ثلاث استحالات لا تبني استراتيجية دفاعيّة

ثلاث استحالات لا تبني استراتيجية دفاعيّة

العميد الركن خالد حماده* - الأحد 04 أيلول 2022

تختتم هذه الدراسة سلسلة مقالات حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، تمّ عبرها إجراء قراءة نقدية لِما قدّمه الحزب خلال جلسات الحوار التي امتدّت من العام 2006 حتى العام 2014. في هذه الدراسة تمّ استعراض الثوابت المرجعيّة التي تستند إليها "ولاية الفقيه"، والتي تشكّل مجموعة استحالات لبناء استراتيجية حقيقية للدفاع عن لبنان.

 

رمى الأمين العام للحزب بموضوع الاستراتيجية الدفاعية مجدّداً خلال احتفالية "أبجديّة النصر" في 22 آب المنصرم. بدا إعلان الأمين العام للحزب عن "الاستعداد لمناقشة أيّ استراتيجية دفاعية وطنية والاتّفاق عليها" قفزة في الهواء مجرّدة من أيّ صلة بالواقع المعيش، سواء لجهة اختيار التوقيت أو الأجندات السياسية المحليّة المتشابكة بين ترسيم الحدود البحرية وتعقيدات الاستحقاق الرئاسي وإنقاذ الوضع الحكومي.

 لم يلقَ إعلان الأمين العام للحزب أيّ صدى أو اهتمام لدى الأوساط السياسية أو الإعلامية لأسباب عديدة:

أوّلاً فعل المناقشة يعني لدى الحزب الإملاء والتشبّث عند مقاربة الأزمات والإشكاليات الوطنية.

وثانياً، لم تفضِ تجربة الحوار العقيمة حول سلاح الحزب، التي ابتدأت في العام 2006 وانتهت في العام 2014، إلى أيّ نتيجة تُذكر، بل تخلّلتها تسويات ثبّتت أكثر من أمر واقع وأدّت الى مزيد من تجذّر سلاح الحزب في الحياة السياسية والأمنيّة.

وثالثاً: إطلاق أيّ نقاش جديد حول الاستراتيجية الدفاعية بعد انغماس الحزب في صراعات الإقليم التي فرضتها الجمهورية الإسلامية يجعل الحوار محكوماً بالفشل ومجرّداً من أيّة صدقيّة لغياب المرجعيّة الصالحة التي تقف وراء المشكلة.

على الحزب أن يدرك أنّ الدولة الدينية لا يمكن أن تشكّل مصدر طمأنينة في مجتمع تعدّدي مهما ارتفعت حدّة الانقسام بين المكوّنات الأقلويّة، وأنّ بناء دولة القانون هو المدماك الأول على طريق الدفاع عن لبنان

أيّ نقاش حقيقي حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية لم يعد موضوعه ومجاله ما يمتلكه الحزب من قدرات وما يفتقر إليه الجيش، ولم يعدْ محصوراً بما يمكن بناؤه على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 أو على الدروس المستفادة من حرب تموز 2006، التي ما زالت أسرار انطلاقها ومسارها ونتائجها موضع تساؤلات عديدة... بهدف تشكيل أرضيّة للمناقشة تُفضي إلى الاتّفاق على دور لسلاح الحزب ضمن منظومة الدفاع عن لبنان أو لإرساء تسوية سياسية تعزّز موقع الطائفة الشيعية في المعادلة السياسية اللبنانية الخارجة عن الدستور.

مشاركة الحزب في الحروب المفتوحة في المنطقة من اليمن إلى سوريا كجزء من محور إقليمي له سياساته ومصالحه وتحالفاته المناقضة لمصالح وسياسات الدولة اللبنانية، وتداعيات كلّ ذلك على علاقة لبنان بمحيطه العربي واقتصاده واستقراره الوطني، تستوجب مناقشةً لنهائيّة المشروع السياسي للحزب قبل أيّ شيء آخر، وحدوده في التماهي مع المقوّمات والمرتكزات السياسية والثقافية والاقتصادية للبنان كمجتمع تعدّدي، وكوطن له نظامه الديمقراطي ودستوره وهويّته العربية.

