تركيا – إيران: مصيدة المتغيّرات الروسيّة

تركيا – إيران: مصيدة المتغيّرات الروسيّة

د. سمير صالحة - الخميس 27 تشرين الأول 2022

لا أحد يعرف هل يقوم الروس بعمل ما مقابل خدمات الإيرانيين لهم في أوكرانيا؟

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال: "لقد تحوّلت طائراتنا المسيّرة إلى أساطير تؤلَّف عنها أغاني". إردوغان يغمز من قناة طائرة "أقينجي" ذات التكنولوجيا العالية التي زوّدت بها أنقرة الجيش الأوكراني، أخذاً في الاعتبار المسيّرات الإيرانية "شاهد 136" التي باعتها طهران للجيش الروسي في انحياز استراتيجي سيواكبه حتماً خلط أوراق إقليمية على خطّ أنقرة - طهران.

يؤكّد أفشين نادري شريف، مساعد وزير الدفاع الإيراني، أنّ قوات بلاده المسلّحة "حقّقت خلال السنوات الأخيرة إنجازات كبيرة في مجال الدفاع الجوّي والحرب الإلكترونية"

تنافس وتناقضات

تقول الخارجية الأميركية إنّ "رسالتنا الوحيدة لإيران هي أن توقف استهداف شعبها وتنهي إرسال الأسلحة إلى روسيا لقتل الأوكرانيين". لكنّ الدبلوماسي الروسي كونستانتين فورونتسوف يقول إنّ "دول حلف شمال الأطلسي تقترب من خط الخطر الذي ينذر بالصدام العسكري المباشر مع روسيا". إنّ الترجمة العملية لتصريحات فورونتسوف هي أنّ تعقيدات المشهد في ملفّ الأزمة الأوكرانية ستكون لها ارتداداتها على العلاقات التركية الروسية أوّلاً، ثمّ ستجد تركيا وإيران نفسيهما في مأزق أكبر يتعلّق بتحديد خياراتهما وسياساتهما الروسية في القرم ثانياً.

فيما كان إردوغان في طريق العودة من أذربيجان، بعد زيارة استراتيجية متعدّدة الأهداف والجوانب، أعلن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان من العاصمة الأرمنية يريفان معارضة بلاده لوجود الأجانب في أذربيجان أو أرمينيا. يدور الحديث هنا عن قرة باغ وجنوب القوقاز ومشاريع تركيا عبر ممرّ "زنغزور" مع باكو ونهشفان باتجاه العمق الآسيوي بضوء أخضر روسي وعلى مرأى ومسمع من إيران.

بلغ التنافس أو السباق التركي الإيراني ذروته في التعامل مع ملفّات إقليمية ودولية تعني البلدين. يردّد الرئيس التركي أنّ صادرات بلاده من الصناعات الدفاعية تخطّت حاجز 3 مليارات دولار سنوياً بعدما كانت 250 مليون دولار قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002: "رفعنا عدد مشاريع الصناعات الدفاعية من 62 إلى أكثر من 750، وميزانية هذه المشاريع من 5.5 مليارات إلى 75 مليار دولار". أما طهران فتسخر من العقوبات الأوروبية ضدّ شخصيّات وكيانات عسكرية إيرانية، على خلفيّة اتّهام الاتحاد الأوروبي إيران بتزويد روسيا بالمسيّرات القتالية في حربها مع أوكرانيا.

يؤكّد أفشين نادري شريف، مساعد وزير الدفاع الإيراني، أنّ قوات بلاده المسلّحة "حقّقت خلال السنوات الأخيرة إنجازات كبيرة في مجال الدفاع الجوّي والحرب الإلكترونية". لكنّ الموقف الإيراني الأهمّ أوجزه لنا الرئيس إبراهيم رئيسي تحت عنوان "العالم يشهد عهداً جديداً بظهور قوى جديدة"، حين قال إنّ "أيّ معادلة في المنطقة لن تتشكّل من دون إيران، التي هي اليوم أقوى من أيّ وقت مضى".

