نهار طبيعيّ بمغادرتك القصر فخامة الرئيس..

نهار طبيعيّ بمغادرتك القصر فخامة الرئيس..

د. محيي الدين الشحيمي* - الثلاثاء 20 أيلول 2022

طبعاً سيكون نهار مغادرتك قصر بعبدا نهاراً طبيعياً يا فخامة الرئيس. فإذا تجاوزت ذلك بثانية واحدة ستُعتبر بحكم الدستور متمرّداً على السلطة ومغتصباً للجمهورية، ومخالفاً القوانين والأعراف، وهاتكاً مبدأ الفصل التامّ والتعاون المرن بين السلطات، ومكرّساً مفهوم التعدّي على الصلاحيّات.  

أزمّة الحكم دستورياً

فالدستور اللبناني واضح بمادّته 62: "في حال خلوّ سدّة الرئاسة لأيّة علّة كانت تُناط السلطة الإجرائية وكالةً بمجلس الوزراء". وهنالك فرق بين الحكومة ومجلس الوزراء. فالحكومة هي مرحلة تصريف الأعمال، فيما مجلس الوزراء قائم وموجود، وهو السلطة الإجرائية، ولا يعرف الاستقالة ولا تصريف الأعمال، ولم يقرّ الدستور لرئيس الجمهورية صلاحيّة تصريف الأعمال. فهنالك إلزام متوجّب على فخامته بمغادرة القصر عند انتهاء الولاية احتراماً للدستور المؤتمَن عليه.

طبعاً سيكون نهار مغادرتك قصر بعبدا نهاراً طبيعياً يا فخامة الرئيس. فإذا تجاوزت ذلك بثانية واحدة ستُعتبر بحكم الدستور متمرّداً على السلطة ومغتصباً للجمهورية

وعندما يُنتخب الرئيس ويحلف اليمين بحكم المادة 50 من الدستور، ويقبض على أزمّة الحكم، فإن المشرّع وواضع النصّ الدستوري لم يلحظ عبارة "أزمّة الحكم" من فراغ أبداً. فمصطلح "الأزمّة" يجوز فهمه بالمعنيَين السلبي والإيجابي. وهو توصيف حالة غير مستقرة، أي تسودها الحيوية من حيث التعدّديّة والتنوّع. وهذه حال صحّيّة ومن صفات الديمقراطية لناحية الحكم وتجلّي منطق الحوار حول الأفكار والرؤى على اختلافها، وأصلها الإدارة والتوفيق بين كلّ اختلاف والتقليل من أيّ خلاف. وذلك للوصول إلى تناغم عمليّ طوال العهد، حيث إنّ الولاية والفترة الرئاسية هما بحدّ ذاتهما أزمة دائمة، في صراع دائم بين الحكمة ليكون حكماً والتحكّم لكي يكون حاكماً عادلاً.


لا مجال للسيناريوهات

سيمرّ نهار الإثنين 31 تشرين الأوّل 2022 عاديّاً جدّاً في روزنامة الدولة ومؤسّساتها وسلطاتها، بتركك يا فخامة الرئيس في منتصف ليله القصر في بعبدا، متمّماً بذلك الواجبات الدستورية في رئاسة الجمهورية ومنهياً العهد الرئاسي، ولا شيء مسموح غير ذلك أبداً. فلا مجال للسيناريوهات والاجتهادات بوجود الدستور والنصوص القانونية. ومن غير المقبول بتاتاً تكريس أعراف مريضة. وبالإذن من كلّ الكواليس وجلساتها، والتفاهمات والتفهّمات الأميركية والفرنسية، الدولية والإقليمية، فلا صلاحيّة للرئيس بسحب التكليف، فمرجعيّته هي المجلس النيابي، ولا حتى التوقيع على مرسوم استقالة الحكومة منفرداً بدون التوقيع على مرسوم حكومة جديدة، ولا قدرة قانونية للرئيس على تكليف أيّ هيئة أو مجلس كالمجلس الأعلى للدفاع وتسليمه المهامّ الإجرائية. فمجلس الوزراء هو السلطة الإجرائية فقط، إذ نصّت المادّة 17 من الدستور على أن تُناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. وهو يتولّاها وفقاً لأحكام هذا الدستور.

لقد أعطى الدستور القيادة العامّة للقوّات المسلّحة لرئيس الجمهورية حسب المادة 49 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أن ".... يرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوّات المسلّحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء....". وهو نفسه الدستور الذي يلزمك بحكم المادة 62 بتسليم الصلاحيّات لمجلس الوزراء، فقد أخضعها لسلطته مجتمعاً بصريح نصّ المادة 65 من الدستور المعدّلة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990، والتي تقول إنّه "تُناط السلطة اجرائة بمجلس الوزراء. وھو السلطة التي تخضع لھا القوّات المسلّحة...". والخضوع شيء والقيادة والقرار شيئان آخران. وينطبق هذا حكماً على المجلس الأعلى للدفاع. فهو خاضع لسلطة مجلس الوزراء، وتنصّ المادة 64 من الدستور على أنّ "رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة، يمثّلها ويتكلّم باسمها ويُعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامّة التي يضعها مجلس الوزراء...". وهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامّة بصريح النصّ الدستوري.

