الملالي في امتحان مهسا أميني

الملالي في امتحان مهسا أميني

د. سمير صالحة - الخميس 29 أيلول 2022

الشارع غاضب في إيران والنظام يعلن الحرب مستخدماً سلاحه التقليدي في مواجهة آلاف المتظاهرين عبر تبنّيه نظريّة المؤامرة وإنزال القوة العقائدية الموالية إلى الشارع لدعم الأجهزة الأمنيّة وإظهار قوّته وقدرته على التحدّي والردّ، فهل يكفيه ذلك هذه المرّة؟

 

سفور النساء والمؤامرة

الداخل الإيراني يغلي من جديد. إنّها مشاهد تعوّدنا عليها في الأعوام الأخيرة. ما لم نتعوّد عليه بعد هو تفشّي ظاهرة إقدام نساء إيرانيات على قصّ شعر رؤوسهن غاضبات وسط شوارع طهران، وأمام العدسات وأعين الملالي. ظاهرة لم تحدث من قبل خلال أكثر من مواجهة ومشادّة وقعت بين المتظاهرين والشرطة في إيران.

تتحدّث تقارير إعلامية عن ارتفاع عدد القتلى والجرحى ووصوله إلى عشرات في صفوف المدنيّين الذين يتظاهرون في الشوارع الإيرانية منذ 16 أيلول المنصرم حتى اليوم احتجاجاً على مقتل الفتاة مهسا (إينجا بالكردية) أميني بعدما اعتقلها وضربها رجال جهاز "غشتي إرشاد" أو "شرطة الإرشاد"، لمخالفتها قواعد وضع غطاء الرأس في مكان عامّ.

الغضب الشعبي الحاصل هو طعنة جديدة موجعة في صدر النظام سبقتها 4 حراكات مماثلة لم تأخذ منها السلطات والمرجعيّات درساً سوى أن تكون أكثر تشدّداً وصرامةً في مواجهة كلّ من يتطاول على الرموز والتعاليم الصارمة. بينما الدرس الحقيقي الواجب استخلاصه قبل كلّ شيء هو أنّ معادلة وضع غطاء الرأس والمؤامرة الغربية في كفّتين متقابلتين لم تعد مقبولة في الشارع الإيراني.

كانت مشكلة إيران منذ الثمانينيّات هي محاولة دمج مصطلح الجمهورية والإسلام ووضعهما في مكان واحد في دولة يقودها الملالي. إذاً تبدأ المراجعة بتعديل التسميات التي لم تُترجم عمليّاً وتجمع مثلّث الجمهور والسلطة الحاكمة والشعارات الدينية تحت سقف واحد. وهذه إحدى نقاط الضعف التي يُصوّب عليها باستمرار.

إنّ تجييش الثقل الاقتصادي والبشريّ والطاقات التي تملكها إيران في خدمة الآلة العسكرية والدينية على حساب حلّ مشاكل وأزمات الداخل المعيشية والاجتماعية هي العقبة الأخرى التي تنتظر مراكز القرار والواجب التعامل معها بواقعيّة وسرعة.

أظهر النظام الإيراني وأجهزته الأمنيّة قدرة فائقة على التصدّي لموجات الاحتجاج والتظاهر التي خرجت أكثر من مرّة بمطالب اجتماعية ومعيشية وسياسية

تمزيق صور أركان النظام

أظهر النظام الإيراني وأجهزته الأمنيّة قدرة فائقة على التصدّي لموجات الاحتجاج والتظاهر التي خرجت أكثر من مرّة بمطالب اجتماعية ومعيشية وسياسية. ونجح النظام في الالتفاف عليها ومحاصرتها وامتصاصها بتهمة المساس بأمن الدولة. لكنّه خرج متضرّراً مفكّكاً مصاباً بجروح عميقة في أعقاب كلّ حادثة واحتجاج. هذه المرّة أيضاً لن يسقط النظام، لكنّه تلقّى ضربات موجعة في أكثر من منطقة كان يعتبرها محميّة ومحصّنة دينياً ومذهبياً وشعبياً. مقولة إنّ الغرب هو المحرّض ويضخّم الأمور ويروّج لها ويحاول الاصطياد في الماء العكر بناء على حادثة فرديّة، لم تعد تكفي.

