أوسلو بعد ثلاثة عقود... فخّ لتدويخ الفلسطينيّين

أوسلو بعد ثلاثة عقود... فخّ لتدويخ الفلسطينيّين

عبير بشير* - الإثنين 26 أيلول 2022

لم تكن العبارة الكاشفة، التي نقلها الرئيس الفرنسي إلى صديقه محمد حسنين هيكل في قصر الإليزية بُعيد توقيع اتفاق أوسلو بأسابيع، في مطلع تسعينيّات القرن الماضي حين كانت أحاديث التسوية السلمية تتسيّد كواليس الدبلوماسية الدولية، ونقلاً عن مهندس اتفاق أوسلو من الجانب الإسرائيلي شمعون بيريز، تعبيراً مجازياً بقدر ما كانت تأسيساً لاستراتيجية كاملة حكمت إدارة إسرائيل للمفاوضات مع الفلسطينيين.

وفقاً للكاتب الفلسطيني أكرم عطا الله، نشر هيكل في مجلّة "وجهات نظر" حواراً دار بينه وبين الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران نقل له فيه الأخير جواب شمعون بيريز عند سؤاله له: ما الذي تقدّمونه لعرفات بعد هذه المخاطرة التي أقدم عليها؟ حينئذٍ سمع ميتران من بيريز ما معناه أنّ الإسرائيليين "يحتاجون إلى وقت طويل كي يأخذوا الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات ثمّ يطرحون عليهم صيغاً واسعة مفتوحة للاجتهادات، ثمّ يأخذونهم معهم إلى تمارين في الصياغة، من دون أن تؤدّي بالضرورة إلى اتفاق معهم، ثمّ يعرضون على الجانب الفلسطيني تصوّرات معيّنة، ثم يأتي دور الوسطاء الذين يذهبون بأفكار ومقترحات إلى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك، ويتنقّلون بين تل أبيب ورام الله، وبعد هذا الجهد كلّه يؤقلم الطرف الفلسطيني نفسه تدريجاً على كيفيّة خفض سقف توقّعاته".

لم تكن العبارة الكاشفة، التي نقلها الرئيس الفرنسي إلى صديقه محمد حسنين هيكل في قصر الإليزية بُعيد توقيع اتفاق أوسلو بأسابيع، تعبيراً مجازياً بقدر ما كانت تأسيساً لاستراتيجية كاملة حكمت إدارة إسرائيل للمفاوضات مع الفلسطينيين

يتابع هيكل فيقول: حين لاحظ الرئيس ميتران أنّني أسمعه باستغراب اختصر الطريق قائلاً بسرعة: "اعترف لي بيريز صراحة أنّ علينا جميعاً أن نعطي الفلسطينيين فرصة تهيئة أنفسهم من أجل أن يُخفضوا سقف توقّعاتهم ثمّ وضعها على بلاطة"، كما يكتب هيكل على لسان ميتران الذي قال له: "كيف أقولها لك، هم يريدون تدويخهم قبل الدخول في الكلام الجدّ".

بعد حوالي 30 سنة على توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض بين ياسر عرفات وإسحق رابين يتوسّطهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون، اكتشف الفلسطينيون أنّهم وقعوا في فخّ سياسيّ محكم. فلم يكن اتفاق أوسلو سوى مسار طويل لتدويخ الفلسطينيين بغية خفض سقف توقّعاتهم الوطنية، وقد تحوَّلت مع الزمن إلى كمين اكتشف الفلسطيني أن لا مخرج منه.

كانت حركة فتح قد وقعت في هذا الفخّ منذ أن قبلت بإنشاء سلطة تحت الاحتلال، وقبلت بتأجيل ملفّات الحلّ النهائي، التي هي جوهر الصراع الإسرائيلي - العربي، كالحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات، إلى مراحل لاحقة. فحين وقّع ياسر عرفات على اتفاق أوسلو تمّ تحديد إطار زمنيّ لتنفيذه حدّه الأقصى خمس سنوات. أي كان من الواجب أن ينتهي مفعول الاتفاق في العام 1999. وخلال هذه المدّة كان يجب أن تنسحب إسرائيل من مناطق "أ" و"ب" في الضفّة الغربية، وأن تفرض السلطة سيطرتها على مناطق "ج"، وتبدأ مباشرة مفاوضات الحلّ النهائي. لكن ما حدث شيء آخر. لقد ابتلعت المتاهة الإسرائيلية والدهاء الإسرائيلي ملفّات الحلّ النهائي، وأصبح "أوسلو" بلا معنى.

المكر والسذاجة

إسرائيل دولة ماكرة بحزبيها "العمل" و "الليكود". وقد بنت سياستها تجاه الفلسطينيين على نظريّة التدويخ وعلى استراتيجية "نعم ولكن" في مخاطبة العالم. وتمكّنت من تقديم خطاب مضلّل بدا مقنعاً للمراكز الدولية، مقابل خطاب فلسطيني ساذج يخلو من الدهاء، ومتصارع مع نفسه، ومنقسم على ذاته بين خطابين، أحدهما لحركة فتح والثاني لحركة حماس، وتمكّنت الدولة العبرية من خلالهما من تسجيل نقاط لصالحها أخّرت انكشافها. حيناً كانت الحجّة الانتفاضة المسلّحة، والعمليات الفلسطينية في العمق الإسرائيلي. وأحياناً أخرى كانت الحجّة أنّ أبا مازن لا يحكم غزّة، ولا يمثّل كلّ الفلسطينيّين، وزادت الأمور سوءاً مع قتل المعارضة الإسرائيلية إسحق رابين، وتتويج عرّابها بنيامين نتانياهو ملكاً على إسرائيل لم يوفّر فرصة لجعل "أوسلو" جزءاً من التاريخ.

