"الباسيج" يعاند المرشد ويتصدى للسياسة؟

"الباسيج" يعاند المرشد ويتصدى للسياسة؟

د. محيي الدين الشحيمي* - الخميس 15 أيلول 2022

هل هنالك صراع في إيران تحت عباءة المرشد الإمام؟

هل ما حصل في العراق سببه الصراع بين الثورة والدولة، بين الدبلوماسية الإيرانية والحرس الثوري؟

ما مدى العلاقة بين الأحداث العراقيّة الأخيرة والاتّفاق النووي؟

 

خداع المكون الشيعي

ليس المشروع الإيراني سوى مشروع يمزّق من خلال الباسيج نسيجَ المجموعات العربية، ويقوّض أركان الدول العربية وسلطاتها، ويسعى إلى خلق كيانات مناقضة لفكرة الدولة وموازية لها، وإلى تأسيس دويلات تحت إمرته، وذلك عبر ثلاثة أطر:

1- سلب المجتمعات العربية مكوّناً مهمّاً من أبنائها واستمالته إلى حضن وفكر الثورة وولاية الفقيه وفرسنته.

2- تقزيم كلّ المرجعيّات الشيعية العربية ودمجها في مرجعية واحدة، موالية فقط للوليّ الفقيه. وما نراه في نجف العراق يقع في السياق نفسه. وهو صراع بين المرشد الأعلى للثورة الإمام علي الخامنئي ومرجعية الشيعة العرب؛ بين دعاة الدولة المدنية العراقية ودولة الوليّ الفقيه.

3- خداع المكوّن الشيعي العربي وإفهامه أنّه مهمّ بالنسبة لإيران، فيما هو بالحقيقة الضحيّة ووقود المواجهة. فإيران لا يعنيها أبداً لا مصيره ولا رفاهيّته، بل استغلاله لخدمة أهدافها. وهي تلعب الدور الحامي له من منطلق مصالحها الثورية ومخطّطاتها. فكيف ساندت إيران إقليم "كراباخ" وفضّلته على أذربيجان ذات الأغلبيّة الشيعية؟

هنالك محوران وطرفان أساسيّان لا يريدان للاتفاق النووي أن يبصر النور: الحرس الثوري الإيراني والكيان الإسرائيلي المحتلّ

إسرائيل والحرس الثوري

لا نستطيع التفريق في الروابط بين الوقائع العراقية الحالية وطبيعة الأدوار الإيرانية في سبيل تحقيق المصلحة، سواء عبر الاتفاق النووي أم غيره من التسويات. ففي سبيل الوصول إلى أهدافها السياسية، تستعمل إيران، بالنقر على الأوتار العاطفية والعقائدية، وبفرض تعاليمها وخططها المتنوّعة والمتفرّقة من أجل استفادة أكبر، حسب طبيعة البلد وما يتناسب مع ظروفه وأحواله. فهي لا تستعمل آليّات موحّدة وأساليب متشابهة. فقد دعت العراق إلى الالتزام بقواعد الديمقراطية ضدّ الاحتلال الأميركي، لأنّ الشيعة هم الأغلبيّة فيه. هذا في حين نجدها تتبع الأعمال المسلّحة كحلّ وضرورة لإثبات الهويّة والعقيدة، ولحماية الشيعة إذا كانوا أقلّيّة أو مجموعات ومكوّنات متساوية مع غيرها من حيث العدد، كما في لبنان. فنجدهم يدافعون بسلاحهم عن هويّتهم وليس عن الدولة ولا عن العاصمة. كما حصل في لبنان في 7 أيار 2008 يوم الاجتياح الفارسي لبيروت.

هنالك محوران وطرفان أساسيّان لا يريدان للاتفاق النووي أن يبصر النور: الحرس الثوري الإيراني والكيان الإسرائيلي المحتلّ. ويبدو أنّ هنالك تخاطراً بين الجهتين في سعيهما إلى تقويض كلّ ما يحتّم الوصول إلى هذا الاتفاق. فالأحداث الأخيرة في العراق ما هي إلا بداية جولات صدام بين إيران الثورة وإيران الدولة، لقطع الطريق أمام أيّ تسوية تكون على حساب مؤسّسة الثورة في إيران وأذرعها العربية.

