facebook أزمة "الإخوان المسلمين": اسماعيل هنيّة إلى لبنان؟

أزمة "الإخوان المسلمين": اسماعيل هنيّة إلى لبنان؟

سامر زريق - الأربعاء 21 أيلول 2022

بالتّوازي مع إعلان حركة حماس رسميّاً عن عودة العلاقات مع نظام بشار الأسد، وثناء الأمين العامّ لحزب الله عليها، ثمّة معلومات متداولة عن انتقال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنيّة للإقامة في لبنان.

حدث من هذا النوع لا يمكن حصوله إلا برضى حزب الله ودعمه، بل وربّما بتخطيط منه. لكنّه يشكّل مؤشّراً إلى عمق الأزمة التي يعيشها تنظيم الإخوان المسلمين، عقب التحوّلات الكبيرة التي قامت بها أنقرة على صعيد سياستها الخارجية، وجهودها المستمرّة لإصلاح علاقتها مع العواصم الخليجية والعربية. وهذا ما أدّى إلى اختلال التوازنات داخل تنظيم الإخوان، ومنح الفرصة للجناح المقرّب من طهران داخل العائلة الإخوانيّة، ولا سيّما في "حماس" والجماعة الإسلامية في لبنان، كي يتقدّم ويحاول فرض أجندته، التي يأتي على رأسها تمتين وتوثيق عرى التحالف مع حزب الله.

 

من "حماس" إلى الجماعة

ظهر ذلك بداية في انتخابات حركة حماس، ثمّ في انتخابات مجلس الشورى للجماعة الإسلامية في لبنان، التي فاز فيها بالأكثريّة الجناح المدعوم من "حماس" والقريب من حزب الله. بيد أنّ التخوّف من حدوث صدع لا يمكن رتقه داخل الجماعة، دفع بعض القيادات الإخوانية إلى القيام بوساطات في الأيام التي سبقت اختيار أمين عامّ جديد، لربط النزاع بين الجناحين التركي والإيراني عبر اختيار شخصيّة وسطيّة تحلّ مكان عزّام الأيّوبي.

الموقف الصادر عن هيئة علماء المسلمين في لبنان. فقد قالت الهيئة في بيانها الرسمي يوم الأحد الماضي إنّها تدين كلّ محاولة للتطبيع مع نظام الإجرام الأسديّ

ما أفضت إليه الانتخابات جعل هذا التصوّر هو السائد، ولا سيّما مع اختيار شخصيّتين من بيروت، محمد طقّوش للأمانة العامّة، ومحمد شاتيلا لرئاسة الشورى، يغلب عليهما الطابع الأكاديمي والإداري، واعتبار أنّهما يمثّلان خطّاً وسطاً بين جماعة صيدا القريبة من "حماس" والمقاومات الفلسطينية والإيرانية، وجماعة طرابلس المنقسمة بين الخطّ التركي والخطّ الحمساويّ.

لكنّ وقائع الانتخابات وما سبقها من فيتوات رفعها الجناح القريب من "حماس" تقول غير ذلك. ولو كانت التسوية ناجزة لَما خاض الانتخابات مرشّحا الجناح التركي، الأمين العامّ السابق عزّام الأيّوبي لرئاسة الشورى، وأحمد العمري للأمانة العامّة، ولآثرا الانسحاب وجنّبا نفسيهما مرارة الهزيمة. أكثر من ذلك، فقد تعرّض العمري لِما يشبه الامتحان قبيل انطلاق الاقتراع في الدورة الثانية لاختيار أمين عامّ جديد، ولكان السؤال المفتاح فيه: "ما هي رؤيتك للعلاقة مع حزب الله؟". ولأنّ إجابته على هذا السؤال لم تنَل استحسان الهيئة الفاحصة فقد أدّى ذلك إلى حصوله على 6 أصوات فقط. زد على ذلك تسويق حزب الله نفسه لنتائج انتخابات الجماعة واحتفاءه بها، وهذا لوحده كفيل بمعرفة هل كانت تصبّ في صالحه أم لا.

 

تمويل "حماس"