الدستور هو الأصل والاحتكام إليه واجب مقدّس، والطائف هو الفصل، وكلّ ما عدا ذلك هرطقة و"قعقرة"، والأولويّة هي لتشكيل حكومة ولانتخاب رئيس جمهورية في المهلة الدستورية المحدّدة

دور المجلس الأعلى للدفاع

إنّ المجلس الأعلى للدفاع المؤسَّس بحسب المادة 7 من قانون الدفاع الوطني رقم 3 تاريخ 24/3/1979، والتي استُبدلت لاحقاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983، المعدّل أيضاً بموجب القانون رقم 191 تاريخ 24/5/2000، يقرّ حسب المادة 8 من المرسوم الاشتراعي 16/9/1983 المعدّل بدوره بموجب المرسوم رقم 101 بتاريخ 26/9/1984، التوصيات بالإجراءات اللازمة لتنفيذ السياسة الدفاعية كما حدّدها مجلس الوزراء فقط ومن دون تجاوز لها، وتبقى مقرّراته سرّية، ثمّ يعرضها على مجلس الوزراء لأخذ القرار بها والسماح بتطبيقها أو تعديلها، ثمّ يعمد إلى توزيع التعليمات والمهامّ على الإدارات والمؤسّسات والأجهزة والوزارات المعنيّة بعد إقرارها في مجلس الوزراء، مكسباً إيّاها القيمة التنفيذية، بعدما كانت مجرّد توصيات، ثمّ تحوّل الحكومة الأمر إلى المجلس الأعلى للدفاع لمتابعة أمر تنفيذها ومتابعة المهمّة.

لذلك يجب عدم تداول موضوع كهذا في العلن أو الكواليس وكأنّه أمر عرضيّ. صحيح أنّ حاجات الناس والأفراد وسير المرافق لا تعرف الاستقالة، ولا تقف عند حدود تصريف الأعمال، حيث إنّها أعمال يجب أن تتابَع على المنوال نفسه، لكن ليس بإحلال المجلس الأعلى للدفاع مكان مجلس الوزراء، وتسليمه مهامّ رئاسة الجمهورية في حال الشغور. فهو لا يستطيع انتزاع صلاحيّات مجلس الوزراء مجتمعاً ولا أن توكل إليه صلاحيّات رئيس الجمهورية. وهو لا يحلّ أبداً محلّ مجلس الوزراء لأنّه ملحق به، وهو أصل وجوده. فإذا كان مجلس الوزراء موجوداً يكون هو موجوداً وليس العكس، فهو بالأساس جزء منه والجزء يتبع الكلّ ويندمج به، وإلّا نكون أمام تعدٍّ صارخ على صلاحيّات رئيس مجلس الوزراء والمجلس أيضاً، ونيل إضافيّ من سلطة مجلس الوزراء، وتمزيق لأهمّ بنود الشراكة والتوازن، وتجاوز غير حميد للدستور.

بالإذن من فرنسا التي نعهدها كما كانت دائماً متفهّمة احترام الدستور، ومعترفة فقط بمنطق المؤسّسات والقوانين، وهي المدرسة المصدّرة لها عبر تاريخها. فالمجلس الأعلى للدفاع ليس بحكم القانون سوى هيئة خاصة استشارية تقوم بتحديد الأهداف الاستراتيجية المتوجّب تنفيذها تطبيقاً للسياسة الموضوعة ضمن حدود الدستور. وهو تابع للحكومة وليس العكس، ولا يحلّ مكان مجلس الوزراء حتى لو كان هنالك شغور رئاسي، ولا الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال، وهو خاضع لها.

إذاً مجلس الوزراء هو مصدر السياسة العامّة والمرجع الأساس لصناعة القرارات في الظروف الاستثنائية. والمجلس الأعلى للدفاع ما هو سوى الوكيل الاستشاري اللاحق بمجلس الوزراء لتنفيذ هذه القرارات، لا يتمتّع أبداً بالصلاحيّة التقريرية ولا التنفيذية، وليس له سوى دور محصور فقط في إصدار التوصيات، التي يرفعها بدوره إلى مجلس الوزراء الذي تعود له حصريّة اتّخاذ القرارات وتحويلها إلزامية.

إقرأ أيضاً: عون سيغادر بعبدا: خوف رئاسيّ من فوضى أمنيّة!

إنّ مجلس الوزراء هو مؤسّسة قائمة بحدّ ذاتها، وأحد أعمدة وركائز السلطات الثلاث في الجمهورية، ومحور السلطة الإجرائية، ومصدر المبادرات التنفيذية في الدولة، وعصب السلطة في النظام السياسي البرلماني، وهو ليس أبداً مجلساً للمستشارين أو المعاونين للرئيس، ولذلك حذارِ من كلّ هذه البدع.

المحصّلة أنّه لا داعي لكلّ هذه الهرطقات التي لم ولن تمرّ حتى لو تفهّمها الكلّ. فالدستور هو الأصل والاحتكام إليه واجب مقدّس، والطائف هو الفصل، وكلّ ما عدا ذلك هرطقة و"قعقرة"، والأولويّة هي لتشكيل حكومة ولانتخاب رئيس جمهورية في المهلة الدستورية المحدّدة.