رئاسة لبنان: السعودية تروّض فرنسا 

رئاسة لبنان: السعودية تروّض فرنسا 

د. محيي الدين الشحيمي* - السبت 15 تشرين الأول 2022

يشكّل لبنان بواقعية ظروفه وأحواله، وعلى اختلاف استحقاقاته وصراعاته وتنوّع أزماته، مدخلاً رئيسياً دائماً لفرنسا إلى منطقة الشرق الأوسط، وتجسيداً لحضورها الدولي بتأثيرها ومونتها، بحكم خصوصية علاقة "الأمومة" بين البلدين.

لبنان لفرنسا هو بلد – طفل، وبالنسبة له كانت "الأم الحنونة"، ولربّما لا تزال. هنا تتمتّع بنفوذ وعلاقات تاريخية، وهنا تعمل جاهدة لتحويل الانحدار السلبي لدبلوماسيّتها وفشل سياستها الخارجية، إلى صعود ونجاعة. وفرنسا إيمانويل ماكرون تتلقّف الفرص أينما وجدت. ولبنان بالطبع هو إحدى هذه الجغرافيات لأسباب كثيرة.

لدى فرنسا ثلاثة هواجس مترابطة في الملفّ اللبناني:

1- ترميم وإعادة البريق لدبلوماسيّتها المنتجة والحضور لسياستها الخارجية على المسرح الدولي.

2- استعادة نفوذها المعهود في الشرق الأوسط، وخاصة في لبنان.

3- السعي إلى أن لا تكون وحيدة ومهمّشة ضمن المبادرات الدولية.

فرنسا تاريخياً حليف، وإن مكتوم، لإيران. هذا شأنها. تتقارب وتتحاور مع إيران ووكيلها في لبنان حزب الله

لولا المملكة العربية السعودية وقوّة دبلوماسيّتها وثبات موقفها وقناعتها بسيادة لبنان ونهائيّة كيانه الموحّد، لكانت "المثالثة" المذهبية وكواليسها الفرنسية، الممتدّة من سان كلو إلى أروقة صناعة القرار في قصور فرنسا التاريخية، قد أصبحت واقعاً في لبنان. حتّى لو لم تكن قراراً فرنسياً رسمياً، وإنّما يكفي تداولها كوجهة نظر. فتمسُّك فرنسا بلبنان - الرسالة لا يحجب طبيعة الصراع الفرنسي حول وجهات النظر المتعلّقة بنوعية النظام السياسي اللبناني الملائم لاستقرار لبنان. وهذا دليل ملموس على الانحدار الفرنسي المزمن لدبلوماسيّتها وسياستها ومبادئها. فهي تعيش فترة من الارتباكات الداخلية انعكست على سياستها الخارجية، فنقلتها من الرصانة والدقّة والكلاسيكية المرنة إلى الشعبوية والتردّد والفشل.

 

التورّط مع إيران

فرنسا تاريخياً حليف، وإن مكتوم، لإيران. هذا شأنها. تتقارب وتتحاور مع إيران ووكيلها في لبنان حزب الله. هذا شأن فرنسي صرف إذا كان تحت سقف الدستور اللبناني والقوانين المرعية ولخدمة السيادة اللبنانية وينعكس خيراً على دعم لبنان الدولة. وإنّما يخرج المانع حين تنحرف فرنسا نتيجة ضعفها وقلّة تقديرها عن مبادئها ووعودها والتزاماتها وتنغمس بصفقات النفط وبازارات الغاز، وتصبح معاييرها هي المال والنفوذ، وليس معايير الأخلاق التي قامت عليها فرنسا. كأن تنظر إلى لبنان كبلد لها نفوذ فيه وتجمعها أفضل العلاقات معه، بغضّ النظر عن شكله وحجمه ونظامه وجماعته الحاكمة، وحتى لو تحوّل إلى أرض ولاية الفقيه الذي تصادقه فيما هو يستغلّها. والدليل سلوكيّات ماكرون في كواليس الاتفاق النووي، وما قاله ماكرون في قصر الصنوبر بعد تفجير مرفأ بيروت، حين تحدّث عن إعادة صياغة النظام اللبناني، ثم تراجع عن كلامه.

 

السعودية "تلجم" ماكرون

بدأت فرنسا منذ نهاية حكم جاك شيراك تعاني على المسرحين الدولي والأوروبي، من ضعف وتخثّر وتكسّر في جمهوريّتها الخامسة، انعكاساً لتبدّل لاعبيها وأولويّاتهم وحتى فسادهم. كما وماكرون منذ ولايته الأولى يحاول أن يضع فرنسا بشتّى الطرق والظروف في الموقع البارز والمؤثّر والجدّيّ، للتعويض واستعادة الوزنات على الصعيد العالمي. يشكّل لبنان معبراً رئيسياً له في سبيل تسجيل عودة ميمونة، وذلك بتصرّفه وكأنّه صاحب السلطة في أوروبا والقدم الذهبية في الشرق الأوسط. والهدف الأساسي من زيارته التاريخية للمملكة العربية السعودية ونسج الاتفاق الذي جاء نتيجة النجاح العمليّ لقمّة جدّة، هو التكفير عن الخطيئة السياسية في طريقة التعامل مع الملف اللبناني. فلم تعُد قناعات فرنسا ثابتة حول سبل الحلّ والاستقرار في لبنان، وباتت خياراتها متلوّنة وغير ثابتة. فكان الموقف الفرنسي بحاجة إلى ترويض سعودي نجحت فيه المملكة بمهارة ورصافة ودقّة.