على أيّة حال، وانطلاقاً من "البروفايل" غير السياسي للأمين العامّ الجديد، فإنّ قرار الجماعة سيُطبخ في المكتب السياسي. وهناك تظهر موازين القوى الداخلية على حقيقتها. ولمّا كان الفريق المقرّب من "حماس" يمتلك الأكثريّة، فمن البديهيّ أنْ تكون له اليد العليا في تشكيل المكتب السياسي، علماً أنّ "حماس" لديها نفوذ واسع داخل الجماعة الإسلامية يعود في أصله ليس إلى أنّ الجماعة شقيقة إخوانية فقط، بل لأنّها تدفع رواتب شهرية لعدد من أعضاء الجماعة. وتثير هذه النقطة الكثير من علامات الاستفهام. إذ كيف تقوم "حماس" بدفع رواتب لأشخاص منظّمين ضمن الجماعة الإسلامية في لبنان؟! هناك منْ يقول إنّ الجماعة و"حماس" جسد واحد، وما دام الحال كذلك، فلماذا ليس لدى الجماعة نفوذ داخل حركة حماس؟ لماذا النفوذ في اتّجاه واحد؟ ثمّ أليس الأَولى بـ"حماس" أن تنفق الأموال على قطاع غزّة المحاصَر والذي تبسط حكمها عليه؟ ومن أين لها كلّ هذه الإمكانات الماليّة فيما تعاني الجماعة الإسلامية جفاف المنابع الماليّة التي يُفترض أنّها نفسها؟

انسياق الجماعة الإسلامية خلف حزب الله ستكون له حتماً تبعاته على الساحة السنّيّة

بالحديث عن تمويل جماعات الإخوان المسلمين، الذي التصق في العقد الأخير بياقة الدوحة بالذات، فإنّ أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني تبرّأ تماماً من الإخوان في حوار أجرته مع مجلّة "لو بوان" الفرنسيّة منذ أيّام قليلة.

فعندما سُئل عن علاقة بلاده بتنظيم الإخوان المسلمين كان جوابه أنّ "هذه العلاقة غير موجودة، وليس على الأراضي القطرية أيّ أعضاء نشطاء من الإخوان المسلمين أو أيّ جماعات متّصلة بهم.. نحن دولة ونتعامل مع الدول وحكوماتها الشرعيّة وليس مع المنظّمات السياسية". هذا الكلام هو الأوّل من نوعه، ويُعدّ بمنزلة رفع أيّ غطاء سياسي أو ماليّ قطري عن جماعات الإخوان المسلمين، وبالتالي لم يعُد أمامها سوى مصدر ماليّ واحد: إيران. وهنا كانت "حماس" سبّاقة.

 

الأزمة الإخوانيّة اللبنانيّة

ثمّة أمر آخر يجدر التوقّف عنده: الموقف الصادر عن هيئة علماء المسلمين في لبنان. فقد قالت الهيئة في بيانها الرسمي يوم الأحد الماضي إنّها "تدين كلّ محاولة للتطبيع مع نظام الإجرام الأسديّ، وتعتبرها خدمة لإعادة تأهيل الطاغية، وتلميعاً للمحور الوالغ في دماء الأبرياء، سواء صدر هذا التطبيع عن شخصيّة أو حركة أو جماعة أو هيئة أو دولة". واختتمت الهيئة بيانها بتأكيد أنّ "الأمّة الإسلامية هي العمق الاستراتيجي الوحيد، وخاصّة في مشروع تحرير فلسطين". وهذا أيضاً ما يدلّل أكثر فأكثر على حدّة الأزمة الإخوانية في الداخل اللبناني وعمقها.

تأسّست الهيئة عام 2012 بدعم إخوانيّ في محاولة لإيجاد مرجعيّة بديلة عن دار الفتوى في عزّ الموجة الشعبية المؤيّدة للثورة في سوريا، وتعتبر نفسها امتداداً للاتّحاد الدولي للعلماء المسلمين الذي يصنّفه كثير من الدول "ذراعاً إخوانيّة".

على الرغم من تراجع وهجها كثيراً إلا أنّها ما تزال تحتفظ ببعض الحضور والتأثير، وهي مَن تقود حملات الضغط في ملفّ الموقوفين الإسلاميين منذ سنوات، وللجناح التركي نفوذ في داخلها. لم يكن موقف الهيئة موجّهاً فقط إلى حركة حماس، بل أبعد من ذلك إلى الجماعة الإسلامية التي تستعدّ للقيام بالانفتاح على الأسد. فهي التي كانت المقصودة بمصطلح "الجماعة" الوارد في البيان الذي لا يسري إلّا عليها، إضافة إلى أنّ مصطلح "الأمّة الإسلامية" يشير إلى تركيا قبل الآخرين.

إقرأ أيضاً: "الحرس الثوري" يقبض على "الجماعة الإسلامية"

فهل سلّم الجناح التركي بهزيمته وترك الجماعة تحت رحمة النفوذ الإيراني وذهب للتمترس خلف واجهة إسلاميّة أخرى في إطار الصراع بينهما؟ وما مدى انعكاس هذا الصراع في حال حصوله على الساحة السنّيّة الخاوية، وخاصّة في طرابلس نقطة الثقل لكليهما؟

غالباً، ومع ضعف الجناح التركي الذي بات من دون سند سياسيّ، لن يتجاوز أيّ صراع حدّ البيانات. لكنّ انسياق الجماعة الإسلامية خلف حزب الله ستكون له حتماً تبعاته على الساحة السنّيّة.