بمعنى آخر، لا يمكن أن تقتصر الاستراتيجية الدفاعية الوطنية على مناقشة كمّيّة أو نوعيّة القدرات البشريّة والمهارات الميدانيّة والتسليح لدى القوات الشرعيّة اللبنانية والحزب وإمكانيات التعاون وتوزيع الأدوار بينهما بهدف كسب مواجهة ميدانية أو تحقيق توازن في التهديد مع العدوّ، بل يجب أن تنطلق من تقييم المخاطر المترتّبة على التعايش القسري بين مشروع يطمح لبناء دولة وطنية، ومشروع آخر يعتمد أيديولوجية مذهبيّة ويتماهى مع محور إقليمي له أهدافه المعلنة، آخذةً بعين الاعتبار التداعيات على تحصين الوحدة الداخلية وتفعيل نقاط القوة الوطنية في خدمة رؤيا سياسية للبنان ومستقبل مزدهر وأسلوب حياة يُجمع عليها المواطنون.

الحوار بصيغته الحالية مطروح بين فريقين غير متكافئين. يعتقد الفريق الذي ينادي بالسيادة ويتطلّع لانضواء الحزب تحت سقف الدولة أنّ انكفاءه عن العالم العربي وقضاياه وصراعاته قد يوفّر شروطاً أفضل لإيجاد مساحة مشتركة مع الفريق الآخر، فيما يستثمر الحزب في هذا الانكفاء بالانقضاض على خصوم إيران الإقليميين، سواء في الإعلام أو بتوسيع دائرة تدخّلاته في استقرارهم وسط صمت معارضيه في الداخل.

إشكاليّات عميقة وجذريّة تمليها المرتكزات البنيويّة لولاية الفقية كمرجعيّة عقائديّة ودستوريّة للحزب، وتؤكّد عليها إخفاقات الحزب وسواه من الأحزاب السياسية على مستوى تحقيق الاستقرار وإنتاج السلطة والانتظام العام ليس في لبنان فحسب، بل في العراق واليمن وفي إيران نفسها.


خطورة "الطائفة المسلّحة"

تؤكّد التجربة التي تمتدّ لأكثر من عشرين عاماً المخاطر المترتّبة على الإبقاء على مكوّن مسلّح، تحت أيّ مسوّغ، خارج إطار القوات العسكرية الشرعية، وتُظهر أيضاً مجموعة استحالات لا يمكن تجاوزها لدى توهّم الجمع بين رؤيتين محكومتين بالصدام بحكم التقييدات المرجعيّة للحزب التي لا يمكن تطويعها أو استيعابها في إطار وطني.

- أوّلاً: استحالة الاتّفاق حول نهائيّة المشروع السياسي، وقوامها استحالة الفصل بين الحزب كحزب سياسي فاعل في لبنان وولاية الفقيه بقيادتها الدينية التي سخّرت كلّ قدرات إيران الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والبشرية والإعلامية من أجل تحقيق مشروع الجمهورية الإسلامية. لقد فسَّر الأمين العام للحزب ذلك بصراحة، حين سُئل: "كيف ينظر الحزب للبنان ولإيران؟"، فقال: "مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنّى غيره كوننا مؤمنين عقائديين هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنّما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه الإمام الخميني".

كيف يمكن التوفيق بين ما سبق وبين نهائيّة الكيان اللبناني في حدوده المنصوص عنها في الدستور، وكيف يمكن توهّم التعايش بين حرّية الاعتقاد المطلقة (المادة 9 من الدستور) وإلغاء الطائفية السياسية التي أعلنها الدستور في مقدّمته كهدف وطني أساسي وبين ما جاء في المادة الثانية عشرة من الدستور الإيراني التي تنصّ على: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب هو المذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة تبقى للأبد غير قابلة للتغيير".

السؤال الذي يطرح نفسه في أيّ حوار مع الحزب هو: كيف ندرأ تداعيات وجود حزب مسلّح، هو جزء من مشروع الجمهورية الإسلامية، على مستقبل لبنان؟ وهل تُفضي الاستراتيجية الدفاعية المنتظرة إلى تحويل لبنان إلى كيان إسلامي ملتحق بطهران؟ وفي النهاية أليس ما نعيشه اليوم هو نتاج قلق تعيشه دولة تعدّدية على هويّتها الوطنية التي تتحلّل تدريجاً لصالح هويّة سياسية لا تستطيع الخروج عن النص الديني؟

- ثانياً: استحالة الالتزام باحترام السيادة على الجغرافيا الوطنية: جاء في مقدّمة الدستور الإيراني تحت عنوان "أسلوب الحكم في الإسلام"، أنّ "الدستور يُعِدّ الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحكومات الإسلامية والشعبية حيث يسعى إلى بناء الأمّة الواحدة فـي العالم ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة فـي جميع أنحاء العالم".