العراق اليوم بلد مشلول، على الرغم من كلّ الاستحقاقات الدستورية المنجزة التي باتت للأسف شكليّة. فالمؤسّسات الدستورية في تحلّل تامّ، وحيثيّتها محدودة أمام السلاح وقاصرة على إدارة الدولة وتحصين استمراريّتها. هي دولة تلفحها رياح الحرب الأهليّة من بعيد، برائحة التهديدات الجديدة وافتعال الأحداث والتقاتل، والضحايا للأسف هم شيعة العرب، فيما الساحة العراقية تُستعمل في الصراع الإقليمي، وتشكّل ورقة نفوذ باطنية للمساومة على ملفّات المنطقة ومسوّداتها واتفاقيّاتها، ويأتي الاتفاق النووي في طليعتها. فهنالك صراع خفيّ تحت عباءة المرشد على الحكم بين النموذجين على الرغم من الولاء للوليّ الفقيه.

الأحداث الأخيرة في العراق ما هي إلا بداية جولات صدام بين إيران الثورة وإيران الدولة، لقطع الطريق أمام أيّ تسوية تكون على حساب مؤسّسة الثورة في إيران وأذرعها العربية

بين الدولة والثورة

فمَن يحكم إيران؟ وهل القرار للدولة أم للثورة؟ وهل الدولة الإيرانية هي ذاتها الثورة؟

ظهرت هذه النتوءات بوضوح من بوّابة تعثّر الاتفاق النووي، بسبب مواجهة بين الحرس الثوري الإيراني والدولة الظاهرة. أي بين الدبلوماسية الإيرانية، والنسيج المتين لعباءة الإمام. قبل ذلك، وبالتحديد منذ تصفية الجنرال قاسم سليماني، اعتبر البعض أنّه قُدّم كأضحية وقربان. فالحرس الثوري وجّه قوات الفصائل بشكل عامّ لاستهداف القوّات الأميركية وضربها، في العراق أو في سوريا. وذلك كي يعرقل المفاوضات. فمؤسّسة الحرس لا تريد هذا الاتفاق على حسابها وعلى حساب بقائها على لائحة الإرهاب، ولو أنّ الاتفاق يمكن أن يغضّ نظره ويشيح سمعه ويربط لسانه عن نشاطاتها الاستثمارية والتجارية، ويسمح لها بممارستها عن طريق شركات وبشكل غير مباشر، ومن دون تدقيق. وهذا ما ينطبق على الكيان الإسرائيلي الذي يعتبر الاتفاق النووي من المحرّمات، ويجب ألا يمرّ مهما كانت التطمينات والإغراءات. خصوصاً أنّه لا يعالج تفاصيل تعتبرها إسرائيل خطيرة وأساسية، مثل مسألة الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وحالات اللاستقرار.

لا يقبل الباسيج أبداً، ولو كان طائعاً للمرشد، بتقوية الجناح السياسي، ولا حتى المخابرات على حسابه. فالثورة والدولة هما قوات "الباسدران" و"الباسيج" فقط والمؤسّسات التابعة لهما مباشرة. وهذا خطّ أحمر من وجهة نظره. فهو الذي يحمي الجمهورية الإسلامية. وهو الذي يصدّر ثورتها بخططه وأفكاره وتدريبه فرقًا ومجموعات عقائدية ومسلّحة كرّست الواقع الأمنيّ للمكوّن الشيعي في العراق ولبنان ودول الانتشار الشيعي.

إقرأ أيضاً: "المظلومية العربية" وقوة إيران برؤية المنشقين عن نظامها

يحصل هذا كلّه تحت عباءة المرشد الذي يحاول أحياناً المفاضلة والمواءمة والمصالحة، لِما فيه مصلحة الوليّ الفقيه وهيكله التنفيذي الثوري اللامحدود. فولاية الفقيه هي المؤسّسة الدينية الأمّ في صناعة القرار. ويبدو أنّها تسمح لمثل هذه المنافسات. ولكن هل يظلّ المرشد قادراً على منع تفلّتها؟ فإن كثرت واستمرّت تخلق حالاً من التعقيد والارتباك. لذلك لا يمكننا عند دراسة اتّجاهات السياسة الخارجية الإيرانية التي تتنازعها بشكل مستمرّ تيارات سياسية وفكرية متعدّدة، أن نفصل بين ما يتجلّى في دول الفضاء الإيراني ومناطق نفوذ الشيعية السياسية خارج إيران، وبين ما يدور داخل جمهورية الثورة، وهي تفاعلات متّصلة بالانغماس الإيراني التامّ في أزمات المنطقة.