دفاعاً عن الطّائف... حاكموا ميشال عون

دفاعاً عن الطّائف... حاكموا ميشال عون

ابراهيم ريحان - السبت 22 تشرين الأول 2022

لم يسبُق أن عاشَ لبنان عهداً رئاسيّاً استنزَفَ موارده واقتصاده ويوميّاته بالتعطيل الحكوميّ كما هو الحال في عهد الرّئيس ميشال عون. لا ينبعُ هذا الاستنزاف المُتعمَّد من فراغ، بل من خصومة شخصيّة تاريخيّة بين ميشال عون واتفاق الطّائف منذ ما قبلَ توقيع الاتفاق، يوم كانَ جنرالاً في قصر بعبدا سنة 1989.

ماضي ميشال عون هو الذي يوضح حاضره وكيفية نظرته إلى اتفاق الطائف. يومذاك، خوّنَ "الجنرال" كلّ من وافقَ على الطّائف، وأطلقَ جملته الشّهيرة: "يستطيع العالم أن يسحَقَني ولن يأخذ توقيعي".

لم يختَر حزب الله عبثاً ميشال عون للرّئاسة. الرّجل الذي قادَ يوماً فوج المدفعيّة يعرف كيف يُطلق نيرانه المركزة نحو اتفاق الطّائف

اتّخذَ "العالم" القرار، وأطلَقَ الجيش السّوريّ عمليّةً عسكريّة ضدّ عون بمُباركة أميركيّة، ليرفَعَ جنرال القصر الرّاية البيضاء في 13 تشرين الأوّل 1990، وينتقِلَ من بين جدران قصر بعبدا المُهدّمة إلى السفارة الفرنسية ومن ثم إلى أرض قبائل الغال الفرنسية.

بعد 15 سنة من المنفى، عادَ إلى لبنان بعدما قلبَت دماء عرّاب الطّائف الرّئيس رفيق الحريري الموازين وخرجَ الجيش السّوريّ. وصلَ إلى ساحة الشّهداء يوم 7 أيّار 2005، ووقف وسطَ أنصاره على بعد 100 متر أو أقلّ من ضريح الحريري ليُعيدَ جملته ضدّ الطّائف: "ها أنا هُنا والعالم لم يسحقني، ولم يأخذ توقيعي".

الخطيئة الكبرى

الخطيئة الكبرى كما وصفها وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق متأخراً كانت بانتخاب عون  رئيساً في العام  2016. دخلَ القصرَ حاملاً مشروعاً واحداً: هدم الطائف عبر إنهاك وإضعاف رئاسة مجلس الوزراء وانتظام المؤسّسات، بغرض تهيئة واقع سياسي جديد ينادي بتعديله، وهذا إن كان مُستحيلاُ في ظل الوقائع الراهنة، لكنه شاع على نحوٍ كبير.

استنزَف الجنرال ما استطاع من رؤساء للحكومات أصيلين ومُكلّفين. أمعنَ في الاستهانة وتهميش مقام رئاسة الحكومة.

كل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار وعلى هذه القاعدة في الطريق الى جهنم التي بشر بها اللبنانيين ابتدعَ ما لم يسبقه عليه أحدٌ من تأجيل للاستشارات النّيابيّة المُلزمة تحتَ غطاء "التوافق" أو معرفة الاسم الذي سيسمّيه النّوّاب سلفاً. أحجَمَ عن تطبيق القوانين، وتوقيع التعيينات والتشكيلات القضائيّة. شكّلَ حكومةً وأرسلها بواسطةِ درّاجٍ إلى سعد الحريري يومَ كانَ الأخير مُكلّفاً، وذلك على مثال : "Take it or leave it"، وغيرها من الطّامات التي تضرب صميم الدّستور.

الخطيئة الكبرى كما وصفها وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق متأخراً كانت بانتخاب عون  رئيساً في العام  2016. دخلَ القصرَ حاملاً مشروعاً واحداً: هدم الطائف عبر إنهاك وإضعاف رئاسة مجلس الوزراء وانتظام المؤسّسات

يعرفُ عون ما يريد، وهدفه واضحٌ لا لبسَ فيه: الانتقام من الاتفاق الذي أخرجه من قصر بعبدا سنة 1990.

لم يختَر حزب الله عبثاً ميشال عون للرّئاسة. الرّجل الذي قادَ يوماً فوج المدفعيّة يعرف كيف يُطلق نيرانه المركزة نحو اتفاق الطّائف.

لم يختَر عون عن عبثٍ حزبَ الله وسلاحه جسراً يوصله إلى الرّئاسة الأولى. كان يعلمُ يقيناً ما ينتج عن تزاوج السّلاح والدّولة. تختلف رؤية الحزب وعون حول "بديل الطّائف"، لكنّهما يلتقيان على نسفه. للإنصاف، نجحَ الثّنائيّ عون – حزب الله في قطعِ شوطٍ كبيرٍ في مخطّطهما، لكنّ الوقتَ لم يفُت بعد.

عودٌ على بدِء

لتكن البداية من انتخابِ رئيسٍ جديدٍ يعيدُ الأمور إلى نصابها، بعيداً عن بدع المعايير الجديدة، فالمعايير واضحة: أن يحترمَ الدّستور والطّائف ويعترفَ به عقداً اجتماعيّاً ناظماً للدولة وسلطاتها كما هوية لبنان ونهائيته وعيشه المُشترك. وليُسهر على تطبيقهِ كاملاً من دون تلكّؤ، بعيداً عن أخطاء العهود الماضية التي لم تُطبّق ما تبقّى منه، خصوصاً بند إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة وانتخاب مجلس نيابيّ خارج القيد الطّائفيّ وإنشاء مجلس شيوخٍ يُراعي خصوصيّة الطّوائف، واعتماد اللامركزية الإدارية.

لم تكُن المُشكلة يوماً بالطّائف، بل بعدم تطبيقه. صلاحيّات الرّئاسات واضحة ولا تحتاج إلى تفسيرات ما أنزلَ الله بها من سلطان.

إقرأ أيضاً: من الطائف 1989 إلى جنيف 2022: 33 عاماً من البحث عن بديل

بعد ست سنوات أمام هذه المخالفات الدستورية الواضحة، هل هناك من يحاسب؟ الدستور اللبناني وضع حصانةً لرئيس الجمهورية ووحده مجلس النواب قادرٌ على محاسبته بأكثرية لا تجدها الآن لإنتخاب لجنة نيابية فكيف تجدها لمحاسبة رئيسٍ للجمهورية. الواقع السياسي قد يمنع المحاكمة، لكن لا أحد قادرٌ على تعطيل محكمة التاريخ.

الرّئيس حين يُخالف الدّستور ويُمعن بضربه لا يُمكن السّكوت عنه، ولو بقيَ من عهده ساعة. ومن ينكث يمينه الدّستوريّة طوال 6 سنوات لا بُدّ أن يقفَ تحت قوس المحكمة، وهذا ما تنصّ عليه المادّة 60 من الدّستور اللبنانيّ: "لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلّا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العُظمى". الدستور خُرق مراراً وتكراراً، فماذا نحن فاعلون؟