إيران أهدت بايدن "الترسيم"... هل يهديها الرئاسة؟

إيران أهدت بايدن "الترسيم"... هل يهديها الرئاسة؟

إيلي القصيفي - الخميس 20 تشرين الأول 2022

لم يتأخّر الرئيس الأميركي جو بايدن في إعلان "الإنجاز الدبلوماسي" الذي حقّقته أميركا بتوصّلها إلى اتفاق ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل. سارع بايدن إلى إصدار بيانه الثلاثاء الماضي، مستبقًا بيان وزبر خارجيته أنتوني بلينكن الأربعاء.

 

دمج إسرائيل بالمنطقة

خطوة بايدن هذه، واتّصاله بكلّ من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد، تكتسبان دلالة مهمّة جدّاً في ختام مسار التفاوض بين الجانبين. وربّما كان الأبرز في بيان بايدن كلامه عن أنّ الاتّفاق "يوفّر مصالح إسرائيل الأمنيّة والاقتصادية، ذات الأهميّة الحاسمة لتعزيز تكاملها الإقليمي". وهذا هو العنوان الذي كان بايدن حمله إلى منطقة الشرق الأوسط في حزيران الماضي، حين أعلن في 13 منه أنّ أحد أهداف زيارته هو العمل على اندماج إسرائيل في الشرق الأوسط.

نظرة بايدن إلى اندماج إسرائيل في الشرق الأوسط أوسع بكثير طبعاَ من اتفاق الترسيم بين لبنان وإسرائيل. فطموحه يشمل توسيع خريطة التطبيع بين إسرائيل والمزيد من الدول العربية التي كان سلفه دونالد ترامب قد بدأ برسمها. غير أنّ اتفاق الترسيم هذا لا يخرج، من وجهة نظر أميركية، عن سياق استراتيجية واشنطن لتوسيع اندماج إسرائيل في المنطقة.

تمنح المقاربة الأميركية لاتّفاق الترسيم بين بيروت وتل أبيب المعنى الاستراتيجي الأقصى لهذا الاتفاق، وإن كان هذا المعنى يتبدّى في اللحظة الراهنة شأناً أميركياً متصلاً اتصالاً أساسياً بالانتخابات النصفيّة الأميركية. وهذا ما يفسّر استعجال بايدن عقد الاتفاق وحماسته له، حبن وصفه بالإنجاز الدبلوماسي.

الموقف اللبناني من مفاعيل هذا الاتفاق يبقى، على أهمّيّته، أقلّ أهمّيّة من الموقف الإيراني. فإيران اللاعب الخفيّ في مسار الوصول إلى هذا الاتفاق

واقع حدودي جديد

لكن لن يتبنى أي من لبنان وإسرائيل هذا المعنى الأميركي للاتفاق. فلبنان حاول منذ بدء مفاوضات الناقورة رسم حدود فاصلة بينها وبين ديناميّات التطبيع. أمّا إسرائيل فلا تستطيع القفز فوق وقائع صراعها مع حزب الله، فيما جاء الاتفاق مدفوعاً بهواجس أمنيّة إسرائيلية عبّرت عنها بوضوح الأجهزة الأمنيّة الإسرائيلية التي لعبت دوراً حاسماً في حثّ القيادة السياسيّة على اعتبار الاتفاق مع لبنان أولويّة. وهذا ما شكّل لاحقاً غطاء لحكومة لابيد. وإلّا لكان من الصعب عليها القبول بالاتفاق والتسويق له عشيّة الانتخابات النيابية تحت وطأة مزايدات "معسكر نتانياهو".

بيد أنّ واشنطن خلقت واقعاً جديداً على الحدود بين لبنان وإسرائيل لخّصه الرئيس عون خلال محادثته الهاتفية مع بايدن بالقول: "إنّ تاريخ منطقتنا يذكر الصراعات والحروب أكثر ممّا يذكر اتفاقات مثل هذه تعود بالسلام والازدهار والرفاهية لشعبها".

وكان رئيس مجلس النواب نبيه برّي قد طرح معادلة شبيهة خلال استقباله الوسيط الأميركي آموس هوكستين في 14 حزيران الماضي مفادها أنّ استخراج لبنان ثروته الغازية هو مقابل الاستقرار في المنطقة. وهذان الموقفان الرسميان كافيان للدلالة على الواقع الجديد على الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهو ما يتيح للأميركيين الذهاب أبعد في التأويل الاستراتيجي للاتفاق.