 

تل أبيب وأنقرة

ما يدفع إيران إلى تقديم كلّ هذه الخدمات العسكرية والسياسية لروسيا هو الصعود الإسرائيلي - التركي في لعبة توازنات الطاقة الإقليمية في شرق المتوسط والبحر الأسود وجنوب القوقاز. ومن المحتمل أن تحدث تفاهمات استراتيجية بين أنقرة وتل أبيب في هذه المناطق "على حسابها" وبدعم وتشجيع روسييَّن وأميركيَّين.

رأى الكاتب الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" ألون بنكاس أنّ الرئيس الأميركي قاد سياسة متشدّدة ضدّ روسيا، ووفّر المساعدات والسلاح لأوكرانيا بمبلغ 20 مليار دولار. لكن تبيّن أنّ الافتراض الذي ارتكز على وجود تضارب مصالح وعداء بين طهران وموسكو، كان خطأ مع انطلاق العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. إذاً تضع تل أبيب في حساباتها لعبة الكرّ والفرّ الثلاثي على خطّ موسكو - أنقرة - طهران، ولا تريد أن تدفع ثمن الاصطفافات المحتملة في الإقليم.

كشفت أخيراً معلومات إسرائيلية، نقلاً عن مسؤولين كبار في تل أبيب، أنّ القوات الإسرائيلية نجحت في تدمير نحو 90 في المئة من البنية التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا، وإحباط محاولات ترسيخ وجود "حزب الله" هناك. لا تعني صحّة هذه المعلومات فقط نجاح إسرائيل في مواجهة التمدّد الإيراني في جنوب سوريا، بل تعني أيضاً تقديمها خدمة كبيرة لتركيا عن قصد أو من دون قصد في سياستها السورية وفي مواجهة نفوذ إيران وتقدُّم وانتشار ميليشياتها على مقربة من الحدود التركية السورية في الشمال. هناك حتماً تنافس تركي إيراني على التنسيق الاستراتيجي مع روسيا. لكنّ السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: هل يتحوّل التقارب التركي - الإسرائيلي الأخير إلى اصطفاف ثنائي بطابع إقليمي أوسع يشمل ملفّات الطاقة والقرم والقوقاز في مواجهة إيران؟ وهل تسمح موسكو بذلك حتى لو دعمت واشنطن هذا الانفتاح حتى النهاية؟

قد تكون العلاقة الإيرانية - الروسية عميقة في سوريا على الرغم من أنّها ذهبت باتجاه آخر في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. لكنّ طهران ستتمسّك حتى النهاية بلعب الورقة الروسية خلال بحث الملف النووي بعد الآن. إنّ الاقتراب الإيراني من روسيا، بعد قرارات مجموعة "أوبك بلاس" التي أغضبت واشنطن، يحمل معه احتمال وجود عرض روسي لطهران بالوقوف إلى جانبها عندما تقرّر إنهاء حوارها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو تزويدها بالدعم السياسي والعسكري الواسع الذي قد يصل إلى التكنولوجيا المتطوّرة، إلى جانب وعود وفرص ستقدّمها لها في الشرق الأوسط والقرم والقوقاز لتوسيع رقعة نفوذها كما فعلت في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

تقول الخارجية الأميركية إنّ "رسالتنا الوحيدة لإيران هي أن توقف استهداف شعبها وتنهي إرسال الأسلحة إلى روسيا لقتل الأوكرانيين"

سياسات إقليمية – دولية

لا يمكن تجاوز جملة من الحقائق في لعبة الكرّ والفرّ هذه:

- لن تحسم المسيَّرات الإيرانية الحرب في أوكرانيا لصالح روسيا، لكنّها ستقرّب بين طهران وموسكو. بالمقابل هناك حقيقة أخرى مفادها أنّ إرسال إيران مسيّراتها "شاهد 136" إلى الجبهات الروسية في أوكرانيا سيعقّد مسار العلاقات الإيرانية الغربية أكثر فأكثر، وقد يطيح بالمفاوضات النووية تماماً.

