غاز فلسطين: مصر هي "أميركا" الترسيم

غاز فلسطين: مصر هي "أميركا" الترسيم

نبيل عمرو - السبت 29 تشرين الأول 2022

يلعب الغاز دوراً حاسماً في تغيير المواقف والسياسات والثوابت.

الصفقة "التاريخية"، التي أُنجزت بين لبنان وإسرائيل، تمّت بسلاسة لكن بتعجّل ظاهر، نظراً إلى إلحاح الحاجة لدى كلّ طرف من أطرافها. وحين تلتقي الحاجات تختفي المحرّمات، ويتحوّل ما كان مستحيلاً إلى ممكن سهل. ولكلّ حالة غطاؤها الدعائي.

- أميركا مثلاً لم تعد الشيطان الأكبر، بل الوسيط النزيه والمحايد وصانع الاختراقات النوعية في الشرق الأوسط!

- إسرائيل لم تعد هدفاً للصواريخ الدقيقة، بل باتت شريكاً في إنتاج الغاز وعائداته وحماية منشآته.

- لبنان رسّم حدوده البحرية وحصل على ثروته ووضع أقدامه على طريق التعافي من مأزقه الاقتصادي والمالي، وصار بوسعه القول إنّه أخذ أكثر ممّا أعطى.

- حزب الله بوسعه اعتبار ترسيم الحدود البحرية مع "الكيان الصهيوني" إنجازاً ثورياً تتباهى به الأجيال.

الصفقة "التاريخية"، التي أُنجزت بين لبنان وإسرائيل، تمّت بسلاسة لكن بتعجّل ظاهر، نظراً إلى إلحاح الحاجة لدى كلّ طرف من أطرافها

أوروبا المدلّلة والمرفّهة والتي كانت عصيّة على التقشّف وبرد الشتاء نالت الجائزة الكبرى بحصولها على غاز كاريش وما يتيسّر من غاز قانا، إضافة إلى تريليونات الأمتار المكعّبة الواقعة على مقربة منها في المنطقة التي صارت الأهمّ والمسمّاة شرق المتوسّط.

 

الغاز بالغاز يُذكَر

ما إن أُنجزت الصفقة اللبنانية الإسرائيلية التي حصل "الشيطان الأكبر" بمقتضاها على شهادة نزاهة وحسن سلوك، حتى بدأ حديث ذو مغزى عن غاز بحر غزّة. ومع أنّ الأخبار الجديدة عن هذا الملفّ القديم بشّرت بولادة اتفاق شبيه بالاتفاق اللبناني، لكن ما يختلِف هنا أنّ "المصري" أخذ مكان "الأميركي". ومَن غيره يستطيع إقناع إسرائيل والقبائل الفلسطينية المتنابذة بإغلاق ملف الغاز على حلّ، وبالدوافع والخلاصات نفسها التي أُغلق بها ملفّ توأمه اللبناني؟

أميركا تدعم أيّ تقدّم في أيّ اتجاه ضمن ملفّات النزاع الشرق أوسطيّ، ولديها القدرة على ادّعاء الإنجاز حتى لو لم تساهم فيه. لذا فإن توصّل الفلسطينيون والإسرائيليون، بجهد مصريّ، إلى اتفاق في شأن الغاز، بمعزل عن اتفاق في باقي مكوّنات الصراع الأساسي، فهذا يقع في صلب سياستهم الجديدة تجاه التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، التي أساسها الحلّ الاقتصادي الذي يمكن كما يقولون أن يفضي إلى حلّ سياسي.

كيف سيتعامل الفلسطينيون، وهم في حالتهم الراهنة، مع الثروة التي قد يحصلون عليها؟

مبدئياً يمثّل الغاز، ومن أيّ بقعة فلسطينية استُخرج، ثروةً وطنيةً من حقّ "الكلّ" في فلسطين. غير أنّ لِغزّة، بعد كلّ هذا العذاب الطويل الأمد الذي عانته، وضعاً خاصاً ليس فقط في ما سيُستخرج من غاز أو نفط، وإنّما في خطط التنمية المعدّة للوطن كلّه.

إقرأ أيضاً: قادة... أم باعة متجوّلون؟

ولأنّنا في وطن يسعى إلى الحصول على استقلال ودولة، فالتعامل هنا يتطلّب الابتعاد كلّيّاً عن نهج التقاسم الذي أنتج الانقسام، والابتعاد عن منطق ومعادلات "البيزنس" في التعامل مع الثروة الوطنية. ذلك أنّ فلسطين ينبغي أن تدخل المرحلة المقبلة باستعادة وحدة شعبها ومؤسّساتها ونظامها السياسي. ولا يعيب الفلسطينيّين الذين ما يزالون في حالة انقسام وتراجع ملحوظ في عمل المؤسّسات والنظام السياسي، لا يعيبهم الاستعانة بخبرات وإمكانات الشقيقة الكبرى مصر ومَن يماثلها من العرب في العديد من الملفّات التي لم ينجح الفلسطينيون في إغلاقها. ليكون هؤلاء الأشقّاء بمنزلة الضامن والكفيل أمام الخصم الإسرائيلي، والمنسّق الفعّال المسموع الكلمة بين جميع الأطياف الفلسطينية. فذلك كان ضرورياً قبل حكاية الغاز وصار ضرورياً أكثر إذا ما صدقت الحكاية.