اعتداءات "11 أيلول": "القاعدة" تعاونت مع سليماني ومغنيّة

اعتداءات "11 أيلول": "القاعدة" تعاونت مع سليماني ومغنيّة

بديع يونس* - الثلاثاء 13 أيلول 2022

حلّت الذكرى 21 لهجمات 11 أيلول والإرهاب ما يزال يتنفّس على الرغم من التضييق عليه، والأميركيون يفاوضون الإيرانيّين على الاتفاق النووي. ما يزال نظام طهران قائماً بدون نسيان "المكافأة" التي حصل عليها بعد عامين فقط من هذه الهجمات. ففي 2003 بدأت سياسة التراخي بين واشنطن وطهران بمباحثات نوويّة غير رسمية توصّلت بعد 12 عاماً إلى التوقيع على اتفاق مع ملالي طهران وُصف وقُدّر أنّه "الأسوأ". تبعاته سبقته بسنوات مع "ضوء أخضر" أميركي للمشروع التوسّعي الإيراني وما تلاه من زعزعة استقرار المنطقة والسيطرة على عواصم تغنّت بها إيران وبينها بيروت.

 

بين القاعدة وطهران

اليوم وبعد 21 عاماً على هجمات 11 أيلول 2001، لماذا استثنى "الانتقام" الأميركي طهران من الحرب على الإرهاب واقتصر على تصنيفها "الدولة الأولى الراعية للإرهاب" في العالم؟ ثم إنّ العلاقة بين "القاعدة" وإيران حاضرة منذ ما قبل 2001، وفي أجزاء سابقة استعرضنا بإسهاب علاقة نظام الخميني بالجماعات المتطرّفة وأشرنا إلى العلاقة مع الجماعة الأمّ "الإخوان المسلمون". وفي ذكرى الهجمات على عقر دار الولايات المتحدة قبل 21 عاماً نتساءل هنا عن العلاقة بين "القاعدة" وطهران.

توطّدت علاقة طهران بـ"القاعدة" عبر عماد مغنية، خلال حرب البوسنة

على الصعيدين الفكري والعقائدي لا اختلافات بين التطرّف الشيعي والتطرّف السنّيّ. فعلاقتهما قديمة بدأت بلقاء الخميني - حسن البنّا (مؤسس الإخوان المسلمين) في أواخر ثلاثينيّات القرن الماضي. وأشرنا إلى تفاصيل العلاقة في مقالة سابقة عنوانها: "إيران.. والإرهاب التكفيري" (راجع "أساس ميديا" 27 آب 2022). تنسحب هذه العلاقة على تنظيم القاعدة، ويُعتَبر التنسيق بين إيران وهذا التنظيم من الحقائق الراسخة. فبحسب تقرير "لجنة 11 أيلول" (اللجنة التي تشكّلت في تشرين الثاني 2002 لوضع تقرير مفصّل عن هجمات 11 أيلول)، تبيّن أنّ ومدرِّبين بارزين في "القاعدة سافروا في التسعينيّات إلى إيران لتلقّي تدريبات على المتفجّرات". وتلقّى آخرون التوجيه والتدريب من حزب الله في لبنان. وفي السنوات التي سبقت هجمات 11 أيلول "سافر عدد من مختطفي الطائرات من أتباع تنظيم القاعدة عبر الأراضي الإيرانية". وكشف التقرير أيضاً أنّ "الانقسامات السنّيّة الشيعية لم تُشكِّل عائقاً للتعاون في العمليّات الإرهابية" بين "القاعدة" وإيران.

 

بيت القاعدة الجديد

في السياق نفسه، ألقى وزير الخارجية في الإدارة الأميركية السابقة، مايك بومبيو، خطاباً أثناء استضافة الإدارة نادي الصحافة الوطني بالعاصمة واشنطن، فاتّهم بومبيو إيران بأنّها أصبحت "بيت تنظيم القاعدة الجديد". وذهب بومبيو أبعد من ذلك مضيفاً أنّه "بعد 30 عاماً من تعاون إيران و"القاعدة" ارتقت علاقتهما إلى مستوى جديد في السنوات الأخيرة. ومن المفترض أنّ إيران قرّرت عام 2015 السماح لـ"القاعدة" بتدشين مقارّ عمليّات لها على أراضيها، وأصبحت الجماعة الإرهابية الآن تعمل تحت حماية النظام الإيراني".

