أن تلقّيته من وكالات الأنباء. السيّدة حرمه هي التي ردّت على هاتف المنزل، وقالت إنّه نائم، فطلبتُ إيقاظه، وانتظرتُ حتى ردّ عليّ بصوت فيه آثار النوم. لم يستوعب الخبر، حتى أكّده له كلّ من الأستاذ محمد باشا وسامي خشبة، ثمّ أرسلنا إليه سيّارة لكي تأتي به إلى جريدة الأهرام". ومن جانبها كتبت الأستاذة هبة محمد باشا تنفي اتصال الأستاذ عبد العظيم حماد وتؤكّد اتصال والدها.

إنّ اتصال الأستاذ باشا بالأستاذ نجيب محفوظ لإبلاغه بالجائزة هو أمر معروف في الأوساط "الأهراميّة"، وقد روى لي الأستاذ محمد باشا الواقعة كما روتها ابنته. وتقديري أنّ الروايتين صحيحتان: فقد اتصل الأستاذ عبد العظيم حماد بالأستاذ نجيب محفوظ عقب قراءته الخبر في الوكالة، وهو أمر طبيعي، ذلك أنّه يكفي أن يطلب صحافيّو "الأهرام" الرقم "صفر" فيصلهم سنترال المؤسّسة بأيّ من كتّابها في أيّ مكان، وقد كان الخبر رائعاً إلى الحدّ الذي يدفع إلى التسابق على إبلاغه.

 

ربّما كان اتصال الأستاذ حمّاد بالأستاذ نجيب هو الأوّل. ولكنّ الأستاذ لم يركّز فيه بالقدر الكافي، فقد كان نصف نائم، ولم يأخذ الخبر على محمل الجدّ.

والأرجح أيضاً أنّه تلقّى إثر المكالمة واحدة أخرى ذات طابع رسمي من الأستاذ محمد باشا، ولأنّه يعرف الأخير والأستاذ سلامة أحمد سلامة ومنصبَيْهما في "الأهرام"، فقد اضطرّ إلى أن يأخذ الموضوع على محمل الجدّ.

كان الأمر على هذا النحو: الاتصال الأول والثاني كانا من "الأهرام"، وأول زيارة صحافية للمنزل قامت بها جريدة الأنباء الكويتية.

نجيب محفوظ يروي

يروي الأستاذ نجيب محفوظ في كتابه "صفحات من مذكّرات نجيب محفوظ" قصة الاتصال كالتالي: "تناولتُ الغداء، ودخلت غرفة النوم لأستريح، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة إلّا وجدتُ زوجتي توقظني من النوم في لهفة: فُوق فُوق.. "الأهرام" اتصلوا بك ويقولون إنّك أخذت جائزة نوبل، فاستيقظتُ وأنا في غاية الغضب، معتبراً كلام زوجتي مجرّد هلوسة خاصة بها، لأنّها منذ عدّة سنوات سابقة وهي دائمة الحديث عن جائزة نوبل وأحقّيّتي بالفوز بها، وكنت أرجوها أن تعقل وتفهم أنّ جائزة نوبل ليست سهلة المنال، كما أنّني لا أفكّر فيها.

"وبينما أنا أتّحدث مع زوجتي دقّ جرس التليفون. وكان المتحدّث الأستاذ محمد باشا الصحافي بـ"الأهرام"، وقال إنّني فزت بجائزة نوبل فلم أصدّقه، فأعطى سمّاعة التليفون للأستاذ سلامة أحمد سلامة الذي حدّثني بصوت تملؤه الفرحة: مبروك يا أستاذ.. شرّفتنا، جاءت نتائج جائزة نوبل، وأنت فزت بالجائزة في الآداب".

ثمّ روى الأستاذ نجيب محفوظ قصة زيارة سفير السويد لمنزله، بعد قليل من اتصال "الأهرام".

"الأهرام" مرّة أخرى

إنّ رواية الأستاذ نجيب محفوظ لقصة الاتصال تؤكّد وجود اتصاليْن من "الأهرام": الاتصال الأول هو الذي تحدّث بشأنه عن كلام زوجته واتصال "الأهرام" بها لإبلاغها الفوز بنوبل، والاتصال الثاني الذي جاء من "الأهرام" مرّة أخرى بينما هو يتحدّث مع زوجته عن الاتصال الأوّل، وكان المتّصل الأستاذ باشا.

