حلب تفجّر الخلاف: مواجهة بين الحزب وروسيا

حلب تفجّر الخلاف: مواجهة بين الحزب وروسيا

ابراهيم ريحان - الجمعة 09 أيلول 2022

لم  يعُد  سرّاً أو استنتاجاً أو "كلام صالونات"، الحديث عن خلافٍ ميدانيّ وعسكري في سوريا، بين روسيا من جهة، وإيران وحزبِ الله من جهة أخرى.  

خرج هذا الخلاف الكبير إلى العلن بشكلٍ رسميّ على لسان عضو المكتب السّياسيّ في  حزب الله غالب أبو زينب، الذي هاجمَ روسيا وأعلن أنّها متواطئة مع إسرائيل. إذ كتب على تويتر ليل أمس: "غضّ النظر والتواطؤ الرّوسيّ عن الاعتداء الصهيونيّ المستمرّ على سوريّا، يُؤكد أنّ الروسيّ لا يمكن تصنيفه حليفاً، فيما هو صديق مخلص للعدو. هل تريد روسيا أن تُكَرّسَ هذه الصّورة لدى شعبِنا وإنّها أميركا اخرى مُعادية عليها أن تختار بين عمقها الاستراتيجي او خروجها منحازة للعدو حربة الغرب في المنطقة".

هذا الغضب من قيادة الحزب أخرجته إلى العلن غارات إسرائيل المتتالية على مطاريْ حلب  ودمشق. وهو أوّل خلافٍ علنيّ منذ انتهاء عمليّات المصلحة المُشتركة بين موسكو وطهران، اللتين تحالفتا في 2015 لحماية نظام الرّئيس بشّار الأسد ومنع سقوطه على يد المعارضة السورية. يومها كانت المعادلة: "روسيا من الجوّ وأذرع  الحرس الثّوريّ على الأرض".  انتهَت مفاعيل هذه المُعادلة بعد إخراج  قوّات المُعارضة السّوريّة من  مدينة حلب في كانون  الأوّل 2016، وهزيمة  تنظيم  داعش في 2017. ثم اندلع  خلاف النّفوذ على الأرض  بينهما.

استغلّت تل أبيب الانشغال الرّوسيّ بجبهة موسكو الغربيّة مع أوكرانيا، وتحرّكت نحو عُمق الشّمال الذي كانَ يوماً خطّاً أحمراً روسياً - إيرانيّاً

تصاعدَ  الخلاف بين  الطّرفيْن  بعد دخول  روسيا حربها مع أوكرانيا أوائل العام  الجاري.  دفعَ هذا الالتهاء الرّوسيّ تل أبيب لتصعّد غاراتها لتطال مرفأ طرطوس ومطاريْ دمشق وحلب الدّولييْن مرّات عديدة  منذ شهر أيّار الماضي إلى اليوم.

حرب المطارات والمرافىء وقصف منطقة مصياف حيث قواعد تخزين صواريخ إيران والحزب، تعلن بوضوح أنّ تل أبيب غيّرَت قواعد الاشتباك مع إيران والحزب في سوريا بمبُاركةٍ وصمتٍ روسييْن.

منذ 31 آب المُنصرِم، أغارَ سلاح الجوّ الإسرائيلي مرّتيْن في أسبوع على مطار حلب، ثاني مطار دوليّ في سوريا. صارَ مطار عاصمة الحمدانيين خارجَ الخدمة بعد استهداف مدرجه. وكذلك في  تمّوز،  كانت  تل أبيب قد أخرجَت مطار دمشق عن الخدمة بعد  استهداف مدرجه وصالة المطار الرّئيسيّة.

كانت قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل بضمانة روسيا ترسم خطوطاً حمراء إيرانيّة حدّدها قائد قوّة القدس السّابق قاسم سليماني، عمادها تحييد مطاريْ دمشق وحلب.

 

لماذا تصعّد إسرائيل؟

من يقرأ الأهداف في الغارات الإسرائيليّة الأخيرة بتمعّنٍ يستخلصُ 3 أسباب رئيسيّة دفعَت تل أبيب للقيام بعمليّاتها بسرعةٍ وعنفٍ غير مسبوقيْن على السّاحة السّوريّة.

الأوّل: هو تصاعد التّوتّر على الجبهة الجنوبيّة في لبنان بين إسرائيل والحزب. إذ تسعى تل أبيب لقطع خطوط إمداد الحزب الذي يعتمِدُ سوريا كممرٍّ واسعٍ لتمتين ترسانته الصّاروخيّة والدّفاعيّة وتوسيعها. والمعلومات تقول إنّها باتت تضمّ منظومات رادار ودفاع جوّيّ روسيّة وإيرانيّة الصّنع.

