الضفة تغلي وتُقلق إسرائيل.. أكثر من "النووي"

الضفة تغلي وتُقلق إسرائيل.. أكثر من "النووي"

عبير بشير* - الثلاثاء 06 أيلول 2022

الوقائع الميدانية في الضفة الغربية تثير قلق إسرائيل خشيةً من تحول الغليان فيها إلى ثورة شعبية عنيفة مرجحة للإندلاع في أي لحظة. ما رفع من وتيرة القلق الإسرائيلي هو حوادث إطلاق النار الشبه ليلية ويومية التي تستهدف مواقع وحواجز قوات الإحتلال على طرقات الضفة. والأكثر مدعاةً لهذا التحسب الإسرائيلي هو أن دخول قواتها إلى مخيمات اللاجئين فيها أو في جنين ونابلس بات يُواجه بالحجارة إلى جانب مقاومة نارية كثيفة، ناهيك عن الزجاجات الحارقة. هذه المُقاومة المُستعادة بعد غياب 15 سنة صارت تعبر عن نفسها من خلال تحصن المطلوبين في مبانٍ وشقق سرية وقرارهم المواجهة.

ووفقاً لصحيفة "يديعوت"، فإنّ "الغليان الفلسطيني" الذي تشهده الضفّة الغربية يُثير قلق المؤسسة الأمنيّة للاحتلال، أكثر ممّا يثيره "الاتفاق النووي" مع إيران وتهديدات زعيم حزب الله (السيد) حسن نصر الله، فضلاً عن مخاوف من أن يتحوّل هذا الغليان إلى انتفاضة شاملة في الضفة.

لفت موقع "واي نت" العبري إلى أنّ المسلّحين من الطراز الجديد لا ينتمون إلى أيّ تنظيم بشكل واضح، ويمكن أن يلتقطوا الصور لأنفسهم مع راية "الجهاد الإسلامي"، وفي أخرى مع "كتائب الأقصى"

من جهته، يرى جهاز الأمن الإسرائيلي أنّ الجيل الذي ينشأ في الضفة الغربية حالياً والذي يشتبك على مداخل المدن والقرى مع جيش الاحتلال، هو جيل مختلف عن جيل الانتفاضتين الأولى والثانية. وفي تقدير أجهزة الاستخبارات أنّ المنفّذين هم شبّان غير محترفين في العشرينيّات من العمر، ويعملون بقرار ذاتي ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي، فهم لا ينتمون إلى أيّ من التنظيمات المسلّحة بشكل رسمي، وهم أقرب إلى تنظيمات محلّية تُظهر مقاومتها للقوات الإسرائيلية تنفيساً عن إحباطهم وغضبهم المتراكم، وهم يتناقلون بطولاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، كما حدث مع الشهيد إبراهيم النابلسي، الذي وثّق لحظات اغتياله.

القتل الإسرائيلي يضعف السلطة ويؤجج الأوضاع

وفي كلّ مرّة تحاصر قوات الاحتلال بيتاً في مخيّم أو بلدة في الضفّة بهدف اعتقال مطلوبين، ينتهي الأمر غالباً باغتيال الملاحَقين،  وهذا ما يثير غضب سكّان الضفة. ذلك أنّ اغتيال إسرائيل للمطلوبين يؤدّي إلى امرين:

ـ أوّلاً، إلى إحراج السلطة الفلسطينية، وإضعاف حكمها، مع ما يعني ذلك من ارتفاع مستويات الفلتان الأمني.

ـ وثانياً، يؤجّج الأوضاع ويشكّل بيئة خصبة لعشرات من الناشطين الذين يودّون تقليد البطل الذي يوثّق كلّ شيء قبل اغتياله وأثناءه.

وفي هذا السياق، يرى المحلّل العسكري، ألون بن ديفيد، أنّه خلافاً للفرضية التي عملت تل أبيب على بنائها خلال السنوات الماضية، والقائمة على أنّ العديد من العوامل تساهم في تحقيق الهدوء في الضفة الغربية، مثل تحسين الوضع الاقتصادي مقارنة بغزّة، وتغيُّر الجيل (جيل الإنترنت) الذي يهتمّ أساساً بتحقيق أهدافه الخاصة، فإنّ ما نراه يدلّ على أنّ هناك توجّهاً وطنياً ومللاً من العيش في ظلّ الاحتلال. ونبّه بن ديفيد إلى أنّ إسرائيل ساهمت بنصيبها في هذا التغيير، فكلّ يوم تقريباً يبدأ بجنازة فلسطيني قُتل في احتكاك مع الجيش الإسرائيلي. وفي الأشهر الثمانية الأولى من هذه السنة، قُتل 85 فلسطينياً بنار الجيش الإسرائيلي.

