اتّفاق الطائف: الحلّ بالعودة إلى الحوار

اتّفاق الطائف: الحلّ بالعودة إلى الحوار

قاسم قصير - الثلاثاء 25 تشرين الأول 2022

يحتفل لبنان واللبنانيون في هذه الأيام بذكرى مرور 33 عاماً على توقيع اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية برعاية ودعم عربيَّين ودوليَّين. وقد دعا السفير السعودي في لبنان وليد البخاري إلى المشاركة في احتفال حاشد يوم السبت في الخامس من تشرين الثاني المقبل في قصر الأونيسكو لإحياء هذه الذكرى الوطنية والعربية المهمّة.

بموازاة ذلك ترتفع بعض الأصوات للدعوة إلى عدم المسّ بالاتفاق أو تغييره، ووصل الأمر بأحد رجال الدين إلى القول في إحدى خطب الجمعة إنّ "الدعوة إلى تغيير اتفاق الطائف ستؤدّي لحرب أهلية جديدة"، ونُشرت مقالات ومواقف تحذّر من أيّ تغيير في الاتفاق في ظلّ موازين القوى السياسية والحزبية الحاليّة، معتبرةً ذلك استهدافاً للطائفة السنّيّة في لبنان.

خلال السنوات الثلاثين الماضية صدرت عشرات الكتب ومئات الدراسات وآلاف المقالات وعُقدت المؤتمرات والندوات حول الاتفاق وتقييمه وما طُبّق وما لم يُطبّق منه، ولم تحصل أيّة ردود فعل سلبية على ذلك وكان النقاش طبيعياً

فما مدى صحّة هذه التحذيرات؟ وهل حقّاً اتّفاق الطائف مستهدف؟ ولماذا هذا التخويف والفوبيا من الحوار في الاتفاق؟

في إطار المناقشة والحوار الهادىء في هذا الملف المهمّ لا بدّ من وضع ملاحظات عديدة لتوضيح وجهة النظر الداعية إلى الحوار في اتفاق الطائف أو غيره من الوثائق ومشاريع الحلول للأزمة اللبنانية، ونورد النقاط التالية:

- أوّلاً: اتفاق الطائف هو الاسم الذي تُعرف به "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني" التي وُضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، وذلك بوساطة سورية - سعودية في 30 أيلول 1989 في مدينة الطائف، وأقرّه لبنان بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول 1989 منهياً الحرب الأهليّة اللبنانية، وذلك بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاعها. وقد تحوّلت معظم نصوصه الأساسية إلى نصوص دستورية وأصبحت من ضمن الدستور. وتمّ تطبيق بعضها في حين لم يتمّ تطبيق القسم الأكبر منها. والمطلوب اليوم دراسة كيفيّة استكمال التطبيق وتقييم ما طُبّق منها ودراسة الثغرات والنتائج، وهذا أمر بديهيّ بعد 33 عاماً على الاتفاق.

- ثانياً: خلال السنوات الثلاثين الماضية صدرت عشرات الكتب ومئات الدراسات وآلاف المقالات وعُقدت المؤتمرات والندوات حول الاتفاق وتقييمه وما طُبّق وما لم يُطبّق منه، ولم تحصل أيّة ردود فعل سلبية على ذلك وكان النقاش طبيعياً.

