"السعوديّة أوّلاً"، ولبنان يحضر "إن استحقّ"!

"السعوديّة أوّلاً"، ولبنان يحضر "إن استحقّ"!

عماد الدين أديب - الإثنين 31 تشرين الأول 2022

بعدما سلّم الجنرال عون الفراغ للبنانيين، ما هو موقف الرياض؟

"لن تقوم الرياض بتمويل نظام حكم إيراني بالنيابة عن طهران في لبنان".

"لن تقوم الرياض بتمويل نظام حكم يريد إلغاء اتفاق الطائف".

"لن تقوم الرياض بتمويل نظام حكم يضع الطوائف جميعها تحت وصاية أنصار الوليّ الفقيه في لبنان".

"لن تقوم الرياض بالتنسيق مع واشنطن وباريس بخصوص الملفّ اللبناني ما لم يوجد تنسيق واتفاق كامل بين العواصم الثلاث على شكل السياسات والإجراءات الموحّدة، وبهذا المنطق لا تقبل الرياض أن تتحرّك واشنطن في موضوع الحدود البحرية أو تتحرّك باريس في موضوع تسمية الرئيس المقبل من دون التفاهم الكامل مع العاصمة السعودية".

تتابع الرياض اليوم باهتمام ما يحدث في لبنان من فراغ رئاسي، ووجود حكومة تصريف أعمال، وبرلمان بلا قوّة حسم واضحة في ظلّ أزمة اقتصادية طاحنة.

هذه المواقف قائمة ونابعة ممّا يمكن تسميته "مدرسة التفكير السعودية الجديدة" التي وضعاها الملك سلمان ووليّ عهده الأمير محمد.

هذه المدرسة تقوم دعائمها على مبدأ "المصالح الوطنية العليا" بدلاً من شراء الخواطر الإقليمية والدولية.

يقول مصدر سعودي مطّلع: "على الجميع أن يفهم أنّ سياسة هذا العهد تعتمد على مبدأ صريح وواضح، وهو المصلحة السعوديّة أوّلاً".

لن تقوم الرياض بالتنسيق مع واشنطن وباريس بخصوص الملفّ اللبناني ما لم يوجد تنسيق واتفاق كامل بين العواصم الثلاث على شكل السياسات والإجراءات الموحّدة

سياسة "المثل بالمثل"

ويضيف المصدر شارحاً: "في الماضي القريب كنّا أحياناً نقدّم مصلحة الأصدقاء أو الشركاء أو الأشقّاء على مصالحنا أو نجزل في العطاء السياسي والمادّي حتى نحقّق المصالح عبر "تسوية كريمة".

ويضيف: "في الماضي كنّا كرماء مع السوري واللبناني والفلسطيني والعراقي والأردني، وعند مفترق الطرق والأزمات، مثل غزو صدّام للكويت أو اعتداءات الحوثيين علينا، لم نجد "جزاء الإحسان بالإحسان"، بل إنّ البعض وقف في الخندق المضادّ لنا".

استوعبت الرياض دروس الماضي القريب وقرّرت التعامل بمنطق يعتمد على ثلاثة مبادئ:

1- المصالح السعودية مقدَّمة على أيّ مصالح أخرى.

2- معاملة المثل بالمثل.

3- لا يمكن أن تكون نصف صديق أو نصف عدوّ مع السعودية، فإمّا تكون صديقاً أو عدوّاً.

من هنا يمكن فهم ما يعتبره بعض المحلّلين اللبنانيين سياسة المعاملة بالمثل من جانب الرياض للساسة اللبنانيين.

توقّفت السفارة السعودية عن أن تكون مركز قبول طلبات دعم لقوى سياسية لبنانية تعمل بمنطق "البونات السياسية" المفتوحة لبيع الولاء أو أيّ مواقف مبدئية للجميع.

توقّف صنبور العطاء السعودي المفتوح للحكومة والمؤسّسات والأحزاب والجمعيّات والأفراد.

ركّزت الرياض على إبلاغ رسالة واضحة للجميع في لبنان بأنّها لا يمكن أن تقوم بدعم وتمويل نظام يعمل سياسياً وأمنياً لصالح النظام الأمني السوري برعاية كاملة من الحرس الثوري الإيراني.

ولا يخفى على الرياض "الأسماء والحسابات وكمّيّات الأسلحة ونوعيّة التعليمات التي تصل من طهران إلى قصر بعبدا وتوابعه الأمنية والضاحية الجنوبية".

يقول مصدر سعودي مطّلع: "على الجميع أن يفهم أنّ سياسة هذا العهد تعتمد على مبدأ صريح وواضح، وهو المصلحة السعوديّة أوّلاً"

دور السفير البخاري

لا تتخلّى الرياض عن دورها في الاتصالات والتنسيق داخل اللعبة اللبنانية عبر سفيرها وليد البخاري الذي يركّز، بناء على التعليمات، على تقديم المساعدة الإنسانية لكلّ الطوائف والانفتاح السياسي على الجميع، مع تركيز واضح على التيار المسيحي الماروني المضادّ للثنائي ميشال عون وجبران باسيل.

تشعر الرياض أنّها دفعت في الماضي أكبر فاتورة من الدعم والاهتمام السياسي للسياسة اللبنانية والساسة اللبنانيّين، لكن لا تشعر أنّها تحصل الآن على مقابل من الولاء أو على الأقلّ على عدم العداء للمصالح السعودية في المنطقة.

تشعر الرياض أنّ النظام اللبناني في عهد ميشال عون قد اختُطف بالكامل لصالح خدمة الأهداف الإيرانية الفارسية كما ظهر في ملفّات اليمن وسوريا والعراق.