الفلسطينيون يقاتلون من أجل هويتهم لا حزبيتهم

وعلى الرغم من أنّ جيش الاحتلال تمكّن من إحباط العمليات التي تخطّط لها كلّ من حركتَيْ حماس والجهاد الإسلامي في الضفّة، عبر ما يسمّيه "كاسر الأمواج)"، إلا أنه صار يجد صعوبة في التصدّي لعمليات إطلاق النار وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة التي تتمّ بشكل فردي. ومن المعروف أنّ الجيش الإسرائيلي أطلق اسم "كاسر الأمواج" على الإجراءات التي تستهدف العمليات الفدائية، وتستهدف كسر هذه السلسلة، والنيل من الروح المعنوية المتصاعدة لدى الجمهور الفلسطيني بفعل هذه العمليات، علاوة على منح الإسرائيليين شعوراً بالأمن من خلال نقل المعركة من قلب المدن الإسرائيلية إلى داخل أراضي الضفّة الغربية.

وقد انقسم نشاط قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ثلاث مهمّات حيويّة: الأولى تتمثل  في حراسة المستوطنات بالمدن الفلسطينية، والأخرى تتركز على حراسة خطّ التماس والجدار، أمّا المهمّة الثالثة فهي عبارة عن نشاط هجومي موجّه استخبارياً في عمق المنطقة لإحباط ما تسمّيه تل أبيب "أوكار الإرهاب" في المدن والقرى الفلسطينية، ولا سيّما ضمن نطاق مدينة جنين وشمال الضفّة الغربية.

يرى جهاز الأمن الإسرائيلي أنّ الجيل الذي ينشأ في الضفة الغربية حالياً والذي يشتبك على مداخل المدن والقرى مع جيش الاحتلال، هو جيل مختلف عن جيل الانتفاضتين الأولى والثانية

إسرائيل ترى "اصابع إيرانية" في تسليح الضفة

ولفت موقع "واي نت" العبري إلى أنّ المسلّحين من الطراز الجديد لا ينتمون إلى أيّ تنظيم بشكل واضح، ويمكن أن يلتقطوا الصور لأنفسهم مع راية "الجهاد الإسلامي"، وفي أخرى مع "كتائب الأقصى"، وهذا ما يحصل في جنين ونابلس، فقد بات التنظيم أقلّ أهميّة، بينما الهويّة الوطنية والقومية هي الحافز الأهمّ. وأضاف الموقع أنّ "الدور المتزايد لعناصر "الجهاد" و"فتح" في عمليات إطلاق النار وتعاونهم في ذلك يشيران إلى أنّ الفلسطينيّين يتجاوزون العقبة الحزبيّة".

غير أنّ أوساطاً إسرائيلية ترى أنّ تدفّق السلاح بكثرة على الضفّة يحمل في بعض جوانبه الأصابع الإيرانية. فقد صرّح رئيس الحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي أنّه "يجري حاليّاً تسليح الضفة الغربية بالطريقة نفسها التي جرى بها تسليح غزّة، وأوضح أن لا فرق بين هاتين المنطقتين، وأنّ الحصول على الأسلحة الآن أسهل بكثير من ذي قبل، والتكنولوجيا ليست شيئاً يمكن لأيّ شخص أن يوقف نقله ونموّه، ففي عالم اليوم تُصنع الأسلحة وتُنقل بسهولة بالغة".

إقرأ أيضاً: مطار "رامون" الإسرائيلي يستهدف الأردن

يبدو جليّاً، من حديث الميدان والوقائع والأرقام في الضفة الغربية، أنّ تقديم امتيازات اقتصادية للفلسطينيين لدفعهم إلى التعايش مع الاحتلال بدون أفق سياسي هو أضغاث أحلام، وأنّ المحاولات الإسرائيلية لدفن "الرأس في الرمال" في كلّ ما يتعلّق بالملفّ الفلسطيني، منذ عام 2009 حتى اليوم، ضرب من الهذيان. وتعرف حكومة لابيد - غانتس أنّ تقديم بادرات حسن نيّة اقتصادية أو سياسية يمكن أن يهدّئ النفوس ولو قليلاً، لكنّها تخشى أن يتمّ النظر إليها على أنّها يسارية وانهزامية في الصراع مع الليكود، وخصوصاً أنّ إسرائيل على أعتاب انتخابات الكنيست.

*كاتبة فلسطينية