أنطوان مسرّة: الرئيس الماروني ملك دستوري

أنطوان مسرّة: الرئيس الماروني ملك دستوري

زياد عيتاني - الأحد 02 تشرين الأول 2022

في ظلال المراجع الدستورية والقانونية في مكتبته العابقة بالعلم والفكر يقبع الدكتور أنطوان مسرّة في منزله بالأشرفية حارساً للدستور ولاتّفاق الطائف. هو المسيحيّ العروبيّ. مسيحيّته التزام بقيم الدين وعروبته هويّة حضارية. لا يتنازل عن التزامه ولا يتنكّر لهويّته. خلف مكتبه وبين كتبه يضحك الدكتور مسرّة عندما تحدّثه عن منتقدي اتفاق الطائف. هو المتفاخر بالدستور وبالاتفاق، ناكراً أنّه مظلمة المسيحيّين أو تميّز إسلاميّ. يشدّد ويصرّ على أنّ اتفاق الطائف أنصف لبنان واللبنانيين.

يروي أنطوان مسرّة لـ"أساس" حكاية الطائف قائلاً: "ميثاق الطائف هو روعة في المخيّلة الدستورية عالميّاً، وأنا وضعت وثيقة بأكثر من 600 صفحة عنوانها جذور وثيقة الطائف، لأنّ وثيقة الطائف هي ثمرة مداولات ولقاءات وحوارات بين اللبنانيين، وكلّ الاتفاق هو إنتاج لبناني أصيل، باستثناء البند المتعلّق بإعادة تمركز الجيش السوري في لبنان، فهذا البند الوحيد الذي هو من إنتاج غير لبناني، وعلمت منذ سنتين أو ثلاث سنوات تقريباً أنّ هذا البند حول إعادة تمركز الجيش السوري في لبنان كتبه الرئيس حافظ الأسد بيده، وقيل لبعض المشاركين: من يريد تعديله يتّصل بالأسد شخصيّاً".

يكشف الدكتور مسرّة لـ"أساس" للمرّة الأولى منذ 33 عاماً أنّ "الثوابت في الدستور اللبناني، أي الموادّ 6 و9 و10 و29 و65 و95 التي تُسمّى باللغة العامّة بالطائفية، لم تتغيّر جوهريّاً منذ المماليك، واتفاق الطائف لم يغيّر أمراً أساسياً في الدستور اللبناني، بل ركّز وكرّس ثوابت لبنانية في مقدّمة الدستور وفي المادّتين 65 و49".

ينظر الدكتور مسرّة إلى أنّ الطائف قد أكّد على هويّتنا العربية لا على التبعية العربية

ويتابع قائلاً: "أمّا الملاحظة الأبرز التي تمّ تشخيصها من قبل قوى الاحتلال، ومن قبل أشخاص غير قانونيين ولا حقوقيين، فتقع في المادّة 49 التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة. أنا شاركت في مفاوضات ألمانيّة-أوروبية- فاتيكانية بعد الاتفاق الثلاثي. المادة 49 مادّة أساسية جوهرية تجعل من رئيس الجمهورية رئيساً للدولة يعلو على مفهوم الصلاحيّات ويسهر على احترام الدستور".

يصمت الدكتور مسرّة برهة ثمّ يقول: "اتفاق الطائف هو ميثاقنا الأخير، وكما كان يقول الرئيس رشيد كرامي سنة 1976 عندما تعالت أصوات تقول "مات الميثاق وقبرناه"، قال الرئيس رشيد كرامي عن ميثاق 43 "لنعمل كي نغنيه ولا نلغيه". انتهينا من المرحلة التأسيسية ولنعمل ما يُغني الميثاق ولا يلغيه، وعمليّاً يستحيل إجراء تعديل جوهري في البنية الدستورية اللبنانية، ولهذا السبب يوجد اليوم خدعة جديدة شيطانية. ما هي هذه الخدعة؟ حيث إنّه يستحيل اعتماد المثالثة، ما يُسمّى بالمثالثة، ويستحيل إجراء تعديل في المواقع العليا في الدولة اللبنانية، يسعى البعض اليوم بالمواربة وبالمخادعة إلى ضمان استمرارية الشغور الرئاسي وتحويل الحكومة إلى مجلس رئاسي يخرّب النظام الدستوري بشكل كامل والكيان اللبناني".

- بعد 33 سنة ما زلنا نقول إنّه لا حلّ إلّا باتفاق الطائف؟ ما سرّ الطائف؟

يجيب الدكتور مسرّة قائلاً: "مش قضية سرّ الطائف، من يدرس تاريخ البنية الدستورية اللبنانية لا يوجد فيها تغيير جوهري في الثوابت الدستورية اللبنانية منذ المماليك، لكنّ اللبنانيين يحبّون الجمهورية الأولى والجمهورية الثانية ولم يفهموا بالعمق الموادّ الستّ التي ذكرتها آنفاً، والدستور اللبناني في نصّه يتضمّن كلّ وسائل التغيير، لكنّه غير مطبّق. المشكلة ليست في الطائف، بل في عدم تطبيق الطائف وتطبيق الدستور".

