أزمة العراق: أسئلة عن تحرّك "ثنائيّ" لبنان

أزمة العراق: أسئلة عن تحرّك "ثنائيّ" لبنان

محمد قواص* - الثلاثاء 06 أيلول 2022

أفرجت المواقف المتتالية التي اتّخذها زعيم التيار الصدري في العراق السيّد مقتدى الصدر، في الأسابيع الأخيرة، عن قلق شديد يرقى إلى مستوى الهلع لدى الإسلام السياسي الشيعي من طهران إلى بيروت. فقد اضطرّ الأمر إيران إلى الاستعانة بالمرجع الشيعي كاظم الحائري، ودفع زعيم حزب الله السيّد حسن نصر الله إلى التواصل مع مقتدى الصدر وتدخّل المرجع آية الله سيستاني حسب رواية وكالة رويترز.

يعود مصدر القلق إلى أنّ الأزمة تدور في العراق داخل "البيت الشيعي" وبين أطراف الإسلام السياسي الشيعي بالذات. وفيما يدور الجدل عنيفاً حول الكيفية التي يُفترض بالشيعية السياسية اتّباعها لحكم البلد والحفاظ على غلبة ما بعد غزو عام 2003، فإنّ استعار الصراع بين التيار الصدري و"الإطار التنسيقي" يشكّل سابقة خطيرة جدّاً لجهة أنّ إيران باتت طرفاً لا راعياً لشيعة العراق أيّاً كانت هويّاتهم السياسية.

أفرجت المواقف المتتالية التي اتّخذها زعيم التيار الصدري في العراق السيّد مقتدى الصدر، في الأسابيع الأخيرة، عن قلق شديد يرقى إلى مستوى الهلع لدى الإسلام السياسي الشيعي من طهران إلى بيروت

والحال أنّ الصراع - وإن اتخذ طابعاً سياسياً في ما يطلقه الصدر من دعوات لمحاربة الفساد ووقف التسيّب وقيام دولة قويّة تحتكر السلاح ضدّ الدويلة وميليشياتها المسلّحة له طابعه الديني أيضاً، ويدور حول مرجعية الشيعة الدينية، سواء في شخصية مقتدى سليل آل الصدر أو في دوّامة مصير المرجعيّات في ظلّ الحديث عن خلافة السيّدين، علي السيستاني في العراق وعلي خامنئي في إيران.

3 معالجات إيرانية لـ "إشكالية" الصدر

مرّت معالجة إيران للإشكاليّة التي تمثّلها حالة مقتدى الصدر بمراحل متلاحقة: 

- في الأولى سعت طهران إلى الزعم أنّها تنأى بنفسها عن الصراع بين الشيعة وتعتبر تيّاراتهم كلها تحت سقف النفوذ السياسي والمعنوي والديني للجمهورية الإسلامية. 

- في الثانية التي افتتحها قاسم سليماني تصرّفت إيران تصرّفاً تقليديّاً، مستعملةً تارةً الترغيب وتدوير الزوايا وطوراً الترهيب والتهديد الذي سُرّب أنّ قاآني أبلغه بشكل حاسم وحازم للصدر. 

- في الثالثة نشأت استراتيجية جديدة تستهدف سحب المشروعية الدينية من رجل السياسة مقتدى الصدر أملاً في تجريده من قوّة النفوذ التي يمتلكها عند قسم وازن كبير من شيعة العراق.

هكذا انشق الحائري

ليس الحدث العراقي الراهن تفصيلاً عابراً في تاريخ دولة ولاية الفقيه في إيران. الأمر من الجسامة بحيث استدعى أن تضغط طهران على الحائري (وفق رأي مقتدى الصدر) لتوجيه انتقادات مباشرة لزعيم التيار الصدري، ثمّ إعلان استقالته من المرجعية داعياً مقلّديه إلى اتّباع مرجعية خامنئي. 

الحائري هو المرجع الذي يقلّده التيار الصدري بناء على وصيّة والد مقتدى السيّد محمد صادق الصدر بأن يكون المرجع بعد وفاته. وعلى هذا فإنّ انتقاداته إلى الصدر وتخلّيه عن المرجعية لصالح خامنئي يهدفان إلى تجريد الصدر من مظلّة دينية ترعى أداءه السياسي وتجعل من طاعته واجباً دينياً أيضاً.



