التانغو "سترة نجاة" في جبيل.. وزوارق موت لطرابلس

التانغو "سترة نجاة" في جبيل.. وزوارق موت لطرابلس

زياد عيتاني - الثلاثاء 27 أيلول 2022

لن تتوقف قوارب الموت عن الإبحار من شواطئ طرابلس وعكار. فبين احتمال الموت المفاجئ غرقاً في البحر والموت البطيئ على البر، يطل الفرار من البؤس اليومي والنجاة من الغرق احتمالاً يراود كثيرين.

 

موت وخلاص

أتصفّح ما كُتب في الصحف المحليّة والعربيّة عن قارب الموت الشمالي الأخير. تصيبني غيرة مهنيّة من مقال أو تحقيق مميّز غفلنا عنه، وينتابني فخر واعتزاز بعد قراءة بعض آخر، تمكّن فيه الزملاء من  أن يبدعوا أفضل منها.

لفت نظري في صحيفة "النهار" أمس (الإثنين) تقرير للزميلة العزيزة روزيت فاضل تحت عنوان "ليالي التانغو من بيروت إلى جبيل.. مهرجان دولي صاخب في زمن الجحيم". وهو تقرير يستوفي الشروط التقنية المهنية. لكن اللافت أنّ الشعور الذي انتابني بعد الانتهاء من القراءة، لا علاقة له بما اعتدت عليه من غيرة أو اعتزاز. فقد انتابني إحساس المتألّم العاجز عن الصراخ عندما قرأت: "جاء المهرجان الدولي للتانغو إلى جبيل سترة نجاة من شِباك الموت المرميّة علينا". فجأة انتقلت من دون قرار، تاركاً الجسد خلف الصحيفة، إلى شاطئ مدينة طرطوس السورية وصورة الجثث العائمة على الماء بعد غرق المركب الذي كان يحمل آلامهم وأحلامهم وأملاً برغيف خبز لم يعجن ويخبز بالذلّ.

"سترة نجاة" وجودها لن ينفع الراقصين وغيابها لن يبعد الفقراء المغامرين عن البحر، لأنّ الوطن برمّته بحاجة إلى سترة نجاة كي يبقى على قيد الحياة

بين مدينة طرابلس حيث انطلق المركب ومدينة جبيل مسافة ليست بالطويلة، إذ تبلغ 45 كلم. ونحن البيارتة عندما نصل إلى جبيل نقول: "قرّبنا على طربلس"، لكن على الرغم من قصر المسافة بين المدينتين فأن "سترة النجاة" مختلفة تماماً بينهما.

في طرابلس لا سترات نجاة من الموت عندما تصعد مع أطفالك إلى مركب غير قادر على اصطياد السمك ما بين شاطئ الميناء وجزيرة الأرانب. وأنت تعلم ذلك، لكن ما هو البديل؟ القهر في البدّاوي والقبّة وأبو سمرا والمجدل وحوش العبيد، أم ركوب زورق الموت لعلّ الموت نائم فتنجو بأحلامك؟

لم يمتلك ركّاب زوق الموت سترة نجاة، على عكس روّاد مهرجان "التانغو" في جبيل حيث أمسك كلّ واحد بشريكه في الرقصة كما يمسك "سترة نجاة"، على الرغم من وجودهم على اليابسة حيث لا أمواج عالية، ولا رياح عاتية، بل موسيقى صاخبة ومشروب منعش وشريك وشريكه في الرقصة يغمرهما الفرح.

 

بلاد بلا سترة نجاة

أحد الناجين من الموت تحدّث على شاشة إحدى الفضائيّات العربيّة قائلاً: "ارتفع الموج كثيراً، وبدأ القارب يتمايل بقوّة، وكان الصريخ مرعباً. أمسك رفيقي محمد بي قائلاً: لا تتركني أرجوك، لا أجيد السباحة".

صمت ثمّ تابع: "دفعته عنّي بقوّة وأنا أرتجف. قلت له أنا أموت وسبحت بعيداً وراقبت كيف بدأت الجثث بالعوم". ثمّ أجهش بالبكاء. هل هو بكاء الضحيّة أم بكاء مَن لم ينقذ رفيقه؟ الأمران سيّان، فالصورة هي صورة شابّ لبناني يبكي من العجز عن فعل شيء.

قد يكون حلف الأجهزة والمافيا هو من سهّل ونظّم رحلات مراكب الموت. لكن ما هو أكثر أهميّة أنّ هناك عائلات مستعدّة لركوب قوارب الموت، وناجين يصرّحون أنّهم سيعيدون الكرّة إن تمكّنوا من الحصول على بعض المال.

إقرأ أيضاً: طرابلس أوّلاً وطرابلس آخِراً!

هي "سترة نجاة" ضائعة بين طرابلس وجبيل. بعضنا يمسك بها على اليابسة يرقص فرحاً منتشياً بهواء بحر عليل على شاطئ تاريخي، وبعضنا الآخر يبحث عنها في مركب تتلاطمه الأمواج فلا يجدها، فيمسك برفيقه، لكنّه لا ينجو. ومن بين هذا البعض طفل صغير من المبكر أن يكون قد تعلّم السباحة، ومن المبكر جدّاً أن يخوض تجربة اسمها "الغرق في البحر".

"سترة نجاة" وجودها لن ينفع الراقصين وغيابها لن يبعد الفقراء المغامرين عن البحر، لأنّ الوطن برمّته بحاجة إلى سترة نجاة كي يبقى على قيد الحياة.