الرجل الذي رشّح نجيب محفوظ

ظلّت الأوساط الأدبية لسنوات طويلة تردِّد أنّ أستاذ الأدب المقارن ورئيس معهد اللغة العربية في استوكهولم البروفسور عطية عامر هو من رشّح نجيب محفوظ للجائزة.

قام البعض بإقحام أستاذ إسرائيلي وجامعة بريطانية في الأمر، لكنّ الحقيقة هي أنّ الدكتور عطية هو من رشّح نجيب محفوظ، وقبله قام بترشيح طه حسين.

يروي الأستاذ محمد الشماع أنّه التقى البروفسور عطية مع الأستاذ صلاح عيسى في صحيفة "القاهرة" عام 2012، قبل وفاة عطية بقليل، وكان رجلاً مسنّاً، وتحدّث معهم عن قصة ترشيحه طه حسين لجائزة نوبل عام 1967، ثمّ ترشيحه نجيب محفوظ من عام 1978 حتى عام 1988.

روّج البعض خرافة أخرى تفيد أنّ سكرتير الأكاديمية السويدية وجّه كلمة لإسرائيل، والصحيح أنّه لم يوجّه أيّ كلمة لإسرائيل، لكنّه قال: "الجائزة بعيدة عن السياسة، وهي تُمنح للقيم الإنسانية في الأدب، وعلى إسرائيل أو غير إسرائيل فهم ذلك". وكان ذلك ردّاً على الانتقادات الإسرائيلية لحصول محفوظ على نوبل، التي اعتبرت أنّ الأمر مجاملة للأدب العربي، وأنّ الأدب العربي لا يستحقّها.

ظلّت الأوساط الأدبية لسنوات طويلة تردِّد أنّ أستاذ الأدب المقارن ورئيس معهد اللغة العربية في استوكهولم البروفسور عطية عامر هو من رشّح نجيب محفوظ للجائزة

وثيقة حسين نصار- منصور حسن

في واحدٍ من أفضل التحقيقات الصحافية المعاصرة كشف الأستاذ وائل السمري عن وثيقة قاطعة، نشرتها صحيفة "اليوم السابع"، تجزم بأنّ البروفسور عطية عامر وليس غيره هو مَن رشّح محفوظ للجائزة. والوثيقة هي رسالة من الدكتور حسين نصار رئيس أكاديمية الفنون إلى وزير الثقافة والإعلام منصور حسن، وفيها يذكر ترشيح عطية لمحفوظ لنوبل، ويطلب دعوة عضو لجنة الجائزة إلى مصر، وإقامة أسبوع ثقافي مصري في السويد.

وُلد عطية عامر في المنوفية وتخرّج في كلّية دار العلوم بجامعة القاهرة، وحسب الدكتور جابر عصفور فقد غادر مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر خشية اعتقاله بسبب انتماءاته الاشتراكية، ووصل عطية مع زوجته السويدية إلى استوكهولم حيث أصبح أبرز أستاذ عربي بالسويد. وقد كان مصرياً خالصاً حتى إنّه سمّى ابنه رمسيس وابنته إيريس، وله كتاب "الأدب الفرعوني" وكتاب "رسائل تحوت في الحكمة والفلسفة".

كان السادات يريد ترشيح توفيق الحكيم، وكان يوسف إدريس قد زار السويد برعاية عراقية لترشيح نفسه، لكنّه حسب عطية كان يرتدي ساعة عليها صورة صدّام حسين تركت انطباعات سلبية.

في تحقيقه الصحافي التاريخي يقول وائل السمري: "من جيبه الخاص اشترى عطية عامر كتب نجيب محفوظ ووزّعها على أعضاء لجنة نوبل، وبنضاله الخاصّ استمرّ عشر سنوات من 1978 إلى 1988 يكافح من أجل رفع اسم مصر عالمياً فواصلَ "ترشيح نجيب محفوظ.. حتى فاز بالجائزة"، ولقد تواصل في هذا الطريق الشاقّ مع المسؤولين في القاهرة، ومع السفير المصري في استوكهولم عمر شرف لفعل أيّ شيء لدعم نجيب محفوظ.

إقرأ أيضاً: الترينديّون: تآكل العقل العربيّ

يستحقّ البروفسور عطية كلّ الاحترام والتقدير، فهو نموذج بات نادراً في التجرُّد والإخلاص، وفي أن يعمل المرء عشر سنوات ويزيد من أجل جائزة يحصدها شخص آخر. إنّه يملك ذلك الخليط المذهل من المعرفة والوطنية والأخلاق.. معاً.

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور.

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.