استهداف الطائف .. السُنّة خارج السياسة

استهداف الطائف .. السُنّة خارج السياسة

سامر زريق - الأحد 23 تشرين الأول 2022

مائدة العشاء السويسرية التي تمّ تأجيلها لا إلغاؤها، ليست المحاولة الأولى لاغتيال اتّفاق الطائف ودفنه ، وحتماً لن تكون الأخيرة.

قبل أشهر قليلة حاول حزب الله وحليفه العوني استخدام مؤسّسات الدولة لسحب اتّفاق الطائف من نصّ القرار الأممي للتمديد لقوّات اليونيفيل "عالسّكت". لكنّ يقظة الفريق الدبلوماسي لدولة الإمارات العربية المتّحدة حالت دون ذلك. ويندرج ضمن السياق عينه الدعوة السويسرية أو "دبلوماسية المائدة" المشبوهة، التي لولا الموقف الحازم للمملكة العربية السعودية لكانت عُقدت، وتمّ خلالها تحديد موعد لمؤتمر في سويسرا يبدأ من حيث انتهى سلفه في"سان كلو" الفرنسية.

 

من هو الطبّاخ الحقيقيّ؟

الهجوم الإعلامي الذي شنّه حزب الله على السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، ومحاولته التقليل من أهميّة "المائدة المشبوهة" ، يكشفان هويّة الطبّاخ الحقيقي لأطباق هذه المائدة. لن يألو حزب الله جهداً لطيّ صفحة اتّفاق لم يعترف به، وفتح صفقة اتّفاق جديد لنظام يمسك به بإحكام أكثر من النظام الحالي.

المفارقة التي تستدعي التوقف عندها أيضاً هي إندفاعة مسيحية سياسية يقودها التيار الوطني الحر مع سكوت آخرين كـ"القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب" وتؤيد تعديل اتّفاق الطائف. هذا المكون وغلاتُهُ يرون إلى الاتّفاق هزيمة تاريخية.

مائدة العشاء السويسرية التي تمّ تأجيلها لا إلغاؤها، ليست المحاولة الأولى لاغتيال اتّفاق الطائف ودفنه ، وحتماً لن تكون الأخيرة

السُنّة الجدد

أمر آخر يجدر التوقّف عنده، وهو دعوة النائب "التغييري" إبراهيم منيمنة إلى "عشاء السفارة" كممثّل عن السُنّة على الرغم من تنكّره لذلك. لكنّه مهما بالغ في التنكّر فهو في النهاية يُصنّف من "المحمودات" كما قال المبدع زياد الرحباني منذ عقود.

لم تكن دعوة منيمنة لكونه نائباً سنّيّاً تغييرياً فحسب، بل لأنّه يمثّل وزميلته حليمة قعقور النخب السنّيّة المحدَّثة (UPDATED)، التي تحظى بدعم من قِبل الدول الأوروبية والغرب بشكل عامّ، لأنّها تعبّر عن الإسلام السنّيّ الجديد أو ما يجب أنْ يكون عليه شكل الإسلام السنّيّ. ولا يستخفّنّ أحد بهذه الفئة الوازنة التي بات لها حضور واسع ومتصاعد، والتي ترى أنّ الإسلام التقليدي يرمز إلى الجهل والتخلّف، وأنّه يتعارض مع قيم المدنية والحداثة و"الأوروبة".

وما تمّ دعم هذه الفئة في الانتخابات النيابية الماضية على حساب باقي شركاء التغيير إلّا من أجل هذه الأفكار، ولأنّها لا ترى في اتّفاق الطائف سوى وثيقة انتهت صلاحيّتها. وليس تفصيلاً رفض منيمنة تلبية دعوة السفير السعودي إلى عشاء النوّاب السُنّة بعد غيابه عن اجتماع دار الإفتاء، واعتباره ذلك تدخّلاً في الشؤون اللبنانية، مقابل اجتماعه مع سفراء أميركا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، بل وسفره إلى بروكسل، العاصمة السياسية للاتّحاد الأوروبي، من أجل الاجتماع بنوّاب أوروبيّين، وكلّ تلك الاجتماعات غاصت في الشأن اللبناني سياسةً واقتصاداً واجتماعاً حتّى العظم.