تريد تل أبيب استباق أيّ مواجهة مُحتملة مع الحزب بضرب خطوط إمداده العابرة للحدود، والحدّ من قدراته على التّسلّح. لكنّ هذا قد يُعدّ ضرباً من المُستحيل نظراً لتنويع الحزب معابره التسليحيّة في سوريا، من معبر البوكمال ومطار تدمر العسكريّ ومرفأ طرطوس ومطاريْ حلب ودمشق، والسّيطرة الجويّة على كلّ هذه الخطوط ليسَ بالأمر السّهل إطلاقاً.

إذ تشير معلومات "أساس" من مصدرٍ أميركيّ في قيادة المنطقة الوسطى CENTCOM إلى أنّ الغارة التي استهدفت مركز البحوث العلميّة في منطقة مصياف شاركَت فيها الولايات المُتحدّة. ويُعدّ المركز المُستهدف والمستودعات المحيطة به "مصنعاً وخزّاناً" أساسيّاً للصّواريخ الإيرانيّة الدّقيقة. كما نجمَ عن الغارة تدمير المستودعات بالكامل، وكلّنا يذكر كيف بقيت النّيران مُشتعلة حتّى ساعات الفجر الأولى.

الثّاني: هو سعي إدارة الرّئيس الأميركيّ جو بايدن العودة إلى الاتفاق النّوويّ مع إيران، على الرّغم من أنّه يبتعد يوماً بعد يوم، بعد الرّدود السّلبيّة من الجانبيْن على المُقترح الأوروبيّ.

لا يُمكِن أن تُقدِمَ تل أبيب على خطوةٍ من هذا النوع دون تنسيق وموافقةٍ أميركيّة. إذ تندرِج الغارات أيضاً في سياق "التطمينات الأميركيّة لإسرائيل" بحرّية التحرّك ضد إيران وأذرعها في سوريا خلال مرحلة التفاوض على الاتفاق النووي.

الثّالث: سحبَت روسيا بين شهريْ تمّوز وآب منظومة دفاع جوّي S300 من منطقة مصياف وسط سوريا إلى الجبهة الأوكرانيّة. كانت هذه المنظومة خطّ أحمرٍ روسيّ نحو عُمق الشّمال السّوريّ حيث لإيران نفوذ واسع في مدينة حلب وبلدتيْ نُبل والزّهراء وريف حلب الجنوبيّ.

استغلّت تل أبيب الانشغال الرّوسيّ بجبهة موسكو الغربيّة مع أوكرانيا، وتحرّكت نحو عُمق الشّمال الذي كانَ يوماً خطّاً أحمراً روسياً - إيرانيّاً.

قبل توجيه الضّربة لمطار حلب والذي يضمّ مطاراً عسكريّاً يُدعى "مطار النّيرَب"، وتحديداً في الفترة التي شهدَت سحب الـS300، دأبت تل أبيب على استهداف منظومات الدّفاع الجوّي السّوريّة في منطقة طرطوس وحمص والتي تتألّف في غالبيّتها العُظمى من بطّاريّات S200 ومنظومة بانتسير الرّوسيّة الصّنع إفساحاً في المجال أمام صواريخها لتصل إلى العمقُ وتحديداً إلى مطار حلب.

إقرأ أيضاً: نهاية "قرنٍ ذهبي" بين إسرائيل وروسيا؟

وتزامنت الضربات الجديدة مع تعزيز موسكو قوّات شرطتها العسكريّة في المنطقة السّوريّة المُتاخمة للجولان المُحتلّ، قبل أسابيع قليلة.

خرجت وزارة الخارجية اللبنانية ببيان يدين قصف مطاري دمشق وحلب، بتعير رسميّ عن موقف حزب الله الذي يستشعر الضغط الإسرائيلي المتصاعد تجاهه.

هي مفاتيح حرب من نوع جديد على الأرض السّوريّة. والتطوّرات تشيرُ إلى أنّ ما قد يحصل في المنطقة لن يكون سهلاً. فحزبُ الله لا يُكدّسُ السّلاح ليبقى في المخازن، وإسرائيل لا تضربُ خطوط الإمداد من باب الهواية والتسلية..

وربّما تكون التّتمّة في الجولان.. ولبنان.