انتكاسة الصدر: نار "الفوضى الأهلية" تحت الرماد؟

انتكاسة الصدر: نار "الفوضى الأهلية" تحت الرماد؟

فلاح الحسن - السبت 03 أيلول 2022

مجموعة قرارات وخطوات تكتيكية اتخذها زعيم التيار الصدري السيد متقدى الصدر منذ  15 تشرين الأول 2021، بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة، كانت تهدف الى حسم الموقف لمرة واحدة ونهائية مع قوى "الاطار التنسيقي" الذي يضم الاحزاب والفصائل الشيعية المقربة من ايران، وإخراجها من موقع القرار.وذلك بعد ان لعب "الإطار" دورا معادياً له، بأن عرقل مشروعه السياسي الذي حاول بلورته مع حليفيه، "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني، و"تحالف سيادة" بزعامة مشتركة من رئيس البرلمان محمد الحلبوسي وخميس الخنجر في تحالف ثلاثي حمل اسم "انفاذ وطن". قام مشروع الصدر، الفائز بالانتخابات النيابية، على اساس تشكيل حكومة اغلبية وطنية، تضع القوى الاخرى خارج هذا التحالف في خانة المعارضة من داخل المنظومة. الا ان هذه الخطوات انتهت به الى القرار الاخير بـ"اعتزال العمل السياسي بشكل نهائي". 

حاول الصدر من خلال الخطوات السياسية والحوارات التي خاضها مع "الاطار التنسيقي" ان يحقق اهدافه من دون اللجوء الى هدم آخر جسور التواصل مع خصومه في قوى الاطار. غير ان صمود الاطار امام ضغوط الصدر وفشل كل محاولات تفكيكه، دفعت الزعيم الصدري لاستخدام سلاح الشارع وتصعيد حراكه واعطائه طابع الشعبية.

قام مشروع الصدر، الفائز بالانتخابات النيابية، على اساس تشكيل حكومة اغلبية وطنية، تضع القوى الاخرى خارج هذا التحالف في خانة المعارضة من داخل المنظومة

كيف نفّذ الصدر ردّه على تعطيل نتائج الانتخابات؟

1- كانت اولى خطواته أن دخل جمهور المؤيدين له الى مبنى البرلمان وعطّلوه وعطّلوا الحياة التشريعية، بعدما "تجاهلت" قوى "الإطار" استقالة النواب الصدريين الفائزين بالانتخابات في الدوائر الشيعية، وقرّرت أن تستبدلهم" بالقانون، وأن تفرض مرشّحها لرئاسة الحكومة.

2- لاقاه بذلك رئيس البرلمان في منتصف الطريق معلناً تعليق اجتماعات وجلسات البرلمان الى اجل غير محدد. خاصة بعد ان وجد الصدر ان الطرف الخصم استوعب خطوته استقالة نواب الكتلة الصدري المكونة من 73 نائبا فسارع الى ملء الفراغ وتعيين نواب بدلاء بالتعاون مع المحكمة الاتحادية العليا. وكان تحركه مدفوعا بالخوف من امكانية ذهاب "الاطار" الى استكمال الاستحقاقات الدستورية من دون التيار خاصة بعد امتلاكه الاغلبية النيابية المقررة، ما يعني خروجه من العملية السياسية.

3- تعطيل العمل البرلماني: ترافق مع دعوة قضائية من التيار لحل البرلمان. الا ان عدم تجاوب القضاء الاعلى مع هذه الدعوة واللجوء الى تأجيل النظر فيها، دفعت الصدر لاتخاذ خطوة محاصرة مبنى مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية، في محاولة للضغط عليها وتعطيلها. الا ان لجوء رئيسها القاضي فائق زيدان للتصعيد، اجبر الصدر على التراجع. وهذه الخطوة سببّت له الكثير من الحرج مع حلفائه والعواصم الدولية المعنية بالوضع العراقي، إضافة لاستخدامه عناصر ومقاتلي سرايا السلام الجناح العسكري للتيار في محاصرة القضاء.

4- هناك انتقل الصراع بين الصدر و"الاطار التنسيقي" الى معركة "شارع مقابل شارع"، و"تظاهرة مقابل تظاهرة"، و"حشد واعتصام مقابل حشد واعتصام". إذ حشدت قوى "الإطار" جماهيرها في الشوارع، فعطّلت "الشارع" كأحد أدوات المواجهة.

 

5- بعد فشل محاولة تعطيل القضاء ومحاصرته واجباره على اعلان حل البرلمان تمهيدا لاعلان انتخابات مبكرة جديدة، وما اسفرت عنه هذه المحاولة من نتائج سلبية، اعلن الصدر اعتزاله الحياة السياسية وتنصله من كل الاعمال التي قام بها جمهوره سواء في تعطيل البرلمان او في محاولة احتلال مباني المجمع القضائي. وهي محاولة من الصدر لإبعاد نفسه عن المسؤولية القانونية والجزائية وحتى الاخلاقية عن الاحداث التي وقعت. خاصة بعد ان لجأ رئيس مجلس القضاء الاعلى فائق زيدان الى تسطير مذكرات جلب واعتقال بحق 312 شخصاً من التيار الصدري بينهم قيادات من الصف الاول.

6- بعد تعطيل البرلمان ومحاولة تعطيل القضاء، ذهب الصدر الى خيار تصعيدي جديد يهدف لاسقاط رمزية "المنطقة الخضراء" باعتبارها مجمعا للمؤسسات السيادية والحكومية. فكانت خطوة الاستيلاء على القصر الجمهوري ورمزيته كمقرّ للحكومة التي يرأسها مصطفى الكاظمي. وهي خطوة كانت مدعومة بشكل علني وواضح من عناصر "سرايا السلام" الصدرية، بكامل عتادهم العسكري والقتالي. ما أدّى الى حصول مواجهات عسكرية بين هذه العناصر والقوات الحكومية بكل صنوفها، كونها تتولّى حماية هذه المنطقة. وانتهت الى سقوط اكثر من خمسين قتيلا من الطرفين وعشرات الجرحى.