يسهب الدكتور مسرّة في استعراض الردّ على معارضي الطائف فيقول: "المعارضة الأساسية لاتفاق الطائف سنة 1989 كانت حول إعادة تمركز الجيش السوري في لبنان، وكلّ ما قيل غير ذلك هو سطحي وغير مُعمّق ونابع من قانونيين ومثقّفين بلا خبرة لم يدرسوا بالعمق جذور كلّ مادّة من موادّ الطائف، وكان على كلّ حال ممنوعاً تطبيق الطائف من قبل قوى الاحتلال وأعوانه الداخليين".

مسرّة لـ"أساس": المشكلة الكبرى ليست في السياسيين. طبعاً هناك مشكلة مع سياسيين غير رجال دولة، لكن هناك مشكلة في الثقافة الدستورية السائدة وتعليم القانون الدستور

ويردّ على اتّهام اتفاق الطائف بأنّه قد ظلم المسيحيين قائلاً: "هذا متداول في الشعارات الشعبوية. على العكس، إنّه لصالح المسيحيين بشكل خاص وكلّ لبنان، فالمادّة 49 تجعل من رئيس الجمهورية الماروني أعلى من كلّ الصلاحيّات، حامل الكتاب على نمط الرئيس فؤاد شهاب، ومن ناحية ثانية المناصفة التي اعتُمدت في اتفاق الطائف هي أيضاً إنجاز بالغ الأهميّة للمسار الديمقراطي اللبناني على نمط الطريقة البلجيكية لأنّ في بلجيكا تفاوتاً سكّانياً بين الفلامو والغانو، لكنّ المناصفة معتمدة هناك، وهذا ضمن إطار التطوّر الطبيعي للنظام التعدّدي اللبناني، لكنّ الشعارات في عالم آخر واستشفاف الغرائز في عالم الغرائز في عالم آخر. إلى ذلك لم يأخذ هذا الاتفاق من الموارنة ليعطي السُنّة. هذا أيضاً في السجال الأيديولوجي السائد الذي لا علاقة له بنصّ وثيقة الطائف ولا بنصّ الدستور. جعل الدستور اللبناني من رئيس الجمهورية الماروني ملكاً دستورياً يسهر على احترام الدستور. هو ملك الدستور على طريقة ملكة بريطانيا، حامل الكتاب على طريقة فؤاد شهاب وعلى طريقة بعض رؤساء الجمهورية في مراحل عديدة من تاريخ لبنان، وفي كلّ الأحوال لبنان غير قابل للحكم إلا ضمن أربعة شروط أولويّة غائبة عن الفكر اللبناني".

ينظر الدكتور مسرّة إلى أنّ الطائف قد أكّد على هويّتنا العربية لا على التبعية العربية، فيقول: "الكلام عن أنّ إسقاط الطائف هو إسقاط للدور السعودي في لبنان هو من الشعارات. ورد في مقدّمة الدستور اللبناني أنّ لبنان عربيّ الهويّة والانتماء. يعتبر بعض المتطرّفين أنّ هذه العبارة بالمعنى إثنيّة. كلّا نحن ضمن حضارة عربية، وكما هو الحال في أوروبا، هل السويسري هو فرنسي؟ وهل الإيطالي هو ألماني؟ هذا من الناحية الإثنية. ما ورد في الدستور من أنّ لبنان عربيّ الهويّة والانتماء، فهو يتعلّق بانتماء ثقافي حضاري. نحن كلّنا ننتمي إلى المجموعة العربية تاريخياً وثقافياً".

إقرأ أيضاً: ما يهدِّد المسيحيّين ولبنان: انتهاكات الدستور

يختم الدكتور مسرّة حديثه مع "أساس" قائلاً: "أنا أرى أنّ المشكلة الكبرى ليست في السياسيين. طبعاً هناك مشكلة مع سياسيين غير رجال دولة، لكن هناك مشكلة في الثقافة الدستورية السائدة وتعليم القانون الدستوري في الجامعات، وكثير من المثقّفين لم يتابعوا دراسات المقارنة عالمياً منذ سبعينيّات القرن الماضي حول الأنظمة التعدّدية، ويقومون بتصريف الطائفية وتداول أيديولوجيات لا علاقة لها بالنصّ الدستوري ولا بالعلم الدستوري. نحن نحتاج إلى مراجعة بالعمق لطبيعة النظام الدستوري اللبناني وفلسفته وجذوره. ومن لم يطّلع على دراسات المقارنة في القرن الماضي بجدّية فلا يتعاطَ بالقانون الدستوري بعد اليوم".