الوليّ الفقيه في مهبّ عاصفة الحجاب

الوليّ الفقيه في مهبّ عاصفة الحجاب

فاروق يوسف* - الأربعاء 19 تشرين الأول 2022

ليس في إمكان القيادة الإيرانية استيعاب معاني ما يجري في الشارع، فهي غير معنيّة برأي المجتمع ومطالبه لا لأنّها متعالية بل لأنّ المنطلقات النظرية للنظام الديني تستند إلى هبوط الأوامر من أعلى إلى أسفل وليس العكس. في حالة من ذلك النوع ليس أمام أفراد المجتمع سوى الامتثال والطاعة لتعاليم الوليّ الفقيه الذي يعرف كلّ شيء، وهو ليس في حاجة إلى مَن يرشده، وهو المرشد الأعلى. وهذا هو أساس العلاقة القائمة منذ أكثر من أربعين سنة بين الدولة والمجتمع.

دولة الوليّ الفقيه لا ترى في المجتمع كياناً مستقلّاً عنها. فهو كيان تابع يمكنه من خلال خضوعه أن يحقّق تقدّماً لافتاً في فهم المكانة التي يتمتّع بها الوليّ الفقيه، الذي يعتلي درجة يتفوّق من خلالها على الناس الأرضيّين

سوء فهم بين "الولي الفقيه" والمجتمع الإيراني

دولة الوليّ الفقيه لا ترى في المجتمع كياناً مستقلّاً عنها. فهو كيان تابع يمكنه من خلال خضوعه أن يحقّق تقدّماً لافتاً في فهم المكانة التي يتمتّع بها الوليّ الفقيه، الذي يعتلي درجة يتفوّق من خلالها على الناس الأرضيّين، لأنّه الإنسان الوحيد الذي يحظى بعناية إلهية خاصة تؤهّله للتمييز بين الصالح والطالح من شؤون الدنيا. لذلك لا تملك الحكومة أن تقرّر شيئاً إلا بعد موافقته التي هي نوع من البركة.

هناك سوء فهم متبادل ما بين الدولة التي يديرها الوليّ الفقيه وبين المجتمع الذي يتطلّع إلى أن ينتمي إلى العصر بقوّة ما يملك من رغبة في التغيير. فالشعب من جهته غير قادر على القبول بفكرة القوّة المطلقة المتمثّلة بالوليّ الفقيه والتي لها حقّ الولاية على المجتمع في الدنيا والآخرة، وهو أمر يقع في جوهر العقيدة التي لا يمكن إحداث أيّ تغيير فيها.

أمّا الدولة فإنّها لا تستطيع أن تفهم أنّ هناك أجيالاً إيرانية جديدة هي غير ذلك الجيل الذي مهّد للثورة الخمينيّة ونشأ مع سنواتها الأولى حالماً بتصدير الثورة وانتشار المذهب. اليوم هناك أجيال لا تقدّس الموت ولا تفكّر في الحروب ولا تشغلها فكرة الموت لإسرائيل أو أميركا. ولا تجد مصلحة لإيران في ذلك الإنفاق العبثيّ على الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن. 

الوليّ الفقيه الذي يعرف كلّ شيء بحكم العناية الإلهية يدرك أنّ خطأ من ذلك النوع هو من صنع الشيطان. لذلك يحقّ لقوى الخير، وهي الحرس الثوري من وجهة نظره، أن تسحق الشرّ في مهده. ذلك ما صار الإيرانيون على يقين منه

ثورة الحجاب تقطع مع "الولي الفقيه"

في تلك المسافة تقع اليوم ثورة الحجاب التي تختلف كليّاً عن الاحتجاجات السابقة التي شهدتها إيران والتي كان يديرها حزبيون لأسباب سياسية من غير أن يتجاوزوا حدود العقيدة. فمَن يُسمّون بالمعتدلين لا يخرجون عن خطّ الإمام بالتعبير الإيراني، بمعنى أنّهم مؤمنون بالولاية المطلقة لمرشد الثورة، وخلافهم مع المحافظين لا يمسّ العقيدة في شيء.

أمّا ثورة الحجاب فإنّها تقطع صلة المجتمع بكلّ ما يمثّله الوليّ الفقيه على مستوى العقيدة، وهي تطالب بعودة السلطة إلى الشعب. ذلك مطلب يدعو إلى نهاية الجمهورية الإسلامية واستبدالها بجمهورية جديدة، وهو ما يجد فيه الحرس الثوري مبرّراً لممارسة أقسى درجات العنف في حقّ المتمرّدين الذين صارت أعدادهم تتزايد على الرغم من معرفتهم أنّ النظام الذي يجاهرون بعدائه قادر على ممارسة شتّى أنواع القمع بحقّهم.

سلاح نظام العمائم التشدد والقسوة

لقد اتّسعت الفجوة بين طرفَيْ الصراع. طرف يرغب في إعادة المجتمع إلى بيت الطاعة يقابله طرف لا يرضى بأقلّ من إسقاط الهيبة الزائفة عن سلطة الوليّ الفقيه لكي يتمكّن الشعب من اختيار السلطة التي تمثّله. ذلك صراع مصيري لن يواجهه نظام العمائم إلا بمزيد من التشدّد والقسوة. فالسياسة بالنسبة إلى حكّام إيران هي العقيدة الثابتة وليس برنامج الحكم الذي يمكن تغييره حسب الظروف المتغيّرة. فإن انتقل الحكم بين خاتمي وأحمدي نجاد وروحاني ورئيسي فإنّ ذلك لا يمسّ العقيدة الثابتة التي تتمحور حول الوليّ الفقيه الذي ينظر إلى الحاضر بعينَيْ ماضٍ لا تريان الأجيال الثائرة إلا باعتبارها الخطأ المفتعل الذي ليس له علاقة بالحساب الإلهي.

إقرأ أيضاً: فرق الموت الخمينية تقتل المعارضيين الإيرانيين في أوروبا(2)

الوليّ الفقيه الذي يعرف كلّ شيء بحكم العناية الإلهية يدرك أنّ خطأ من ذلك النوع هو من صنع الشيطان. لذلك يحقّ لقوى الخير، وهي الحرس الثوري من وجهة نظره، أن تسحق الشرّ في مهده. ذلك ما صار الإيرانيون على يقين منه.

من حقّهم أن يضحكوا من تلك البلاهة. غير أنّ القناعة بأنّ النظام الذي يتزعّمه رجل معزول عن العصر والحياة الحقيقية لا يمكن أن يصمد طويلاً أمام إرادة شعب قرّر ألّا يعيش مُحجّباً، هي رأسمالهم الذي يستثمرون من خلاله رغبتهم في التغيير، لا لشيء إلّا لأنّهم يحاربون نظاماً انتهت صلاحيّته منذ سنوات طويلة، ومهما اشتدّ قمعه فإنّ نهايته مقبلة.

*كاتب عراقي