تؤكّد التجربة التي تمتدّ لأكثر من عشرين عاماً المخاطر المترتّبة على الإبقاء على مكوّن مسلّح، تحت أيّ مسوّغ، خارج إطار القوات العسكرية الشرعية

تحت عنوان الجيش العقائدي نصّ الدستور الإيراني: "ولا تلتزم هذه القوات المسلّحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكميّة القانون الإلهي في العالم".

ونصّ قانون "جيش الجمهورية الإسلامية" المنشور على موقع "مركز البحوث البرلمانية لجمهورية إيران الإسلامية"، على أنّ من أهدافه: "الحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية واستقلالها ووحدة أراضيها، والحفاظ على المصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية خارج أراضي البلاد، في بحر قزوين والخليج الفارسي (العربي) وخليج عمان والأنهار والمناجم".

يفسّر النص الدستوري وما جاء في القانون المُشار إليه الدور التوسّعي للقوات الإيرانية تحت غطاء الدين. وهذا ما يؤكّده تأسيس الميليشيات في العراق ولبنان واليمن وسوريا ودعم الجماعات الإرهابية والتخريبية في مصر والبحرين، وحتى في عمق إفريقيا، وفي باكستان وأفغانستان.

هذا لا يمكن أن يلتقي مع الدستور اللبناني في مادّتيه الأولى والثانية اللتين تحدّدان حدود لبنان وعدم جواز التخلّي أو التنازل عن أيّ قسم منها. ويلاقي ذلك رفض الحزب مبدأ ترسيم أو تحديد الحدود اللبنانية - السورية الذي أقرّته طاولة الحوار الوطني (2006)، وإصراره على استباحة الحدود تحت عنوان حماية العتبات المقدّسة أو التّصدّي للإرهاب أو مساندة النظام في سوريا بأوامر من طهران. إنّ ما يعنيه الحزب بالاستراتجية الدفاعية الوطنية لا يمكن أن يكون سوى معادلة ندّيّة بين الدولة اللبنانية والحزب الذي هو جزء من استراتيجية إيرانية للتدخّل في المنطقة.

- ثالثاً: استحالة على مستوى اتّخاذ القرار بين نموذجَيْ الدستور والتكليف الشرعيّ: "الفقرات المدرجة في المادة 110 من الدستور، التي تفصّل وظائف القائد وصلاحيّاته ليست من باب الحصر في الحقيقة، إنّما من باب التمثيل".

أصل مفهوم التكليف الشرعي، كما أورده الإمام الخميني في "شؤون وصلاحيّات الوليّ الفقيه"، يتّضح في قوله: "إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنّه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي منها، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا". جاء كلام الخميني في النجف قبل الثورة الإسلامية في إيران، وبعد الثورة كرّس الإمام هذا المبدأ في مناسبات عدّة. وبعد وفاته اجتمع مجلس الشورى وكرّس ولاية الفقيه في الدستور تكريماً لـ"مفجّر الثورة".

التكليف الإلهي: الله مكلّفني

بالعودة إلى المادة 110 من الدستور فإنّ إعلان الحرب والسلام والنفير العامّ هو من صلاحيّات المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ومن هنا يصبح الحكم بحسب ولاية الفقيه تكليفاً شرعياً من الله. وهذا ما أكّده أخيراً الأمين العام للحزب في معرض تبرير القرارات المتّخذة في مسألة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وردّه على السؤال المطروح دائماً: "من كلّفك بالدفاع عن لبنان"، بالقول "أنا الله مكلّفني". هذه لم تكن زلّة لسان، بل خروجاً مقصوداً عن منطق "التقيّة" للقول إنّ الحزب يستند إلى تكليف إلهي.

جاهر الأمين العام للحزب في أكثر من مناسبة بولائه المطلق للولي الفقيه علي خامنئي، خليفة روح الله الخميني الذي يعتبر أنّ "ولاية الفقهاء على الناس مجعولة من قبل الله كولاية الرسول والأئمّة من أهل البيت"، وأنّها "ولاية دينية إلهيّة". وهذا ما يعزّز فهم كلام الأمين العام للحزب عن تكليف إلهي بـ"الدفاع عن لبنان" والتحدّث نيابة عن الدولة والشعب اللبناني، وهذا يعني إلغاء التشريعات والقوانين الوضعية ومعها الدولة والدستور، ويجعل الأمور كلّها في يد الله… وحزبه. وهذا يعني أنّ الحوار بشأن الاستراتيجية الدفاعية هو حوار مع مَن يمثّل الله، وهذا ما لا يمكن أن يُقابَل إلا بالرضوخ وتأدية فروض الطاعة.