صحيح أنّهم ينادون بـ"الدولة المدنية"، لكنّهم يعرفون، أيّ الفئة التي يمثّلها منيمنة وصحبه، أنّ تحقيق هذا الهدف دونه صعوبات غير سنّيّة، بل مسيحيّة بالدرجة الأولى. فمن الصعب للغاية أنْ يقبل المسيحيّون بنظام لا يحفظ لهم امتيازاتهم، وهم محقّون في ذلك لأنّه لا توجد ضمانة بأنّ مثل هذا النظام لنْ يتمّ استخدامه كستارة لحرمانهم من مناصبهم في الدولة، وحضورهم في الاقتصاد والتعليم والصحّة وغيرها من المجالات.

 

السُنّة خارج السياسة

ليس في كلّ مرّة قد يتأتّى للدبلوماسية السعودية أنْ تنجح في حماية الطائف، والأولى بذلك هم أهله وخاصّته، أي اللبنانيّون، وبالذّات السُنّة. فرنسا ومن كثرة تماهيها مع حزب الله وتملّقها له، تكاد تنقل "عواطفها" إلى حارة حريك لولا الرمزية التاريخية لقصر الصنوبر، وأيضاً أميركا التي تعقد الصفقة تلو الصفقة مع الإيرانيّين على حساب العرب والسُنّة.

لن يألو حزب الله جهداً لطيّ صفحة اتّفاق لم يعترف به، وفتح صفقة اتّفاق جديد لنظام يمسك به بإحكام أكثر من النظام الحالي

لنأخذ مثالاً على ذلك. اتّفاق ترسيم الحدود البحرية. حزب الله وقّع اتّفاقاً اقتصادياً مع إسرائيل من دون أنْ يرفّ له جفن، وافق فيه على وصاية أميركية مُسبقة على الغاز اللبناني. في البداية كلّف الرئيس نبيه بري بالتفاوض، ثمّ وَهَب الملفّ للفريق العوني ممثّلاً بالسوبر نائب الياس بو صعب. أمّا رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي فكان مجرّد "باش كاتب" لا أكثر، وعندما أراد الوسيط الأميركي آموس هوكستين شكر الفريق اللبناني المفاوض، خصّ بالذكر بو صعب، وعلي حمدان، مستشار الرئيس برّي، أي المفاوضين الفعليّين.

 

هل آن أوان الانفصال؟

ظهرت يوم السبت الماضي ميليشيات عونيّة مسلّحة غداة احتفالية لهم في الواجهة البحرية لبيروت، وفي اليوم التالي قام بعض منهم بإطلاق النار أثناء جنازة أحد الشبّان. وفي كلتا الحالتين ما عُوقب أحد وحتّى لم يُسأل. في المقابل، سارع الجيش إلى اعتقال النائب السابق عثمان علم الدين لظهوره في فيديو وهو يطلق النار احتفالاً، وطلب تحويله إلى المحكمة العسكرية. زدْ على ذلك خروج جميع المتّهمين بأحداث الطيّونة وهم يلوّحون بأيديهم، بالتوازي مع حملة ضخمة لإخراج بدري ضاهر، فيما يقبع عشرات الشباب من أهل السُنّة في السجون منذ سنوات بلا محاكمة، وبعضهم أُنزلت به تهم لأسباب واهية ومن دون أدلّة. أمّا حزب الله، فعدا عن هجمات 7 أيار التي تكفي وحدها وتفيض بحقيقة نظرته إلى السُنّة، فقد أظهر "مراعاته الشديدة" لمشاعرهم بتعمّده تسمية بعض الشوارع بأسماء المتّهمين باغتيال رفيق الحريري.


إقرأ أيضاً: دفاعاً عن الطّائف... حاكموا ميشال عون

دائماً ما أجمع الساسة السُنّة قبل ظهور بعض التغييريين بأنّ سقفهم هو الطائف، لكنْ ماذا بعد انهيار هذا السقف؟ وبعد مراكب الموت وسيف الإرهاب وذلّ السجون، ماذا بقي لدى السُنّة كي يخسروه؟ هل على نسائهم أنْ ينتظرن مصير مهاسا أميني، أم على رجالهم تهيئة حواضرهم التاريخية في لبنان من أجل التحوّل إلى معتقل أشبه بـسجن"إيفين" في طهران؟