الضغط "الشيعي اللبناني" على مقتدى الصدر

وما سربه مقرّبون من طهران عن أنّ السيّد حسن نصر الله قد تواصل هاتفياً مع الصدر، يكشف مدى خطورة الأزمة التي احتاجت إلى تدخّل من بيروت بعد تدخّل طهران. وبغضّ النظر عن دقّة الزعم بأنّ اتصال نصر الله لم يكن موحى به من إيران، أو أنّ الشيخ محمد كوثراني مسؤول ملفّ العراق هو الذي تولّى نقل رسالة نصر الله إلى الصدر، فإنّ هدف الاتّصال هو ممارسة مزيد من الضغوط الدينية والمعنوية على زعيم التيار الصدري ومحاصرته بإرادات الإسلام السياسي الشيعي، والاستعانة من أجل ذلك بأشياء من الذاكرة وبمشترَكات بين الصدر ونصر الله. 

تأتي تلك الضغوط كلها على خلفيّة أجواء تلمّح إلى أنّ إيران، الحريصة جدّاً على الدفاع عن سطوتها على بلد مثل العراق وليس على شيعته فقط، مستعدّة للذهاب بعيداً واستخدام أيّ عنف ضدّ الصدريّين وضدّ الصدر بالذات، لمنع انقسام الشيعة وتمرّد بعضهم على سلطة طهران الحصريّة على الشيعة في هذا البلد. والأمر ليس احتمالاً ووجهة نظر. ذلك أنّ فقدان "معركة العراق" الشيعية يضعف آليّاً هيمنة طهران على جماعاتها من بيروت إلى صنعاء، ويفقدها حكماً نفوذاً على التيارات غير الشيعية المتحالفة معها.

ارتباك شيعي من إيران إلى لبنان

انسحب ارتباك "شيعة إيران" في العراق على نحو مباشر وسريع على "شيعة إيران في لبنان". ولا شكّ في أن حيثيّات الأمر قلقاً يستدعي من بيروت محاولة إطفاء النيران داخل "البيت الشيعي" في بغداد، لِما لتلك النيران من مفاعيل عدوى حقيقية بات "البيت الشيعي" في لبنان جاهزاً لها ومحمّلاً بكلّ عوامل التبرّم لتسعيرها.

إقرأ أيضاً: موسى ومقتدى الصدر سرديتان بنهاية متشابهة؟

كان لافتاً أيضاً أنّ تحرُّك الشيعيّة السياسية في لبنان ضمّ زعيم حركة أمل نبيه برّي الذي دعا مقتدى الصدر إلى العدول عن قرار استقالته. ولا بأس من الانخراط في مقاربة تجربة الثنائية الشيعيّة في لبنان، والتي وإن شهدت مرحلة دموية في الثمانينيّات، فإنّ "الحركة" و"الحزب" يتعايشان، وأحياناً على مضض، وتجمعهما مصالح الحكم في لبنان. بالمقابل فإنّ ثنائية التيار-الإطار في العراق ذات طبيعة طاردة متناقضة قائمة على الخلاف والخصومة والعداء.

لا يجوز التسرّع في استشراف مآلات مساعي طهران وأذرعها. لكن سيكون من الصعب وأد الصراع الذي بات دمويّاً، خصوصاً إذا ما استنتجت القيادة الإيرانية أنّ مقتدى الصدر بات خصماً نهائياً لا سبيل لضبطه واحتوائه، ولا سيّما أنّ الصدر نفسه ما برح يردّد أنّ "الإطار التنسيقي"، الموالي لإيران، بات خصماً نهائياً لتيّاره. حتى الوساطات والنداءات المتدافعة من زعيم حزب الله وزعيم حركة أمل من لبنان تكشف قلقاً لدى الشيعيّة السياسية اللبنانية، لكنّ الصدر لن يفهمها إلّا أنّها وسائل ضغط إضافية من مصدرها الأصليّ في طهران.