تفتح هذه الاستحالات الثلاث النقاش حول تجارب تحويل الهويّة الدينية إلى رابطة سياسية عابرة للحدود والأوطان، ليس على الساحة الشيعية فحسب، بل على الساحتين السنّية والشيعية على السواء، وما آلت إليه الهويّات المتفجّرة في العالم العربي، ليطال النقاش حضور الديني والمقدّس في ميادين السياسة والاجتماع العربي والإسلامي.

فنظريّة الإمامة الإلهية لدى الشيعة التي تقابلها نظريّة الخلافة النبويّة لدى السُنّة، كانت أولى نتائجها الاستبداد الذي أدّى إلى نهب الثروة العامّة والاصطفاف الطائفي، والعنف والتعصّب، وفتح الباب واسعاً أمام حركات التمرّد المسلّحة والتطرّف والتكفير. وهذا ما قاد إلى سلسلة طويلة من الصراعات الدمويّة على السلطة، وإهدار الطاقات الاقتصادية، وتدمير العمران، وسقوط مفاهيم الانتظام العامّ والدولة والقانون، والتخلّف في كلّ المجالات الحضارية.

العبور نحو نقاش حقيقي للاستراتيجية الدفاعية الوطنية لا يمكن أن يأخذ طريقه إلا من خلال الاعتراف بفشل كلّ المقاربات السابقة، وأنّ المطلوب ليس البحث عن تسوية سياسية لاستيعاب السلاح مقابل مكاسب سياسية لفريق سياسي، بل إنّ حدود هذه الاستراتيجية هي الدفاع عن لبنان بقدرات اللبنانيين وبقرارهم الموحّد وبما يحترم الدستور والقوانين النافذة. وهذا يتطلّب الاعتراف باستحالة التطبيع بين المواطنة الحقيقية والانتماء قولاً وممارسةً لأيّ محور خارجي، واستحالة التعايش الطوعي بين ولاية الفقيه والدستور.

على الحزب أن يدرك أنّ الدولة الدينية لا يمكن أن تشكّل مصدر طمأنينة في مجتمع تعدّدي مهما ارتفعت حدّة الانقسام بين المكوّنات الأقلويّة، وأنّ بناء دولة القانون هو المدماك الأول على طريق الدفاع عن لبنان. إنّ مشهد الاقتتال الذي تعيشه بغداد وبعض مدن جنوب العراق يثبت استحالة التعايش بين القوى السياسية الشيعية المسلّحة وعجزها عن إقامة نظام سياسي مستقرّ، بعدما استنزفت الدولة والثروة الوطنية بالتوافقية. وهو يعكس في الوقت عينه الصدام المحتوم بين النظام الديمقراطي الذي يستمدّ شرعيّته وآليّات صنع القرار من مؤسّساته الدستورية وبين الأيديولوجية المقدّسة للأحزاب المرتبطة بالجمهورية الإسلامية التي تستمدّ قدرتها على التعطيل من إرادة خارجية ولا تقيم اعتباراً للسيادة الوطنية.

إقرأ أيضاً: الحزب والاستراتيجية الدفاعيّة.. العابرة للحدود

لا يمكن أن تنأى أيّ استراتيجية دفاعية قابلة للحياة عن الأخذ بعين الاعتبار عروبة لبنان والوضع الإقليمي برمّته وموازين القوى الجديدة، لا سيما ثقل ودور الدول العربية الصاعدة التي أصبحت جزءاً من الاستقرار الاقتصادي والأمني ليس على مستوى العالم العربي، بل على مستوى العالم برمّته.

إنّ تمسّك اللبنانيين بالمشاركة في الدفاع عن لبنان قد يشكّل مشروعاً قابلاً للحياة في ظلّ استراتيجية وطنية للمقاومة اللبنانية تقرّها الحكومة اللبنانية وتضع شروط تدخّلها وإمْرَتها وتشرف على تسليحها بما يُسقط طابعها المذهبي ودورها العابر للحدود.

 

* مدير المنتدى الاقليميّ للاستشارات والدراسات