المصارف والحكومة يتصارعان والإقفال يتمدد

المصارف والحكومة يتصارعان والإقفال يتمدد

عماد الشدياق - الجمعة 23 أيلول 2022

 

كان يفترض أن تستقبل المصارف زبائنها أمس كالمعتاد، بعد إقفال اعتراضي دام 3 أيام على اقتحاماتها من مودعين في مسلسل طاول أكثر من فرع في الديار اللبنانية. لكنّ هذا لم يحصل لأنّ المصارف أبقت أبوابها مغلقة حتى إشعار آخر، عازية الأمر إلى "غياب الإجراءات والتطمينات من الدولة والجهات الأمنيّة" التي توفّر مناخاً آمناً للعمل.

عيون المصارف المزورّة

لكن يبدو أنّ الأمر أعمق من ذلك. فمعلومات "أساس" تشير إلى أنّ الخلاف بين جمعية المصارف والحكومة يتمحور حول الأولويّات، ويظهر أنّه آيل إلى التحوّل صراعًا وتحديًا. فالمصارف نتظر إلى توقيفات المقتحمين بعين غاضبة، بعدما رأت توقيفهم ثمّ خروجهم بعد أيام. ولهذا تطالب بضمانات أمنيّة أكثر تشدّداً لعدم تكرار سيناريو يوم الجمعة الفائت. أما الحكومة فترى أنّ الأولويّة اليوم هي لعودة المصارف إلى العمل، حرصاً على وصول المواطنين، وخصوصاً موظّفي القطاع العامّ والعسكريّين، إلى "كونتوارات" المصارف للحصول على رواتبهم مع اقتراب نهاية الشهر الحالي. وهذا من أهمّ أولويّات الحكومة التي تراقب انهيار مؤسّسات الدولة نتيجة الأزمات المتلاحقة، وترفض تعريض رواتب موظّفيها للخطر، خصوصاً أنّ مطلب المصارف ضمان سلامة موظّفي ما يقارب ألف فرع على الأراضي اللبنانية، أمر شبه مستحيل في ظلّ هذه الظروف.

تشير المعلومات أيضاً إلى أنّ جمعية المصارف ليست الوحيدة التي تهدّد بتعطيل القطاع المصرفي. فخلفها تقف نقابة موظّفي المصارف، التي أعلنت هي الأخرى أنّها ترفض أن تبقى "المتراس" بين إدارات المصارف والمودعين، وتتطلّع إلى حلّ جذريّ لمسألة أمن الموظّفين. وهذا يشير بدوره إلى ما يشبه لعبة توزيع أدوار تنتهجها المصارف مع موظّفيها. فإن فشلت الجمعية في الإقفال أو شعرت بالحرج تجاه الحكومة، تقوم برمي هذه المهمّة على الموظّفين. والبيان، الذي نشرته الجمعيّة مساء يوم الأربعاء، يشير صراحة إلى هذه الأجواء، إذ اعتبرت أنّ المخاطر "ما زالت محدقة بموظّفي المصارف وزبائنها الموجودين داخل الفروع"، ملقية اللوم على "الجوّ التحريضيّ" الذي يسبّب المخاطر والتهديدات.

لا تنسيق بل موجة غضب

السؤال المطروح اليوم: هل هناك فعلاً تحريض على المصارف؟ هل كانت اقتحامات يوم الجمعة الفائت "منسّقة" مثلما تحاول المصارف القول والإيحاء؟ وما مصلحة المصارف في استمرار الإقفال؟

صحيح أن لا تفسيرات رصينة ومتماسكة لظاهرة "الغزوات المتنقّلة" التي أضحت "تراند". لكنّ الأكيد أنّ السبب هو عجز السلطتين السياسية والنقدية وتخبّطهما وإصرارهما على التعامل مع ردود الفعل وليس مع لبّ الأزمات ومسبّباتها.