- كان لافتاً الحلّ الذي اقترحه وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو، ردّاً على موقف الولايات المتحدة من قرارات "أوبك +" التي قضت بخفض إنتاج النفط، في قوله: "نرى أنّ هناك دولة تهدّد السعودية. هذا التنمّر ليس أمراً صائباً. ارفعوا العقوبات عن إيران إذا كنتم تريدون خفض أسعار النفط". هل ترضى العواصم الخليجية بهذا العرض التركي الذي يقرّب أكثر بين أنقرة وطهران إقليمياً، حتى لو كان الهدف هو الدفاع عن قرارات ومواقف هذه العواصم؟

- تريد روسيا أن تلعب ورقة النفط ضدّ الغرب للوصول إلى ما تريده في ورقة الغاز. وإيران قد تقدّم لها بعض الخدمات في هذا الإطار. لكنّ إعلان بوتين أنّ بلاده تريد أن ترى تركيا قاعدة تخزين ونقل للغاز الروسي إلى أوروبا، هو أبعد بكثير من مسألة قدرة إيران على منافسة أنقرة في دور منحته لها الجغرافيا والموقع الاستراتيجي بقبول إقليمي ودولي. وستكون موسكو أوّل من يتخلّى عن طهران عندما يبتسم الغرب لها حول طاولة تفاوض متعدّدة الأطراف في أوكرانيا. أمّا أنقرة فلا تريد أن تكون بين من يدفع الثمن هناك بعد كلّ هذه الخدمات المقدّمة والجهود المبذولة منذ 10 أشهر حتى اليوم.

- يهمّ روسيا إبقاء أنقرة وطهران إلى جانبها في أزمتها مع الغرب. لكنّ ذلك لن يعني بالضرورة أنّهما ستكونان على مسافة واحدة في علاقاتهما معها. من يقدّم أكثر فلن يأخذ بالضرورة أكثر. إنّها قاعدة أساسية في منطق تبادل الخدمات في علم السياسة والعلاقات الدولية.

- استهدف الرئيس التركي الإدارة الأميركية بدعوتها إلى الانسحاب من سوريا، واستفزّها أكثر بحديثه عن تعاون محتمل بين أنقرة وطهران في مجالات التصنيع العسكري في أواخر أيلول المنصرم وبعد قمّة طهران الثلاثية لدول الآستانة. من الممكن الحديث مثلاً عن تنسيق وتصنيع حربي تركي باكستاني وتبادل خبرات في الصناعات العسكرية والدفاعية، مع ما قد يتسبّب به هذا التنسيق من قلق إقليمي لدى البعض وفي مقدَّمهم إيران. لكنّ الحديث عن تنسيق عسكري تركي إيراني مسألة تتعارض كليّاً مع التحالفات التي بنتها أنقرة غربيّاً وقرار انفتاحها الأخير على العديد من العواصم العربية وإسرائيل. ربّما كانت ردّة فعل إردوغان وقتذاك ظرفية عفوية لا أكثر. فنحن لم نسمع بعد ذلك مَن يتحدّث عن هذا الطرح لا في أنقرة ولا في طهران.

إقرأ أيضاً: سداسي المعارضة: هل "يشيل الزير من البير" في مواجهة إردوغان؟

"الحلو مرّ" هو مشروب تقليدي متوارث عبر الأجيال في السودان، يُشرب عادة في شهر رمضان، وطريقة تصنيعه معقّدة. هو في أساسه خليط من الذرة والبهارات وبعض الأعشاب، ويحتاج إلى كمّيات كبيرة من السكّر ومهارات فائقة في الإعداد للوصول إلى طعمه المطلوب. إنّ تحالفاً روسياً تركياً إيرانياً إقليمياً يحتاج إلى جهد كبير يمرّ عبر مراحل طويلة تُخلط فيها أوراق تحالفات الدول الثلاث مع الجوار الإقليمي والدولي، وكلّها مسائل متشابكة معقّدة... أصعب من "الحلو مرّ".