في المقابل، لا يمكن إعفاء الجانب الفلسطيني بشقّيه حركة فتح وحركة حماس من النهاية الدرامية لـ"أوسلو". فمن جهة، كان استمرار حركة فتح بأدائها الفوضوي والساذج البعيد كلّ البعد عن دولة المؤسّسات، وعدم تقديمها مثالاً للحكم الرشيد، والفلتان الأمني الذي حدث في عهدها، بمنزلة هديّة ثمينة لحركة حماس، التي قدّمت نفسها بديلاً لحركة فتح في مسار الإصلاح والتغيير في انتخابات 2006 وفازت فيها. وكان ذلك مقدّمة لانسلاخ غزّة عن الضفّة الغربية وضعف السلطة الفلسطينية.

ومن جهة أخرى، رأت حركة حماس في جَنين اتفاق أوسلو تهديداً لمشروعها الإسلامي، وبدأت منذ اللحظة الأولى بفعل كلّ ما هو ممكن وغير ممكن لإجهاضه. وفيما كان ياسر عرفات يفاوض الإسرائيلي، كانت العمليات الحمساوية تنفجر في قلب تل أبيب مانحةً اليمين الإسرائيلي "هديةً" ثمينة.

إسرائيل دولة ماكرة بحزبيها "العمل" و "الليكود". وقد بنت سياستها تجاه الفلسطينيين على نظريّة التدويخ وعلى استراتيجية "نعم ولكن" في مخاطبة العالم. وتمكّنت من تقديم خطاب مضلّل بدا مقنعاً للمراكز الدولية

مواجهة القنبلة الديموغرافية

كان خيار "أوسلو" في العقليّة الباردة للقيادة الإسرائيلية مخرجاً من المأزق الذي تورّطت فيه إسرائيل بعد احتلالها الضفّة الغربية وقطاع غزّة، ويمكّنها من مواجهة "القنبلة الديمغرافية"، من دون أن تضطرّ إلى التعامل مع السكّان، ولا أن تنسحب من الأراضي المحتلّة. وقد استغلّت غطاء "أوسلو" لتسريع الاستيطان وتهويد القدس وفرض الوقائع على الأرض، وتدويخ الفلسطينيين وإلهائهم بتفاصيل صغيرة وصولاً إلى خفض سقف التطلّعات الوطنية الفلسطينية.

غيبوبة أوسلو

في المقابل كان خيار "أوسلو" في مُتخيّل القيادة الفلسطينية شيئاً آخر. إذ كان يعني إنشاء سلطة وطنية تمتلك كلّ مؤسّسات الدولة من حكومة ووزارات ومجلس تشريعي وهيئات قضائية وأجهزة أمن ومنظّمات مدنية وسفارات خارجية، على أن تتولّى هذه السلطة مهمّة تقديم الخدمات للشعب، وتعزيز صموده على أرضه، وتجهيز البنية التحتية للدولة المستقبليّة المستقلّة، بكلّ ما تتطلّبه من مقوّمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وانخراط في كفاح سياسي ومفاوضات مباشرة وجادّة مع إسرائيل، يؤدّي إلى حلّ الدولتين برعاية دولية.

لكنّ هذه الخيارات كانت تنطوي على مغامرة غير مضمونة النتائج، وكانت تعني تغييراً في استراتيجية الثورة الفلسطينية، وتخلّيها عن الكفاح المسلّح، وتغيير تكتيكاتها المرحليّة، بحيث تصبح الأولويّة للقضايا المعيشية والحياتية، وتدبير حياة 4 ملايين مواطن يعيشون في الضفّة وغزّة، على حساب قضايا التحرير والمقاومة. وكانت تعني أيضاً تحوُّل الفصائل الفدائية إلى أجهزة أمنية، وأن تضع الثورة كلّ بيضها في سلّة واحدة، وأن تكون مرهونة للدول المانحة وشروطها، ومجبرة على التنسيق الأمني بحيث لن تتمكّن من الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي.

التملص الإسرائيلي

بالفعل كان "أوسلو" مغامرة باءت بالفشل، وما حدث على الأرض كان أشبه بالمهزلة. لقد تنصّلت إسرائيل من معظم بنود "أوسلو"، وجعلت الفلسطينيين يلهثون وراء سراب حلّ الدولتين، إلى أن اكتشفوا أخيراً، كما جاء على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه: لم يبقَ من مشروع "أوسلو" شيء باستثناء اسمه.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تقوض "السلطة" وفلسطينيون يستعدون للمقاومة

لقد وصل "أوسلو" إلى نهايته بعد ثلاثين عاماً، وبعد موت سريريّ طويل. وخلال هذه الغيبوبة كرّس الاحتلال وجوده في الضفّة الغربية، وأطلق العنان للمشروع الاستيطاني، فيما الواقع الجديد الذي تشكّل في فلسطين لم يعد قادراً على إعطاء الفلسطينيين دولة على أقلّ من 28 في المئة من فلسطين التاريخية. لقد خرج "أوسلو" تماماً، ولم يعد ممكناً إعادته إلى الزجاجة.

*كاتبة فلسطينية