عليه لا بدّ من تسجيل جملة من الملاحظات تتعلّق بما حصل الأسبوع الماضي الفائت على أبواب المصارف وتداعياته التي استمرّت إلى اليوم، ولا يُستبعد أن تتفاقم النقمة على المصارف نتيجة إصرارها على الإقفال لأجل غير مسمّى:

أولاً، تكشف الأحداث أنّ مقاربة "الغزوات" كلّها ضمن سلّة واحدة لا يخلو من قصر النظر. فما خلا واقعة سالي حافظ التي رافقتها مجموعة من المدافعين عن حقوق المودعين إلى المصرف، لم يُثبت أنّ التنسيق كان موجوداً بالفعل. وجلّ ما في الأمر أنّ ثمّة مودعين ضاقوا ذرعاً من التسويف، وتحمّسوا للأمر بعد نجاح سالي في الحصول على وديعتها، فانقضّوا بشكل تلقائيّ على فروع المصارف في الحمراء والطريق الجديدة والرملة البيضاء والغازية والكفاءات وشحيم الشوفيّة. بعض من هؤلاء نجح في الحصول على جزء من وديعته، وبعضهم الآخر خرج خالي الوفاض، واعتُقل وبقي قيد الاعتقال.

ثانياً، كان لافتاً أنّ غزوات يوم الجمعة وقعت كلّها في مناطق يطغى على سكانها المسلمون. وقد يكون ذلك من باب الصدفة لا أكثر, لكنّ المصطادين في الماء العكر (غالباً المصارف) حاولوا الإيحاء والقول مواربة عبر الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تُهمتَيْ "التنسيق" و"التدبير"، إنّ فئة من اللبنانيين (مناطق المسلمين تحديداً) هم ضدّ المصارف، في محاولة فاشلة لـ"تطييف" الأزمة أو خرق صفوف المودعين.

ثالثاً، تدحض ملاحظة أخرى نظرية "التنسيق"، وتتمثّل في إقدام ضابط في الجيش اللبناني من منطقة شحيم على اقتحام مصرف حيث وديعته. وهذا يؤكّد أنّ "الغزوات" لم تكن مدبّرة، بل كانت عفوية وثمّة من حاول "ركوب الموجة" في ما يشبه ظاهرة الـLaugh effect: شخص يضحك بين مجموعة من الناس، فيدفعهم لا إرادياً إلى الضحك ردّاً على ضحكه ولو بلا سبب... فيعمّ الضحك بينهم.

رابعاً، تتجاهل السلطة النقدية مسألة شديدة الحساسية تتعلّق بسعر الدولار المصرفي الذي تدفع به قيمة الودائع الدولارية والبالغ 8,000 ليرة لبنانية بموجب التعميم 151. هذا الرقم يوازي اليوم نحو 20 في المئة فقط من الوديعة. أي أنّ كلّ 100 دولار محتجزة في المصارف، ما عادت تساوي أكثر من 20 دولاراً فقط. وهذا Haircut مقنّع يصل إلى 80 في المئة من قيمة الودائع ومحدّد بهامش ضيّق من السحوبات قد لا يتعدّى 3,000 دولار شهرياً في أبعد تقدير. وهذا عامل إضافي يدفع كلّ مودعٍ مستعدّ لحمل السلاح إلى التوجّه إلى المصرف لتحرير وديعة يراها تذوب أمام ناظريه. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تعديل هذا الرقم (8,000 ليرة) بات حاجة ملحّة مع استمرار ارتفاع سعر الصرف إلى نحو 38 ألفاً.

خامساً، صمت المصارف المستمرّ منذ الأزمة إلى اليوم، والتلكّؤ في إطلاق حوار جدّيّ ومجدٍ مع المودعين مباشرة من أجل طمأنتهم إلى أنّ ودائعهم محفوظة أو التعهّد بإعادة أموالهم إليهم، يثيران الكثير من علامات الاستفهام. فجلّ ما تفعله المصارف إلى اليوم هو التلطّي خلف عجز السلطة السياسية، واتهامها بعدم إيفائها بالتزاماتها تجاه المصارف، وبالتالي ربط مصير أموال المودعين بمصير ديون الدولة. وهذا قمّة التهرّب من مسؤوليّة ترميم الثقة بينها وبين زبائنها.

تفيد كلّ هذه المعطيات نّ الهجمات على المصارف لم تكن منسّقة، بخلاف ما تحاول بعض الجهات والأوساط المقرّبة من القطاع المصرفي الإيحاء، بل على العكس من ذلك، بات سلوك المصارف والسلطة النقدية في البلاد يطرح أسئلة كبيرة من صنف: كيف سكت الناس للمصارف طوال هذه المدّة التي تقترب اليوم من سنتها الثالثة؟... فلتضحك المصارف بـ"عبّها" لأنّ غضب المودعين متوقّف عند هذا الحدّ.