وفي لقاء مسجّل بثّته قناة "الحدث" ضمن برنامج "وجهاً لوجه من ليبيا" واطّلعتُ عليه كاملاً بتفاصيله أثناء إنتاجي البرنامج، التقت الزميلة الصحافية رولا الخطيب بأحد عناصر "القاعدة" في أحد السجون الليبية. وفي اللقاء معه كشف تفاصيل ترتبط بإقامته في إيران سابقاً، حيث سُجِن أوّلاً قبل أن يُنقل ويخضع للإقامة الجبرية ويتزوّج ويستحصل على راتب من الحرس الثوري الذي هرّبه لاحقاً عبر الحدود في اتجاه أفغانستان مع مجموعة من العناصر الإرهابية الآخرين. يشدّد هذا الشابّ في مقابلته على "حسن الضيافة" التي تلقّاها "سجيناً" ثمّ "مقيماً إقامة جبريّة" في إيران. وتتقاطع أقواله مع معطيات كثيرة وموثّقة تبيّن أنّ عدداً هائلاً من عملاء "القاعدة"، عقب هجمات 11 أيلول، سعوا إلى اللجوء إلى إيران، وتحقّق لهم ذلك بالفعل، لكنّهم أُلزموا بمستويات متفاوتة من الاحتجاز والإقامة الجبرية.

وكشف كتاب "صفحات حرب إيران بالوكالة ضدّ الولايات المتحدة الأميركية" كيف بدأت العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران بـ"اجتماع سرّي جرى على الأرجح بين أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الأسبق وقاسم سليماني" الذي كان على وشك تولّي مسؤولية قيادة فيلق القدس آنذاك.

العلاقة بين أميركا وإيران راسخة ومتجذّرة منذ ما يقرب من 4 عقود، وعلى الرغم من اختلاف الأيديولوجيات بين الجانبين. إلا أنّ المصالح المشتركة واحدة

مغنية والظواهري

في السياق نفسه، قدّم المحلّل الاستراتيجي البارز فيليب شينون كتابه الخاص الذي صدر عام 2008، تحت عنوان "اللجنة: التاريخ غير الخاضع للرقابة في تحقيق 11 أيلول"، والذي يتناول ويدرس بعمق طبيعة التورّط الإيراني في أحداث 11 أيلول، وعلاقة طهران بـ"القاعدة" في السودان. يقول شينون: "يشير التقرير النهائي للجنة 9/11 إلى الصلات التي تربط إيران بالقاعدة في السودان، وبخالد شيخ محمد مهندس عمليّات الطائرات" في 9/11. ويتضمّن الكتاب نفسه قسماً بعنوان "دعم حزب الله وإيران لتنظيم القاعدة".

يقدّم كتاب شينون بحثاً مستفيضاً عن العلاقة بين الطرفين، بدءاً من العام 1992 في السودان، مشيراً إلى تلقّي أعضاء "القاعدة" تدريبات عسكرية متطوّرة على أيدي ضبّاط إيرانيين لاستهداف المصالح الغربية. ويقول: "كان عماد مغنية وكيلاً للحرس الثوري الإيراني، ويعدّ مسؤولاً عن عدّة عمليات استهدفت مصالح أميركية، واستقدم مقاتلي "القاعدة" إلى البقاع وجنوب لبنان لتدريبهم على استخدام المتفجّرات، خاصّة الشاحنات التي تستهدف الثكنات العسكرية الأميركية، إضافة إلى عمليات الاستخبارات والأمن".

توطّدت علاقة طهران بـ"القاعدة" عبر عماد مغنية، خلال حرب البوسنة. وحسب الكتاب "رحّبت الحكومة البوسنيّة بقيادة علي عزّت بيغوفيتش وحزب العمل الديمقراطي SDA بدعم المجاهدين الأجانب المرتبطين بـ"القاعدة". وهناك تعدّدت اللقاءات بين عماد مغنية وأيمن الظواهري".

 

أميركا وإيران

إنّ العلاقة راسخة ومتجذّرة منذ ما يقرب من 4 عقود، وعلى الرغم من اختلاف الأيديولوجيات بين الجانبين. إلا أنّ المصالح المشتركة واحدة، والأهداف متماثلة. وهذا ما وحّد بينهما. ونشر كايل أورتن خبير دراسات الإرهاب الدولي، الذي يعمل باحثاً في جمعية هنري جاكسون المعنيّة بأبحاث الاستراتيجية والأمن العالميين في لندن، دراسة تكشف كثيراً من أسرار العلاقة الخفيّة التي تربط بين تنظيم القاعدة ونظام الملالي في طهران، وتبيّن كيف "تجاوز كلا الطرفين الاختلافات الأيديولوجية الجوهرية بينهما التي كانت كافية لوضعهما في مكانة الأعداء، مقابل المصالح المتبادلة منذ الثمانينيّات حتى اليوم".

إقرأ أيضاً: 11 أيلول 2001: إيران الرابح الأكبر

تطول لائحة التفاصيل والمراجع التي تؤكّد هذه العلاقة، ليبرز سؤال برسم الأميركيين: لماذا استثنيتم نظام طهران من حربكم على الإرهاب وأنتم تعلمون حجم العلاقة "الموثّقة" بين إيران ومَن هاجم الأراضي الأميركية وقتل أكثر من 2,000 أميركي قبل 21 عاماً؟

 

*كاتب لبناني مقيم في دبي