النظام الإيراني لن يسقط فلنستعدّ لذلك

النظام الإيراني لن يسقط فلنستعدّ لذلك

عماد الدين أديب - الأحد 09 تشرين الأول 2022

على الرغم من الزلزال الشعبي في إيران إلا أنّ من الخطأ أن يراهن البعض على السقوط الفوري لنظام آيات الله الحاكم في طهران.

هناك معارضة شعبية لكن بلا قيادة منظّمة.

وهناك أحزاب تاريخية لكن بلا تأثير.

في المقابل هناك ملايين من الجماهير التي تمّ تشكيل وعيها منذ 1979 على الإيمان المطلق بثوابت راسخة في الفعل والنفس والقلب:

1- الإيمان بدولة المهدي.

2- الإيمان بولاية الفقيه على المذهب الاثني عشريّ.

3- تأكيد فارسية الدولة.

4- تقديس وتقدير سلطة الملالي.

5- الخوف والانصياع الكامل للدولة الأمنيّة القابضة على مفاصل الدولة.

6- الدور المتعاظم للحرس الثوري الذي يعلو ويعبر مؤسّسات الجيش والأمن، وتضاعفت قوّته بالإمساك بالمؤسّسات الاقتصادية الحيوية، وأهمّها النفط والغاز وبيع السلاح ومعامل التكرير ومحطّات بيع الطاقة والسيطرة على الاحتياطي النقدي للبلاد.

الرهان على انهيار الدولة نتيجة انهيار الاقتصاد هو رهان طويل الأمد، لأنّ الاقتصاد الإيراني له موجودات قويّة، وتديره سلطة أمنيّة استبدادية ممسكة بكلّ مفاصل الدولة وتمثّلها ميليشيات مذهبية عقائدية

لا تجعل هذه العناصر سقوط نظام الملالي فوريّاً، إذ يحتاج إلى فاتورة صعبة وقاهرة تتعدّى الغضب الشعبي في عشر مدن، وتتعدّى شعور الأكراد وعرب الأهواز والسُنّة والتيار المدني بالاضطهاد وإظهار الغضب.

الحلم المخلص بوجود إيران مدنية ديمقراطية متسامحة غير طائفية أو مذهبية، تحترم مواطنيها ولا تتدخّل في شؤون جيرانها بناءً على مشروع مذهبيّ غيبيّ متطرّف، لم يحِن وقته بعد.

معضلة إيران الآن هي أنّك لا تستطيع تغييرها من الداخل ولا تثق بالتعامل معها.

المعضلة أنّك غير قادر على إسقاط حكم الملالي، وغير قادر على عقد اتفاق للتفاهم على احترام السيادة مع جيرانها.

هناك خلاف على خلافة المرشد الذي يعاني من تدهور صحّته والشيخوخة (82 عاماً).

جناح في السلطة العليا في هيئة الخبراء ومجلس تشخيص النظام والبرلمان يراهن على "مجتبى" نجل علي خامنئي، والجناح الآخر يراهن على الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي.

كلاهما يمثّل قدراً هائلاً من العقل المتشدّد المتطرّف الطائفي الغيبي الذي يكرّس السياسات القديمة ذاتها في الداخل والخارج لكن بشكل أكثر تطرّفاً.

الذي يساعد على استمرار بقاء هذا النظام هو "الغباء السياسي المذهل" لسياسات واشنطن والاتحاد الأوروبي.

بايدن يريد أيّ اتفاق نووي مع إيران بأيّ ثمن حتى يكون ذلك داعماً لوضعه الداخلي السيّئ في الانتخابات التكميلية في مجلسَيْ الشيوخ والنواب وفي حملته لتجديد رئاسته الثانية.

والاتحاد الأوروبي يسعى بقوّة إلى إنجاز الاتفاق كما ظهر في ورقة العمل التي قدّمها جوزيب بوريل لإنجاح المفاوضات المتعثّرة، وذلك بهدف الاستفادة من الأموال التي سيُفرَج عنها عبر الحصول على حصّة استراتيجية في استثمارات إصلاح الاقتصاد الإيراني المتدهور.

 

ومن علامات الغباء الأميركي الدور الضاغط الذي قامت به واشنطن على كوريا الجنوبية للإفراج قريباً عن 7 مليارات لصالح إيران كانت محتجَزة في البنوك الكورية بسبب العقوبات.

التظاهرات الشعبية الحالية لها فاتورة باهظة التكليف على الاقتصاد الإيراني.

حسب الأرقام فإنّ الخسائر المباشرة التي تكبّدها الاقتصاد تبلغ حتى الآن قرابة 11 مليار دولار أميركي.

تقول الأرقام إنّ قطع خدمات الإنترنت لعزل إيران عن العالم ومنع تواصل قوى الغضب تهدّد 400 ألف مهنة في البلاد، وإنّ كلّ ساعة قطع لهذه الخدمات تكلّف الاقتصاد مليوناً ونصف مليون دولار، وتهدّد مليون وظيفة مرتبطة بها.

تفسير هذه التظاهرات الذي جاء على لسان المرشد الأعلى وهو يخاطب دفعة من المتخرّجين الجدد من ضباط الجيش هو أنّ "هذه التظاهرات هي مؤامرة من الولايات المتحدة والصهيونية وبعض الخونة من الإيرانيين في الخارج".