وكمثال أذكر بعض ما نُشر حول الاتفاق من كتب ودراسات: كتاب الزميل الدكتور عارف العبد عن "مركز دراسات الوحدة العربية" بعنوان "لبنان والطائف: تقاطع تاريخي ومسار غير مكتمل". و"اتفاق الطائف والسلام المنشود" عن "دار اللواء للصحافة والنشر"، "الانقلاب على الطائف" للنائب والوزير السابق ألبير منصور عن "دار المطبوعات". إضافة إلى دراسة خاصّة أعدّها المكتب السياسي لحزب الله عن الاتفاق عام 1990، وكتاب للدكتور نوّاف سلام عن "دار النهار" بعنوان "اتفاق الطائف.. استعادة نقدية". وكتاب عن دور رئيس مجلس الوزراء في لبنان بعد الطائف للأستاذ محمود عثمان. دراسة للباحث الدكتور جو باحوط حول تفكّك اتفاق الطائف صدرت عن "مؤسسة كارنيغي" عام 2016. دراسة للكاتب والباحث الأستاذ سركيس أبو زيد نُشرت قبل عدّة أيام في جريدة "الديار" حول الاتفاق وما تمّ تطبيقه وما لم يُطبّق منه. دراسة للصحافي واصف عواضة نُشرت قبل عدّة سنوات حول النقاط التي ينبغي مراجعتها في نصوص الدستور وتتعلّق بالتعديلات بعد الاتفاق. وثيقة صدرت أخيراً عن لقاء "الهويّة والسيادة" حول بعض الاقتراحات لتطوير الدستور والنظام السياسي. وثيقة صدرت عن مجموعة "لبنانيون من أجل الكيان" تدعو إلى بعض التعديلات الدستورية، ودعوات أخرى من مجموعات مختلفة حول الحوار الوطني.

هذه عيّنة بسيطة من هذه الدراسات والأبحاث، وهناك ضرورة لجمع كلّ ما كُتب عن الاتفاق في دراسة خاصة.

 مجرّد الدعوة إلى النقاش والحوار حول الاتفاق لا تعني تغيير بنوده، وجميع الأطراف اللبنانية تعلم أنّه لا يمكن الوصول إلى اتفاق جديد من دون حوار وتوافق وطني

- ثالثاً: منذ العام 1989 حتى اليوم شهد لبنان تطوّرات مهمّة سياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وماليّة، وحصلت أحداث كبرى، منها الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، والانسحاب السوري عام 2005، وحرب تموز 2006، وأحداث أيار 2008 واتفاق الدوحة، والتطوّرات في سوريا وانعكاسها على العلاقة بين البلدين بعد 2011، والانتفاضة الشعبية عام 2019، إلى غير ذلك من التطوّرات والأحداث التي بعضها مرتبط بنصوص الاتفاق وما ورد فيه. ألا يستحقّ ذلك المراجعة والدراسة؟ أولا يزال الاتفاق صالحاً في بعض بنوده أم نحتاج إلى مراجعة ذلك؟

- رابعاً: أصبحت الإصلاحات الموجودة في الاتفاق جزءاً من الدستور، وكذلك بعض المبادئ العامّة، ولا يمكن الرجوع عنها، وهناك نصّ عن العلاقات المميّزة بين لبنان وسوريا وحلّ الميليشيات وبناء الدولة ومؤسّساتها، وكلّ ذلك يتطلّب قراءة جديدة وتقييمية.

- خامساً: إنّ مجرّد الدعوة إلى النقاش والحوار حول الاتفاق لا تعني تغيير بنوده، وجميع الأطراف اللبنانية تعلم أنّه لا يمكن الوصول إلى اتفاق جديد من دون حوار وتوافق وطني، فلماذا الخوف من الحوار والتخويف منه؟

- سادساً وأخيراً: من المهمّ إعادة نشر نصّ الاتفاق وتعميمه كي يقرأه اللبنانيون مجدّداً ويتحاوروا فيه، وقد تكون مبادرة السفير السعودي في لبنان إلى الدعوة إلى احتفال خاص يوم السبت في الخامس من تشرين الثاني إحدى هذه المبادرات. كذلك ما قامت به النائبة السابقة السيّدة بهيّة الحريري من خلال "منتدى الطائف"، وكان من المهمّ دعم جهود السفارة السويسرية والمؤسّسات الحوارية الأخرى لمناقشة مستقبل لبنان والاتفاق بدل الهجوم على هذه الجهود.

إقرأ أيضاً: استهداف الطائف .. السُنّة خارج السياسة

فهل تفتح الدعوة الطريق إلى هذه الحوارات الضرورية أم نظلّ نستخدم التخويف من أيّة دعوة حوارية؟