تحاول القيادات الدينية التغطية على مشاكلها الداخلية بنقل المواجهة إلى الخارج تحت شعار الدفاع عن التمدّد والنفوذ الإيرانيَّين في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها من البلدان، وإظهار أنّ الثقل الإقليمي لطهران مستهدَف ومن الواجب حمايته وتحصينه. لكنّ القيادات نفسها تعرف أنّ مفتاح وصولها إلى السلطة في أواخر السبعينيّات كان الحراك الداخلي الذي خُدع بلباس الثورة الشعبية الديمقراطية وسرعان ما تعرض للتصويب، وأُزيحت من الطريق فئات واسعة منه  لتثبيت التوجه الثيولوجي في البلاد.

موجات غضب بطابع سياسي اجتماعي عرقي ومعيشي هي التي توحّد الشارع الإيراني من جديد وراء خصلة شعر اليوم. وهي تذكِّر بخروج الآلاف لتشييع جنازة قاسم سليماني. لكنّ الشارع اليوم تظهر فيه الحشود التي تمزّق صوره وتهتف ضدّ النظام.

طبعاً لن تُسقط احتجاجات اليوم النظام، لكنّها تساهم في اهتزاز دعائمه وأسسه، وتذكّره باستحالة تجاهل الشارع المنتفِض بمطالب اجتماعية وسياسية ولضرورات الإصلاح والتغيير، من دون أن تكون الثورة المضادّة بين المستحيلات.

النساء في زمنين

عند استسلام نظام الشاه و"السافاك" أمام الشعب الإيراني لم يكن هناك حرّاس للثورة ولا "باسدران" ولا "شرطة إرشاد". كان الجميع في الساحات والميادين بمختلف الألوان والأعمار والأجناس والتوجّهات. إذا لم يتراجع النظام خطوات إلى الوراء اليوم أمام ما يجري فسيجد نفسه مرّة أخرى في مواجهة مشهد يتكرّر بعد 43 عاماً.

انتشرت موجة "الشادور" في مواجهة نظام الشاه فدفع ثمن عدم تلقّي الرسالة باهظاً. يلوّح نظام الملالي بقوّة هذا السلاح مرّة أخرى في مواجهة الشارع، لكنّ مشكلته هي القراءة الخاطئة والمقارنات المغلوطة بين ما جرى قبل عقود وما يجري اليوم. لم يتجاهل النظام الإيراني دور المرأة وموقعها في أحداث عام 1979 والثمن الذي دفعته فحسب، بل فعل أكثر من ذلك بتحريكه عناصر "الشرطة الدينية" في مواجهة أبسط حقوقها ومحاولة محاصرتها وتضييق الخناق عليها ورسم معالم مستقبلها ودورها في المجتمع.

العنصر الشبابي في جيلَيْ "زد" و"ألفا" ومَن يسير وراءهما مِن الذين يرون العالم بأعين مغايرة عبر الفضائيّات ووسائل التواصل الاجتماعي هو الذي يساهم في الحراك هذه المرّة. بدل أن يهاب شرطة الأخلاق ويتجنّبها كما كان يفعل في السابق، يتحدّاها ويقترب منها بلا غطاء رأس ووجوه مقنّعة.

تحتاج مراكز دراسات صنع القرار في رئاسة الجمهورية والبرلمان والخارجية الإيرانية إلى إقناع مراكز صنع القرار في قم و"مركز دراسات مجمّع تشخيص مصلحة النظام" بمراجعة سياساتها وتغيير مواقفها وأساليبها والإصغاء إلى مطلب الشارع واحتياجاته بقدر ما تجهد للدفاع عن السياسة الإيرانية في الخارج عبر الميليشيات والأجنحة السياسية والفكرية التي تموّلها هناك.