أصبح لبنان في العقد الأخير من بلدان المنطقة المتساوية النفوذ لفرنسا، وليس كما كان من قبل. وهي التي عملت بنفسها على ولادته في العام 1920. وهذا انخفاض وهبوط لقوّة التأثير السياسي الخارجي الفرنسي، وهو تجلٍّ طبيعي لهشاشة الدور الفرنسي على مستوى العالم.

مع بداية عهد نيكولا ساركوزي بدأت البثور السياسية الفرنسية بالظهور على وجه الجمهورية الخامسة. خصوصاً في ما يتّصل بكيفيّة إدارة الملف اللبناني، وسعى ماكرون إلى إصلاح الخلل، لكنّه كان متسرّعاً وأهوج تغطّي حماسته على ذكائه وحسن نيّته. فسجّل تراجعات وفشلاً عوضاً عن الحلّ. وهو ما استوجب تدخّلاً سعوديّاً ثابتاً لمعالجة الصراع والتباين بوجهات النظر حول كيفية حلّ الأزمة اللبنانية. فالمملكة متمسّكة بسيادة الدولة اللبنانية ونهائيّة كيان لبنان تحت سقف اتفاق الطائف والمناصفة. فيما انحرفت فرنسا نوعاً ما، ولو لم يكن بقرار رسمي، نحو أيّ صيغة استقراريّة للبنان ووفق ما تمليه الظروف وقوى الأمر الواقع. وهذا يرتبط بشخصية ماكرون البراغماتي، الذي يقدّم "المصالح" على "المبادىء". فأولويّة فرنسا الجديدة التي كانت على وشك التبلور تتعلّق بنهائيّة الكيان اللبناني مع انفتاحها على صيغ مختلفة. فما يهمّها هو وجود لبنان كيفما كان شكله والاحتفاظ بقدمها الذهبية فيه. وهذا أدخلها في صراع دولي وأوروبي، وخصوصاً مع الفاتيكان، وعربي مع المملكة العربية السعودية

وجدت فرنسا نفسها وحيدة وبعيدة عن المبادرات الدولية في ما يتعلّق بالاستحقاقات اللبنانية، بحيث دفعت ثمن تمايزها غير المجدي

ماكرون يتراجع...

اليوم يبدو أنّ فرنسا قد فهمت أخطاءها وعادت لتعلن ما يشبه التوبة:

- حالياً تحاول الالتزام بفكرة الكيانية اللبنانية الأصليّة. فتراجع الكلام عن "مؤتمر تأسيسي" في فرنسا.

- في قمّة جدّة اتفقت مع السعودية على مسوّدة وخطّة عمل مشتركة واحدة، وهذا معبر لا مفرّ منه لحلّ المشكلة في لبنان.

- شاركت في مشروع المساعدات الإنسانية المشتركة. أكدت على التزامها باتفاق الطائف في البيان الثلاثي مع أميركا والسعودية

لنتذكّر أنّ فرنسا متخبّطة منذ ما قبل اتفاق الطائف في طريقة تعاملها مع لبنان. فهي كانت مع المارونية السياسية، ثمّ مع "السنّية السياسية"، وهي الآن صديقة للشيعية السياسية، الأكثر انغماساً في الحوار معها وتفهّماً لها، وهو ما أحرجها محليّاً وفرنسياً وأوروبياً ودولياً كذلك، على الرغم من حجّتها المطّاطة بضرورة تدوير الزوايا لتثبيت الاستقرار. ونرى رماديتها أيضاً في كيفيّة إدارتها الملف الأوكراني، فهي مع أوكرانيا ولا تهاجم روسيا، ومع الحلول ولا قوّة لديها لفرضها.

وجدت فرنسا نفسها وحيدة وبعيدة عن المبادرات الدولية في ما يتعلّق بالاستحقاقات اللبنانية، بحيث دفعت ثمن تمايزها غير المجدي، وخاصة في أزمة بيع الغوّاصات لأورستراليا، التي سحبتها منها أميركا، وفي كواليس التقارب الأميركي والأوروبي (الفاتيكاني الألماني) والعربي (السعودي المصري). وهي لم تكن ضمن هذه الكواليس بسبب حوارها الإيراني الذي كان مرفوضاً عند كثير من الفرقاء الدوليين، ممن اعترضوا بشدّة على مناورات فرنسا وإدانة سلوكها في كواليس فيينا النووية. وهذا ما عملت عليه المملكة السعودية بكلّ قوة وتوّجته بالبيان الثلاثي السعودي الفرنسي الأميركي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وانتزعت تعهّداً ووعداً نهائياً بالالتزام ببنود خطّة الحلّ في لبنان، بدءاً من الاستحقاق الرئاسي بالإصرار على رئيس سيادي يطبّق الدستور، ويصلح العلاقات بين لبنان ومحيطه العربي والمجتمع الدولي، ويعيد لبنان إلى لبنانيّته كبلد الرسالة، وصولاً إلى الالتزام باتفاق الطائف والإعراض عن رثاثة الكلام عن "مؤتمر تأسيسي".

إقرأ أيضاً: أوهام "النجدة" الخارجية

بعد سماعنا كلمة "المبروك" البايدنيّة للتهنئة بنهاية حفلة الترسيم، انطلق بشكل جدّي قطار الاستحقاق الرئاسي مع اقتراب لبنان من فترة العشرة أيام الأخيرة التي تسبق نهاية العهد، وبدأت السخونة بالظهور، وأدارت فرنسا محرّكاتها المروَّضة سعودياً هذه المرّة، فأوفدت العديد من الشخصيات والوفود الفرنسية المتنوّعة إلى بيروت بهدف استعادة دورها التاريخي المغيّب وتسجيل حضورها، أبرزها وزيرة خارجية فرنسا التي دعت إلى انتخاب رئيس قبل نهاية الشهر.