العراق في ظل ثقافة احتلالين

العراق في ظل ثقافة احتلالين

فاروق يوسف* - الأحد 11 أيلول 2022

هناك تركيز في العراق على مساوئ صدّام حسين وعصره منذ أن سلّم الأميركيون السلطة إلى المعارضة العراقية السابقة التي لم يكن لها أيّ دور في ما حدث. القصد من ذلك أن تحلّ ثقافة محلّ أخرى سابقة. فبدلاً من الثقافة التي تمجّد صدّام، حلّت ثقافة تحطّ من شأنه وتحمّله المسؤولية الكاملة عمّا حدث للعراق.

اجتزاء الحقيقة

ذلك هو الوجه الذي يراه الجميع من الحقيقة، وبالأخصّ من لم يعيشوا مرحلة صدّام شابّاً. من الطبيعي أن يسعى خصومه إلى إسدال الستار على تلك المرحلة من تاريخ العراق كما لو أنّه لم يكن صانعها. واحدة من أهم مفردات ثقافة الاحتلال تكمن في شيطنة صدّام حسين واعتباره مخترع القسوة العراقية، كما لو أنّ العراق لم يشهد تذابحاً حزبيّاً قبله. ولأنّ صدام كان عنيفاً بطبعه حين يغضب، فقد كانت مسألة تحميله جرائم لم تحصل أمراً يسيراً، بل قابلاً للتصديق.

غير أنّ "فوبيا البعث" كانت هي الأخطر. لقد أشاعت ثقافة الاحتلال تلك الفوبيا من خلال الإيهام بإمكان عودة حزب البعث إلى الحكم، بعدما صار واضحاً أنّ تلك العودة مستحيلة بسبب غياب العمود الفقري للحزب الذي هو صدّام حسين. وهناك فقرة في الدستور الجديد تنصّ على تجريم الانتماء إلى حزب البعث.

من كان العدوّ؟ البعث وهو فكرٌ، أم صدّام الرجل الذي مضى بما له وما عليه؟

ثقافة الاحتلال أخطر من الاحتلال نفسه، لأنّها باقية فيما زال الاحتلال ولو صوريّاً، وحلّ الإيرانيون محلّ الأميركيين

وجه الحقيقة الآخر

فلنذهب الآن إلى الوجه الآخر من الحقيقة.   

كلّ ما يراه العراقيون من حولهم من ما تبقّى من خدمات هو من نتاج مرحلة حكم صدام حسين العراق من موقع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة. فهو كان الحاكم الفعليّ في ظلّ وجود أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية. مظاهر العمران كلها، من أحياء سكنيّة وشوارع ومشاريع تنمية، وفي مقدَّمها المصانع التي فككت وهربت إلى خارج العراق، وكلّ المستشفيات والمدارس والمسارح، هي من نتاج تلك المرحلة. تلك هي الحقيقة التي تهيل عليها ثقافة الاحتلال وما بعده التراب، كي لا تراها أجيال لا تعرف إلا لغة الخوف والكراهية والرغبة في الانتقام العبثيّ.

ومن مظاهر الانهيار القيميّ، هو جزء من ثقافة الاحتلال، أنّ العراقيين صاروا يودّعون كبار مبدعيهم بالشتائم والإهانات، إمّا لأنّ أولئك المبدعين ينتمون إلى النظام السابق أو لأنّهم لم يباركوا النظام الحالي ويصطفّوا إلى جانب من اصطفّ مع قوات الاحتلال.

تمجيد ثقافة الاحتلال

هناك مثلان برزا في الآونة الأخيرة أكّدا أنّ المثقّفين العراقيين، في معظمهم وليس بالضرورة أن يكونوا صغاراً في السنّ، قد صاروا جزءاً من ذلك السيرك الذي أقامه المحتلّ لتشويه سمعة المثقّفين الذين وقفوا ضدّ الغزو قبل وقوعه.

في البدء حرّضت قوى حزبية عراقية على إحراق كتب الشاعر الكبير سعدي يوسف. وكان ذلك مشهداً فيه الكثير من علامات الشؤم والعار. وحين رفض الشاعر استقبال وزير الثقافة العراقي الذي نصّبته الميليشيات قوبل ذلك الرفض باللعنات التي انصبّت على الشاعر، في محاولة للتقليل من قيمته الشعرية والنيل من وطنيّته. ولم يتوقّف ذلك اللعن إلّا بعدما مرّ زمن طويل على وفاته، وبدأت حملة لعن جديدة مع وفاة الشاعر الكبير سامي مهدي.

إقرأ أيضاً: بغداد اختفت.. فلا تبحث عن مجانينها

تلك واحدة من أهم فقرات ثقافة الاحتلال. والقصد منها أن يقوم العراقيون بالحطّ من شأن أنفسهم، ويعلنوا أنّهم صاروا بلا قيم ولا ميزان أخلاقي يتمسّكون بهما، ولا يحترمون تاريخهم. وقد تحقّق ذلك القصد. فالشاعران لا يحتاجان إلى بيانات النعي ومقالات الرثاء، ولم تعد لديهم رغبة في المديح. الوقت كلّه كان متاحاً للشعب لكي يعبّر عن شكره للشاعرين اللذين تركا له آثاراً أدبية عظيمة ليفخر بها في المستقبل. ولكنّه لم يفعل لأنّ ثقافة الاحتلال حلّت محلّ الثقافة الوطنية في العراق. 

ثقافة الاحتلال أخطر من الاحتلال نفسه، لأنّها باقية فيما زال الاحتلال ولو صوريّاً، وحلّ الإيرانيون محلّ الأميركيين.