دوّامة الموازنة: انهيار الليرة يلتهم زيادة الرواتب

دوّامة الموازنة: انهيار الليرة يلتهم زيادة الرواتب

عبادة اللدن - الأربعاء 14 أيلول 2022

لم يعد سهلاً التهرّب من إقرار الموازنة في مجلس النواب، ليس فقط لأنّها أحد شروط صندوق النقد الدولي المسبقة، بل لأنّ موظّفي القطاع العامّ المدنيين والعسكريين يضغطون والدولة تتفكّك. لكنّ إقرارها يرتّب مشكلة أساسية لـ"إدارة الاستنزاف" التي يتولّاها مصرف لبنان، خصوصاً في ما يتعلّق بسعر الصرف.

كان ارتفاع الدولار في أشهر الصيف مخالفاً للبديهة التي كانت تفترض أن يوفّر الإنفاق الاغترابي بعض الدعم لسعر الصرف، لكنّ الأمر لا يتعلّق بالعرض والطلب بمقدار ما هو تعويم مُدار للّيرة من قبل مصرف لبنان في إطار سياسة محسوبة لإدارة الاستنزاف، تختلط فيها الاعتبارات النقدية بالحسابات السياسية.

لا شكّ أن وتيرة استنزاف الاحتياطات باتت أقلّ بكثير ممّا كانت عليه في السنة الأولى من الأزمة، حين كانت الاحتياطات تنخفض بنحو مليار دولار كلّ شهر

أدوات مصرف لبنان

يستخدم مصرف لبنان أداتين أساسيّتين في تحكّمه بسعر الصرف:

- الأولى ضخّ الدولارات بسقف محدّد عبر التعميم 161 الذي مدّد مفعوله للمرّة الثامنة حتى نهاية أيلول. تلك الأداة تكلفتها مرتفعة وإن كان مصرف لبنان لا يعلنها بشفافيّة، لكنّها تبقى في الإطار المقبول لوتيرة الاستنزاف.

- أمّا الأداة الثانية فهي تجفيف الكتلة النقدية المتداولة بالليرة، من خلال السقوف المتدنّية للسحوبات النقدية. وتلك أداة تقف الآن على مفترق دقيق. إذ لا يمكن الاستمرار بتقليص الكتلة النقدية فيما يختنق الناس في مستوى معيشتهم واستهلاكهم.

قد يطيح استحقاق مناقشة الموازنة في الهيئة العامّة لمجلس النواب اليوم وغداً بأداة مصرف لبنان الثانية. إذ إنّ تصحيح الأجور، ولو بشكل مقنّع عبر الإعانات الاجتماعية وبدلات النقل، سيضطرّه إلى إعادة ضخّ الليرة، لأنّها العملة الوحيدة القابلة للطبع بقرار من السلطة النقدية في لبنان، وعندها سيقع الاقتصاد في ما يسمّى "دوّامة الأجور- الأسعار" (wages-prices spiral)، ومؤدّاها أنّ رفع الأجور يقود إلى موجة من التضخّم تقود بدورها إلى رفع آخر للأجور... وهلمّ جرّاً.

أضف إلى ذلك أنّ رفع الدولار الجمركي، وفق أيّ من السيناريوات التي قدّمها وزير المالية يوسف خليل إلى لجنة المال والموازنة النيابية، سيقود إلى موجة جديدة من التضخّم تغذّي الدوّامة نفسها، وستعني زيادة العجز في آخر الأرقام المتداولة مزيداً من طبع النقود.

إدارة الاستنزاف

يأتي هذا الاستحقاق فيما يقترب الخريف الموعود بفراغ رئاسي وتأزّم سياسي. ولم يكن موسم الصيف المنصرم إيجابياً بالقدر الكافي، إذ خسر مصرف لبنان 424 مليون دولار من احتياطاته في شهر آب وحده، حين كان المغتربون والسيّاح يملأون البلد، فخرج من أشهر الاصطياف باحتياطات بالعملة الأجنبية لا تتجاوز 9.71 مليارات دولار، بعد استثناء محفظات سندات اليوروبوندز البالغة خمسة مليارات دولار.