الرهان على انهيار الدولة نتيجة انهيار الاقتصاد هو رهان طويل الأمد، لأنّ الاقتصاد الإيراني له موجودات قويّة، وتديره سلطة أمنيّة استبدادية ممسكة بكلّ مفاصل الدولة وتمثّلها ميليشيات مذهبية عقائدية راسخة الإيمان بالنظام وتقدّس مبدأ طاعة نائب الإمام الغائب، وتعتبر أنّ الانصياع الكامل للوليّ الفقيه هو مفتاح الدخول إلى الجنّة.

من هنا تصبح مهمّة تأليب غالبية الشارع الإيراني على النظام هي مهمّة شديدة التعقيد وموغلة في الصعوبة ولها فاتورة باهظة من الدماء والضحايا والفواتير الماليّة.

نوعيّة النظام الإيراني هي حالة نادرة في شكل وتركيبة الأنظمة الحاكمة في عصرنا الحالي.

من هنا يصبح إسقاط مثل هذا النظام بهدف تغييره عملاً يحتاج إلى ثلاثة شروط رئيسية:

1- حالة عدم رضاء وسخط جماعيّ.

2- تناقص حادّ أو حالة عودة وعي لحالة الغيبوبة المذهبية التي تسيطر على العقل الجماعي للجماهير وكأنّها منوّمة مغناطيسياً.

3- أهم شرط هو أن نعرف أنّ مثل هذا النظام لا يمكن أبداً أن يسقط من خارجه، بل يجب أن يسقط من داخله، أي من قوى من داخل النظام.

توجد قوى اجتماعية متذمّرة معظمها من الشباب والشابّات الذين ضاقوا ذرعاً بالضغط الاجتماعي والجبروت الأمنيّ والعوز الاقتصادي وارتفاع التضخّم وزيادة البطالة وانطلاق اضطهاد ما يُسمّى بشرطة الأخلاق في عهد إبراهيم رئيسي

ومن أكثر القضايا تعقيداً هي خلوّ النظام الحالي من أيّ قوى فاعلة يمكن أن تُحسَب على ما كان يُدعى التيار الإصلاحي.

كان الرئيس السابق محمد خاتمي نموذجاً لثنائية لعبة توزيع الأدوار (خامنئي وخاتمي). إنّه تباين رؤى لكن تحت مظلّة حكم ولاية الفقيه وتحت سماء الدولة المذهبية.

الآن لا يوجد، ولو على مستوى الرمز، من يمثّل التيار الإصلاحي المزعوم.

لا يوجد إصلاحي في الحكم بعمامة أو زعيم شعبي مدني.

توجد قوى اجتماعية متذمّرة معظمها من الشباب والشابّات الذين ضاقوا ذرعاً بالضغط الاجتماعي والجبروت الأمنيّ والعوز الاقتصادي وارتفاع التضخّم وزيادة البطالة وانطلاق اضطهاد ما يُسمّى بشرطة الأخلاق في عهد إبراهيم رئيسي، وهي التي تمارس دورها بتشريع برلماني.

الصراع على الخلافة الآن ولا توجد فيه بارقة أمل في إصلاح حقيقي.

احتمالات ثلاثة تواجه المستقبل السياسي القريب لإيران:

1- استمرار حكم خامنئي شخصيّاً لفترة وجيزة حتى يحين أمر الله.

2- تولّي رئيس الجمهورية الحالي منصب المرشد الأعلى.

3- وراثة "مجتبى" نجل خامنئي منصب والده.

كلّ من هذه الاحتمالات الثلاثة بعضها أسوأ من البعض الآخر.

ومع ارتفاع حجم الخسائر الماليّة وتدهور قيمة "التومان" الإيراني، والصعود المخيف لعدد القتلى والجرحى والمعتقلين، يمرّ النظام بزلزال غير مسبوق في قوّته، لكنّه ليس الأول فهو على أقلّ تقدير يُعدّ الثاني عشر في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

يأتي ردّ الدولة دائماً بمزيد من السيطرة والبطش وهيمنة سلطات الحرس الثوري على مفاصل البلاد ورقاب العباد.

يوغل النظام في اختلاق الأكاذيب وتزوير الحقائق وإلصاق التهم بالثوار وتبرير جرائمه، وآخرها الضرب الذي أفضى إلى موت المطربة الشابّة نيكي (17 سنة) التي راحت ضحيّة ضرب أجهزة الأمن لها لأنّها جرؤت على عمل أغنية مؤيّدة للغضب وهي بلا حجاب. وقبلها قتلت شابّة لأنّ حجابها لم يكن لائقاً، وهذا العقاب لم ينصّ عليه الكتاب أو سُنّة النبيّ ولم يحدث في أيام حكم أيّ من الخلفاء الراشدين.

إقرأ أيضاً: الخطر الإيراني فكري وليس نووياً

يكذبون، يكذبون، من دون إدراك أنّ جريمة الكذب من أكبر الكبائر.

في هذه الأيام العطرة التي نحتفل فيها بذكرى ميلاد سيّد الخلق عليه الصلاة والسلام، نسترجع حديثه الصحيح: "يُطبَع المؤمن على كلّ خلق ليس الخيانة والكذب".

النظام الإيراني يعاني بشدّة لكنّه لن يسقط قريباً فلنستعدّ لذلك.