ترى القيادة الدينية في إيران أنها قادرة على ضبط الأمور في الداخل وإلزام الجميع بما تقوله وتريده. ويعوّل النظام على البقاء سليماً معافى في مواجهة حركات التجديد والتغيير عبر أدواته الأمنية التي تدفعه إلى أن يكون أكثر عنفاً وصرامة. لكن ما يفوتهما هو أنّ عنصرَيْ الشباب والمرأة اللذين دعما احتجاجات عام 1979 التي أدّت إلى سقوط نظام الشاه هما في الطرف الآخر هذه المرّة، وأنّ المهدَّد هو البنية الاجتماعية نفسها التي تتلقّى ضربات تزيد من الشرخ والتباعد بين فئات المجتمع الإيراني والمؤسّسة الحاكمة.

الغرب والنظام الإيراني

من سخريات القدر أن يلوّح الرئيس الإيراني بصورة قاسم سليماني من على منصّة الجمعية العامّة للأمم المتحدة بوجه المجتمع الدولي، وأن يمزق ألوف المتظاهرين في المدن الإيرانية صور الرجلين معاً خلال موجات الاحتجاج العنيفة التي أدّت إلى سقوط العشرات بين قتيل وجريح.

لعب النظام الإيراني دوراً محوريّاً في المقايضة الإقليمية المتعدّدة الجوانب والأهداف مع الغرب في العقدين الأخيرين. أعطى الغرب ما يريده لناحية موازنة العلاقات السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة، وجعل الغرب من طهران "الفزّاعة" والورقة الرابحة بيده يستخدمها عند اللزوم لمحاصرة العديد من دول المنطقة، بما فيها عواصم عربية وتركيا وإسرائيل أحياناً. فهل من مصلحة مراكز القرار الغربي التي فتحت الطريق أمام إيران للتوغّل في لبنان وسوريا والعراق واليمن أن تُسقط النظام في طهران قبل إيجاد البديل المناسب؟

من الممكن للغرب أن يتمسّك بإيران، ومن الممكن أن يلوّح بأوراق معاقبتها إذا ما قرّرت الخروج عن الدور المحدّد لها. لكنّه لن يتخلّى عن هذه القوّة الضاربة والمخفر المتقدّم قبل أن يعثر على البديل المناسب. إنّ ما قد يُخرج النظام في إيران من محنته حسب العواصم الغربية هو تقديم المزيد من التنازلات والتعهّد بعدم التنكّر للمعروف الغربي الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم، والمهادنة في الملفّ النووي.

المحصّلة هي مواصلة الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية منذ حوالي أسبوعين، وارتفاع عدد القتلى والجرحى يوماً بعد آخر من دون انسحاب المتظاهرين. فالصرخة الجماهيرية يشارك فيها عنصر الشباب بكثافة وحماسة. شكل الحملات المنظّمة على مواقع التواصل الاجتماعي، ورقعة الانتشار الجغرافي والعرقي والديني والاقتصادي التي تشملها حركات التمرّد والعصيان. وكذلك التضامن الحاصل مع الداخل من قبل الخارج الإيراني في العواصم الغربية، وتحريك الرأي العامّ العالمي حيال ما يجري، ومبادرة بعض الدول بشكل رسمي إلى دعوة القيادة السياسية في طهران إلى الابتعاد عن أساليب القمع واللجوء إلى القوّة في مواجهة المحتجّين.

إقرأ أيضاً: نساءُ الغضبِ الإيرانيّ..محمد خاتمي يستيقظُ من نومه ويبتسم

هذه كلّها مؤشّرات تؤكّد أنّ توقيف واعتقال قرابة 1,500 شخص، بينهم الناشطة البرلمانية السابقة فائزة رفسنجاني ابنة هاشمي رفسنجاني، وأكثر من 200 ناشط وإعلاميّ، بذريعة "تحريض مثيري الشغب"، لن تكفي النظام. فالانتفاضة ستكون أكثر إيلاماً للنظام، وتحتاج إلى ما هو أبعد من اللجوء إلى الأساليب الكلاسيكية في التعامل مع الاحتجاجات في الشوارع، وخطوة إلى الوراء لن تكفيه ولا بدّ من تقديم تنازلات أكبر تطمئن المحتجّين وتعيدهم إلى منازلهم.