نظريّاً، يمكن لهذا الرقم أن يكفي لإدارة الاستنزاف بالوتيرة الراهنة لبضعة أشهر أخرى، أخذاً في الاعتبار أنّ الاحتياطات فقدت نحو 3.1 مليارات دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة الحالية، أي أنّها تتراجع بمعدّل 390 مليون دولار تقريباً كلّ شهر. لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة، فقدرة مصرف لبنان على السيطرة على الوضع النقدي محكومة بجملة معطيات ومحدِّدات:

1- لا شكّ أن وتيرة استنزاف الاحتياطات باتت أقلّ بكثير ممّا كانت عليه في السنة الأولى من الأزمة، حين كانت الاحتياطات تنخفض بنحو مليار دولار كلّ شهر. ويعود ذلك إلى انتهاء الموجات الكبرى من تهريب الأموال إلى الخارج، التي رعاها وموّلها مصرف لبنان من احتياطاته بشكل مباشر، من خلال تسهيلات للبنوك. لكن ما زالت الاستنسابية كبيرة في إدارة الاحتياطات، إذ تنبعث الريبة من قرارات مصرف لبنان بالتدخّل في سوق القطع، إضافة إلى الأسعار التي يتدخّل بها، واللحظات السياسية التي يختارها للتدخّل، على نحو ما حصل في الأشهر التي سبقت الانتخابات النيابية.

2- ما يزال عبء تمويل الاستيراد يقع على مصرف لبنان، من دون إسهام من البنوك، بدليل أنّ احتياطات مصرف لبنان من النقد الأجنبي انخفضت بنحو 3.1 مليارات دولار منذ بداية العام، فيما زادت موجودات البنوك من النقد الأجنبي بنحو 227 مليون دولار. وفي هذا استمرارٌ لمسار بدأ مع انفجار الأزمة. ومعنى ذلك ببساطة أنّ مصرف لبنان يموّل من احتياطاته عجز الحساب الجاري بالكامل، بل إنّ دولاراته تتسرّب إلى المصارف، ليس فقط لتمويل الاستيراد والدعم، بل لتمويل تهريب أموال المحظيّين إلى الخارج.

3- تختلف وتيرة الاستنزاف من شهر لآخر تبعاً لكثير من العوامل، أهمّها فاتورة الاستيراد التي تتأثّر بدورها بعوامل التضخّم العالمي وأسعار المشتقّات البترولية والتقلّبات غير العاديّة لأسعار صرف العملات الرئيسية هذه الأيّام. ففي شهر آب مثلاً، خفّ عبء الاستيراد نتيجة انخفاض أسعار البنزين والديزل عالميّاً وضعف اليورو ومعظم العملات الأخرى مقابل الدولار. هذا العامل الإيجابي مستمرّ في شهر أيلول.

4- المقياس المعتمَد لدى المؤسّسات الدولية يقيس عدد أشهر الواردات التي تكفي الاحتياطات لتمويلها. في حالة لبنان، تكفي احتياطات مصرف لبنان، من دون الذهب، لتغطية أكثر من ثمانية أشهر من الواردات (قياساً بمعدّل الاستيراد الشهري العام الماضي). وهذا معدّل مرتفع جدّاً قياساً بجميع الدول الناشئة، لكنّه في الحالة اللبنانية مضلِّل ولا يعني شيئاً. إذ إنّ صافي احتياطات مصرف لبنان سالب بعشرات مليارات الدولارات، وليس إيجابياً، بفعل ما راكمه من مطلوبات ضخمة بالعملة الأجنبية تجاه البنوك. أضف إلى ذلك أنّ رقم الاحتياطات لا يلحظ متأخّرات ببضعة مليارات الدولارات.

التأزّم السياسيّ يفجّر الوضع الاجتماعيّ

تشير المحدِّدات السابقة إلى أنّ الاحتياطي المتبقّي قابل للاستخدام في إدارة الاستنزاف لبضعة أشهر في ظلّ الفراغ الرئاسي المتوقّع، إلا أنّ زيادة الإنفاق الحكومي وعجز الموازنة يعقِّدان الحسابات.

إقرأ أيضاً: 3 يرفعون الدولار: سلامة والمحروقات والإنترنت

أضف إلى ذلك أنّه حين يتأزّم الوضع السياسي لا يمكن ضمان بقاء وتيرة الاستنزاف على حالها، بل يمكنها أن تتفاقم بشكل مفاجئ وتؤدّي إلى انفجار اجتماعي. إذ لا يمكن إغفال أنّ لبنان استفاد في الأشهر الماضية من إنفاق المغتربين، واستفاد أيضاً من الإنفاق الانتخابي، وهو إنفاق له تاريخ في دعم نمو الناتج المحلّي، خصوصاً حين يتدفّق التمويل الخارجي للأحزاب والمتنافسين. هذان العاملان لن يكونا حاضرين في الأشهر المقبلة.