لكنّ الموقف اللبناني من مفاعيل هذا الاتفاق يبقى، على أهمّيّته، أقلّ أهمّيّة من الموقف الإيراني. فإيران اللاعب الخفيّ في مسار الوصول إلى هذا الاتفاق. وهي أهدت بايدن "إنجازاً دبلوماسيّاً" ما كان يمكنه تحقيقه من دون طهران، نظراً إلى تأثيرها الحاسم في القرار اللبناني من خلال حزبها. وهذا ما يعطي الأميركيين مصداقاً لكلامهم عن "حقبة جديدة من التعاون الإقليمي"، كما ورد في بيان الخارجية، وعن "تعزيز تكامل إسرائيل الإقليمي"، كما ورد في بيان بايدن.

التأرجح في مسار العلاقات الأميركية - الإيرانية يُرخي بثقله أيضاً على مستقبل الاتفاق بين إسرائيل ولبنان

ما يتجاوز لبنان وإسرائيل

يحيلنا ذلك إلى تعقيدات وتداخلات ومفارقات السياسة الأميركية في المنطقة. وبالتحديد حيال دول الخليج العربي وإيران. وهذا ما تحاول طهران الاستفادة منه قدر مستطاعها في لحظة الاستقطاب الدولي الأكثر حدّة منذ انتهاء الحرب الباردة. وذلك على خلفيّة الحرب الروسية على أوكرانيا التي نجمت عنها تحوّلات في مسار العلاقات الأميركية الخليجية، ولا سيّما بعد قرار "أوبك +" خفض إنتاج النفط بنحو مليونَيْ برميل يومياً.

لذلك تتجاوز دلالات اتفاق الترسيم الاستراتيجية كلّاً من إسرائيل ولبنان. فالمسار الإيراني الأميركي في المنطقة يُعدّ - نظراً إلى استمرار كلّ من واشنطن وطهران بالرهان على مواصلة مفاوضاتهما النووية - مساراً رئيسياً رغم كلّ الحملات الإعلامية والسياسيّة المتبادلة، وكذلك الوتائر المتفاوتة للتصعيد الأمني والعسكري بينهما. فها إيران - بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني وتوعّدها بإخراج القوات الأميركية من المنطقة حتّى آخر جندي -  تُهدي أميركا "إنجازاً دبلوماسياً" في لحظة أميركية ودولية استثنائية.

هذا لا يعني بالطبع أنّ واشنطن وطهران أصبحتا حليفتين، لكن لا يمكن اعتبارهما عدوّين مطلقين، أقلّه نظراً إلى تقاطع المصالح بينهما في أكثر من ملفّ.

لكنّ هذا التأرجح في مسار العلاقات الأميركية - الإيرانية يُرخي بثقله أيضاً على مستقبل الاتفاق بين إسرائيل ولبنان. فالتأرجح هذا يشكّل أحد العوامل المهدّدة لـ"حسن تنفيذ هذا الاتفاق"، حسب العبارة التي وردت في بيان بايدن، الذي تحدّث عن ضمانات متبادلة بين بيروت وتل أبيب، بعدم خرق أيّ منهما الاتفاق. لكنّها ضمانات يصعب التكهّن بمدى صلابتها نظراً إلى أنّ الاتفاق يحصل في توقيت دولي وإقليمي استثنائي قضى باستعجاله، إضافة إلى أنّ هذا الاستعجال فرضته أيضاً الانتخابات النصفية في أميركا والرئاسية في لبنان والبرلمانية في إسرائيل. لذلك فإنّ الظروف والمصالح التي فرضت هذا الاتفاق الآن قد تشهد تحوّلات لاحقاً، لا تطيح به بالضرورة، لكنّها تؤثّر على "حسن تنفيذه" في ظلّ واقع جيوسياسيّ متحرّك، داخل إسرائيل وفي المنطقة عموماً، ويصعب معه تقديم ضمانات نهائيّة من أيّ نوع.

إقرأ أيضاً: أميركا تمدّ جذورها في لبنان: عزف منفرد

على المدى القريب لا يمكن إغفال المفاعيل السياسية المتوقّعة للاتفاق في الداخل اللبناني. وبالتحديد لجهة الاستحقاق الرئاسي، ولا سيّما أنّ اتصال بايدن بعون يمكن أن يُفسّر، تجاوزاً لسببه المباشر: قد يكون تعبيراً عن استعدادٍ أميركيّ للقبول برئيس جديد حليف لحزب الله وإيران أو قريب منهما... وفرنسا حاضرة دائماً لاستكمال "المبادرة" لولا الحاجز السعودي المستجد..