تشعر الرياض أنّ عمليات تهريب الأدوية المخدِّرة، والمواقف السلبية تجاه الرياض في الجامعة العربية، والتصريحات السلبية الصادرة عن الخارجية اللبنانية، هي أعمال موجّهة عن عمد ضدّها.

لا يساور الرياض شكٌّ في أنّ احتضان وسائل إعلام حزب الله للرؤية السياسية للحوثيين والدعم الكامل لوجهة نظرهم وتورّط خبراء حزب الله في تسليح الحوثيين وحركة أنصار الله وتدريبهم وتمويلهم، هي أعمال عدائية صريحة بامتياز ضدّ المملكة ولا يمكن تجاهلها، بل لا بدّ من مواجهتها بكلّ قوّة وبدون مواربة أو مجاملة.

لن تقبل الرياض الآن بأيّ شكل من الأشكال تجاهل استثمارها القديم في لبنان، ولن تزيده دولاراً واحداً إذا كان سيذهب لتمويل إرادة دولة الوليّ الفقيه في لبنان طال الزمن أو قصر.

فاتورة المساعدات والدعم السعودي للبنان كانت تستحقّ أن تحصل على "وفاء وردّ فعل إيجابي" من السياسة اللبنانية والساسة اللبنانيين بشكل يتوازى معها.

 

وإليكم ماذا تقول الأرقام:

إنّ السعودية قدّمت في الفترة منذ العام 1990 حتى العام 2015 مساعدات وهبات بما قيمته 70 مليار دولار أميركي، بالإضافة إلى المساهمة في إعادة الإعمار وتقديم وديعة بمبلغ مليار ونصف مليار، وإنّ 10 في المئة من الودائع الخاصة غير المقيمة في لبنان هي لسعوديّين، وإنّ تحويلات حوالي 300 ألف لبناني يعملون في المملكة هي الأكبر بين التحويلات الخارجية، وإنّ هناك أكثر من مئتي مشروع مشترك بين البلدين، بينها 108 في مجال الصناعة.

تراقب الرياض بدقّة شديدة حالة الفراغ السياسي التي سوف تتعرّض لها البلاد بعد عهد مليء بالنكبات والفشل قاده الرئيس المنتهية ولايته ميشال عون الذي يسعى هو وصهره إلى أن يكون لاعباً في موقع المارونية السياسية.

من هنا، ترى الرياض أنّ الرئيس اللبناني الجديد يجب أن تتوافر فيه الشروط التالية:

- أوّلاً، أن يحترم صيغة الطائف ولا يعمل على إلغائها.

- ثانياً، أن تكون لديه رؤية وطنية لِما يمكن تسميته بـ"الاستراتيجية الدفاعية". ويكون ذلك ببقاء نصّ وروح القرارات الدولية 1559، 1680، 1701 و2650.

- ثالثاً، أن يكون مقبولاً من كلّ القوى اللبنانية.

- رابعاً، أن يحافظ على مصالح السُنّة في لبنان ولا يعمل على تهميشها.

- خامساً، ألا يجعل من بلاده قاعدة للإضرار بالمصالح السعودية الوطنية أو في المنطقة.

- سادساً، أن يكون ذا خلفيّة وخبرة تؤهّلانه للمساعدة في الإنقاذ المالي والاقتصادي للبنان بعيداً عن شبهات أيّ مصالح خاصّة.

تشعر الرياض أنّها دفعت في الماضي أكبر فاتورة من الدعم والاهتمام السياسي للسياسة اللبنانية والساسة اللبنانيّين، لكن لا تشعر أنّها تحصل الآن على مقابل من الولاء أو على الأقلّ على عدم العداء للمصالح السعودية في المنطقة

لبنان بين "المشاريع"

يعيش لبنان الآن بين عدّة مشاريع في طور التكوين لصياغة التركيبة السياسية بعد خلوّ منصب الرئيس ونتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة واعتبار الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال.

1- المشروع الأوّل إيراني – سوري بامتياز يدفعه حزب الله.

2- مشروع أميركي – فرنسي – سعودي مشترك حدثت فيه خروقات بعدما تحرّكت أطرافه بشكل منفرد بسبب رهانات خاصة.

ظهر ذلك واضحاً في صيغة ترتيب إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية وحقول الغاز بين لبنان وإسرائيل، الذي تمّ في النهاية برعاية سياسية وغطاء ماليّ من الدوحة وليس من الرياض.

3- المشروع الأخير هو مشروع بقاء الحال على حاله وتأجيل الحسم إلى  حين اتّضاح:

أ- الموقف من الاتفاق النووي الإيراني – الأميركي.

ب- مستقبل الحوار الصعب بين الرياض وطهران.

ج- نتائج انتخابات تجديد مجلسَيْ الشيوخ والنواب في واشنطن.

د- مساحة الاهتمام التي يمكن أن يعطيها إيمانويل ماكرون المأزوم اقتصادياً وسياسياً في الداخل الفرنسي، ورغبته في اعتبار لبنان نقطة إنجاز أو ضوء نجاح في النفق المظلم الذي يسير فيه.

إقرأ أيضاً: علاقة الرياض-واشنطن: من "التحالف" إلى "التخالف"

تدرك الرياض أنّ الفراغ في لبنان لا يملأه فراغ جديد.

مستقبل لبنان القريب فيه من التساؤلات أكثر من الإجابات، ومليء بالافتراضات أضعاف أضعاف الوقائع، وكلّها احتمالات حلوها مرّ، وأكثرها إشراقاً ظلام دامس!

السعودية تراقب ذلك جيّداً بفهم وبوعي وبعدم تورّط من منطلق مصلحتها الوطنية أوّلاً.