إيرادات إيران النفطيّة "حقيقة" أم "بروباغاندا" (2)

إيرادات إيران النفطيّة "حقيقة" أم "بروباغاندا" (2)

بديع يونس* - الجمعة 09 أيلول 2022

في الجزء الأول ضحك أصدقائي الإيرانيون عندما أخبرتهم عن دعاية نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن أنّ "إيران تنصف شعبها بعزةٍ واقتدار وتوفر الطاقة له" . ردهم كان أن الإيرانيين  "ليسوا ممتنّين والكهرباء غير متوفرة". ما يؤيد صواب رأيهم هو أنّ أكثر من 60% من الشعب يعيش في الفقر، و73% منهم يحتاجون إلى مساعدة وفق التقارير الأممية.

يحاول النظام هناك أن يربط الحلّ بـ"بحبوحة" ما بعد تحرير النفط وإيراداته. وهذا يطرح مجموعة أسئلة ونقاط لا بدّ من ذكرها.

عجز حكم الملالي في طهران عن إنهاء أزمة مياه الشفة بإنشاء محطات تحلية مياه على الرغم من غنى البلد بالمياه النهرية والجبلية، وإحاطته بشاطئ بحري يمتدّ لحوالي 4,500 كلم طولاً .
ولم يقوَ حكم الملالي على حلّ أزمة السكن وزواج الشباب من خلال بناء مدن جديدة وتوسيع حضريّ، وإنشاء مدن ذكيّة مزوّدة بأجهزة الذكاء الاصطناعي وبالإنترنت السريع وببنية تحتية من صرف صحّي ومترو أنفاق.

لكي تصل إلى المستويات المطلوبة تحتاج إيران إلى أموال واستثمارات وعقود دوليّة لإعادة تأهيل محطّات التكرير ومدّها بقطع غيار غربية، وتحتاج إلى صيانة مختلفة وإنشاء منصّات تكرير جديدة ارتفع ثمنها

شعارات ولا شيء في الواقع

طوال 42 عاماً من شعار "تحسين جودة الحياة" لم يستطع حكّام طهران توفير نظام استشفائي يستفيد منه كلّ أبناء الشعب الإيراني، وتلبية متطلّبات الطوارئ التي لم تتعدَّ تلبيتها في الدول المجاورة حدود أربع ساعات حدّاً أقصى .

أمّا البطالة التي تصيب الشباب الإيراني فلا يعالجها حكم الملالي بتشجيع الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسّطة، وذلك لمنع السياحة الداخلية وللحيلولة دون تعرف الإيرانيين على بلدهم لاعتقاد قيادة علي خامنئي أنّ السياحة وزيادة المشاريع تتطلّبان أيضاً التخفيف من التشدّد .
ولا يجرؤ النظام في طهران على التخفيف من سلطة "الشرطة الدينية" وجعل المجتمع أكثر مرونة بسبب انخراط نصف اليد العاملة النسائية في سوق العمل وفي الإنتاج وفي تحسين الناتج القومي.

إزاء كلّ هذه الأزمات البنيوية المستعصية والعميقة التي تضرب إيران، يوهم نظام طهران شعبه بأنّ "الغيث آتٍ بعد فكّ الحصار عنه وإنهاء العقوبات والتوصّل إلى التصدير الكامل للنفط والغاز".

أوهام الملالي عن تصدير الطاقة

على الرغم من أنّ تصدير منتوجات الطاقة من نفط وغاز وبتروكيماويات يعود بالمردود الجيّد على الدولة المصدّرة، ولا سيّما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع الأسعار، غير أنّ حالة إيران تبدو مختلفة عند دراسة تفاصيل وضع الطاقة الإيرانية الحالية. فنظام طهران الذي استنجد بالشركات الروسية لتطوير واكتشاف 11 حقلاً في أنحاء إيران بعد عجزه عن الاضطلاع بهده المهمّة يعلم علم اليقين أنّ الاستثمارات الروسية في مشاريع الطاقة الإيرانية التي وقّع عليها الرئيسان فلاديمير بوتين وإبراهيم رئيسي وستزيد على 40 مليار دولار، ستستعيدها روسيا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاستثمارات الصينية البالغة 400 مليار والتي تعمل الصين أيضاً على استعادتها.

هذا في حين تنتج إيران حاليّاً أقلّ من 1.2 مليون برميل يوميّاً يذهب منها أكثر من 800 ألف برميل إلى الاستهلاك المحلّي الذي يتزايد في ظلّ أزمة البنزين الداخلية.
يردّد وزير النفط الإيراني أنّ طهران بصدد تطوير إنتاجها للوصول إلى مستوى ثلاثة ملايين برميل يوميّاً، غير أنّ حسابات الوزير في وادٍ والواقع العمليّ في وادٍ آخر . فإيران حتى لو رُفعت عنها كامل العقوبات فوراً وفي كلّ المجالات  فلن تقوى على إعادة إنتاج وضخّ نفطها قبل مرور ثمانية أشهر إلى سنة. لقد دلّت تجربة العام 2015 بعد توقيع الاتفاق النووي على أنّ إيران احتاجت إلى حوالي سنة لتستطيع إنتاج وتصدير مستويات مرتفعة من نفطها .
ولكي تصل إلى المستويات المطلوبة تحتاج إيران إلى أموال واستثمارات وعقود دوليّة لإعادة تأهيل محطّات التكرير ومدّها بقطع غيار غربية، وتحتاج إلى صيانة مختلفة وإنشاء منصّات تكرير جديدة ارتفع ثمنها.

أما بالنسبة إلى الغاز فتحتاج إيران بين 10 و15 عاماً لإنشاء بنى تحتية لنقل الغاز عبر تركيا الى أوروبا، وإلى استثمارات عالمية تقدر بمئات المليارات لتطوير طاقة إنتاج من الغاز الطبيعي والغاز السائل (LNG). هي التي تمتلك ثاني أكبر إحتياطي للغاز في العالم بعد روسيا.

إقرأ أيضاً: إنتفاضة إيرانية جديدة (1): ضدّ العتمة والعطش...

بيد أنّه بدلاً من أن يضع حكم المرشد كلّ الإمكانيات في التطوير الاقتصادي بما فيه قطاع إنتاج وتصدير النفط لجعل الشعب يتنفّس، فهو يمارس بروباغاندا النفط على الرأي العامّ، في حين يخصّص الأموال والعائدات لصناعة الصواريخ البالستية والأقمار الصناعية وطائرات الدرون (المُسيرات) وصواريخ برّ - بحر، ويتولّى إرسال المليارات إلى أذرعه في لبنان وسوريا والعراق واليمن وحركتَيْ الجهاد وحماس في قطاع غزّة.

بين دعاية الشيخ نعيم قاسم وبروباغاندا النظام في طهران لا الشعب الإيراني "ممتنّ" ولا النفط الموعود سيكون "منقذاً".

 

*كاتب لبناني مقيم في دبي