مجدّداً.. دار الفتوى خيمة الوطن

مجدّداً.. دار الفتوى خيمة الوطن

زياد عيتاني - الأربعاء 07 أيلول 2022

ثلاث حقائق على القريب والبعيد أن يدركها، من دون شطط أو تأويل وسباحة "خبط عشواء" عكس التيار في بحر من التحليل:

1- اجتماع دار الفتوى للنوّاب السُنّة، الذي دعا إليه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ليس موجّهاً ضدّ أحد، ولا هو بحشد عسكري أو ما شابه ذلك لاستهداف مجموعة أو أفراد.

2- اجتماع النوّاب السُنّة هو مسعى جدّيّ إلى إيجاد إطار للتفاهم على الحدّ الأدنى من المسؤوليّات الوطنية، التي تقع على أهل الأمّة، وهو لقب سُنّة لبنان، في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها هذا الكيان، حيث أصاب الاهتراء والتفتّت كلّ المؤسّسات وتحوّل اللبنانيون من مرتبة المواطنة إلى مرتبة اللجوء على أرض الوطن.

3- ما سيصدر عن اللقاء من بيان لن يكون انتصاراً لمحور ضدّ محور آخر، بل سيكون انتصاراً للوطن واتّفاق الطائف الذي بات دستوراً يحفظ الجميع ويحافظ على حقوق الجميع. ما اعتادت دار الفتوى أن تصطفّ ضمن الاصطفافات، وما شهد تاريخها يوماً أنّها تُصدِر موقفاً يُحدث الانقسام.

تقديم الدعم للقاء دار الفتوى، الذي دعا إليه المفتي دريان، واجبٌ وطنيّ ليس فقط على سُنّة لبنان، بل على كلّ المكوّنات، وكلّ من يؤمن بضرورة إنقاذ هذا الكيان، سواء أكان شيعيّاً أم مارونيّاً أم درزيّاً، وسواء انتمى إلى طائفة أم حزب أم تيّار، وحتى لو كان لا يعترف بكلّ هذه المذاهب والأديان.

ما سيصدر عن اللقاء من بيان لن يكون انتصاراً لمحور ضدّ محور آخر، بل سيكون انتصاراً للوطن واتّفاق الطائف الذي بات دستوراً يحفظ الجميع ويحافظ على حقوق الجميع

كانت دار الفتوى على مرّ الأيام ملجأً للجميع عندما تكفهرّ السماء وتعصف وتكثر التهديدات على المصير وعلى المستقبل. شواهد التاريخ كثيرة تبدأ من لحظة وقَف المفتي محمد توفيق خالد عام 1943 إلى جانب استقلال لبنان، فتوجّه من دون اتفاق إلى منزل رئيس الجمهورية بشارة الخوري معلناً مساندته له في معركة الاستقلال، مرجّحاً الكفّة لصالح الوطن على حساب الاحتلال، وتستمرّ مع المفتي الشهيد حسن خالد عندما جمع أهل السياسة في قمّة عرمون عام 1976، فحمى لبنان من الانقسام، وكان بيان القمّة فاصلاً حاسماً بأنّ في لبنان شعباً واحداً لا شعبين، ثمّ في العام 1983 حين تمسّك الجميع بخطبة المفتي الشهيد حسن خالد في صلاة العيد بالملعب البلدي، فكانت خطبته وثيقة وطنية حفظت هويّة لبنان العربية، محبطةً هلوسات ومغامرات كلّ الغربان.

اليوم في العام 2022 الذي نعيش فيه مرحلة حرجة خطيرة مليئة بالضعف والذلّ والارتهان، يتصدّى المفتي عبد اللطيف دريان بهدوئه وصلابته وحزمه جامعاً النوّاب السُنّة على موقف يحمي لبنان، ليس لأنّهم سُنّة ولا لأنّهم ينتمون إلى طائفة من الطوائف المتعدّدة، بل لأنّهم أمّة حرّاس المؤسّسات والعيش المشترك، وضمانة الأمان، فبتوحُّد كلمتهم تسقط الاصطفافات والمحاور، وهيمنة البعض على البعض الآخر بالتبادل.

لن يتحدّث بيان لقاء دار الفتوى المرتقب عن مرشّح رئاسي بعينه، ولن يكون له مرشّح بالاسم، ولن ينحاز إلى أيّ إنسان كائناً من كان، بل سيكون مرشّحه للرئاسة هو الوطن ودستوره المنبثق من اتفاق الطائف القادر على التفاهم مع الداخل والخارج، مع الغرب والعرب، بعيداً عن لغة الابتزاز والارتهان، الحَكَم قبل أن يكون الحاكم بين الناس.

مرشّح دار الفتوى واللقاء الذي ستحتضنه الدار، سيكون الوطن العادل بين كلّ أبنائه الذي تُرجم في بنود اتفاق الطائف. لا خلاص لنا جميعاً مسلمين ومسيحيين إلا به وعبره كي ننجح بالعبور معاً إلى شاطئ الأمان.

بيان دار الفتوى إن أغمضنا عيوننا فسنكون قادرين على قراءة كلماته، فلغة هذه الدار لم تختلف ولن تختلف عبر الزمان. هي لغة جمعٍ لا قسمة، لغة مواطنة لا تحازب، لغة عربيّة فصيحة خالية من مفردات الغرب وغير الغرب.

إقرأ أيضاً: لقب "مفتي الجمهوريّة" عصيّ على فهم الإيرانيّين

بيان نقرأه من دون حاجة إلى النظر إلى كلماته. هذه الدار ثابتة مهما عصفت بها الرياح والتهديدات. هي خيمة الوطن التي تظلّل الجميع بكلّ مشاريعهم ومعتقداتهم. هذا هو مذهبها وسلوكها، أبى من أبى وشاء من شاء.