خمسة عشر ساعة من المعارك الضارية والعنيفة عاشتها العاصمة بغداد، استخدمت خالها "سرايا السلام" الصدرية كل انواع الاسلحة والقذائف والصواريخ في المنطقة الخضراء. ولو استمرّت كانت ستفتح الباب على جحيم يهدّد مستقبل العراق ويدفع إلى انهياره السريع. الامر الذي استنفر كل القوى الداخلية والاقليمية والدولية، لوقف هذا الانهيار، الذي بدا بلا أفق سياسي ومن دون نتيجة عملية.

7- هنا لعب الإيرانيون "ورقة مخفية": رسالة السيد كاظم الحائري، الذي يعتبر المرجعية الروحية والدينية للتيار الصدري وزعميه، بناءً على وصية السيد محمد صادق الصدر والد مقتدى. فقد دخل على الخطّ فنزع الشرعية الدينية عن حركة مقتدى السياسية وعن قيادته وزعامته للخط الصدري، بأن أعلن "تجيير" مرجعيته الدينية إلى قم، وتحديداً إلى "الوليّ الفقيه" في إيران. ما دفع متقدى الصدر لعقد مؤتمره الصحافي السريع والمتقضب ليلعن إنهاء الاعتصامات وإخلاء مبنى البرلمان ومحيط المنطقة الخضراء. وجاء في كلامه تقريع لجناحه العسكري في "سرايا السلام"، حين اعتبر أنّ "القاتل والمقتول في النار"، في موقف يعيد التأكيد على محاولته إخلاء المسؤولية القانونية عن نفسه.

بعد تعطيل البرلمان ومحاولة تعطيل القضاء، ذهب الصدر الى خيار تصعيدي جديد يهدف لاسقاط رمزية "المنطقة الخضراء" باعتبارها مجمعا للمؤسسات السيادية والحكومية

معركة بغداد السريعة

كانت قاسية معركة "المنطقة الخضراء"، على الرغم من القرارات الحازمة التي صدرت عن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الى القوات المسلحة بعدم استخدام الاسلحة والعنف في التصدي للمتظاهرين السلميين، بصفته القائد الاعلى للقوات المسلحة، وبسبب حجم القوات التي حشدتها "سرايا السلام" في محيط هذه المنطقة والعتاد الذي استخدمته. إلا أنّ المفاجأة التي اصطدم بها المقتحمون كانت في حجم المقاومة التي واجهتهم، ونفّذها عناصر الفرقة الخاصة بحماية المنطقة الخضراء وصفوف القوات المسلحة، بما فيها "الحشد الشعبي". كلّ هذا أفشل خطة الاستيلاء على المباني الحكومية الحساسة ومحاصرة قيادات "الاطار التنسيقي" من ساكني هذه المنطقة.

معركة بغداد كشفت عدداً من الحقائق السياسية والامنية والعسكرية، لعل ابرزها، اسقاط الوهم الذي احاط قوات سرايا السلام، الجناح العسكري للتيار الصدري. إذ بدت عاجزة عن تغيير المعادلة السياسية لصالح فريق ضد آخر داخل المكون الشيعي. فضلاً عن أنّها كبحت المسار السياسي والشعبي الذي لجأ اليه الصدر لمحاصرة خصومه واخراجهم او ابعادهم عن العملية السياسية والتأسيس لمرحلة جديدة يكون هو المسيطر والمتحكم بتفاصيلها. الى جانب انها كرست حقيقة استقلالية المؤسسة العسكرية في الدفاع عن رمزية الدولة ومؤسساتها في وجه اي طرف من الاطراف. ولعل الثابت الاساس الذي خرجت به هذه المعركة، هو عدم امكانية العودة الى سياقات الانقلاب العسكري لفرض الارادة السياسية لاي طرف، وبالتالي صعوبة الانقلاب على الآليات الديمقراطية والسلمية في تداول السلطة.

بانتظار الانتهاء من مراسم اربعينية الحسين (العشرين من شهر صفر، الثامن عشر من أيلول)، هي المهلة التي اعطتها القوى السياسية من مختلف المكونات لنفسها، لاعادة تفعيل العملية السياسية واستكمال الاستحقاقات الدستورية. وهي تراهن فيها على امكانية التوصل الى اتفاق او تفاهمات تساعد على انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس جديد للوزراء وتشكيل حكومة جديدة تعمل مع البرلمان على اعادة النظر في قانون الانتخابات، وحتى في تركيبة المفوضية المستقلة للانتخابات، وتحديد موعد لاجراء انتخابات برلمانية مبكرة جديدة.

حتى تتحقّق هذه الخطوات، يبدو ان الساحة العراقية ستشهد جهودا حثيثة لاستيعاب تداعيات معركة بغداد وبعض المحافظات. قد يكون على جميع القوى استيعاب الانتكاسة التي اصيب بها الصدر ومشروعه السياسي والامني، وعدم تحويله الى هزيمة، وبالتالي التفتيش عن آليات استيعابه في العملية السياسية، بعيدا عن شروطه المتشددة والاقصائية او الانقلابية، بما يساعد على اعادة انتاج العملية السياسية على قاعدة تسووية تضمن مشاركة الجميع.

إقرأ أيضاً: الإمام المغيّب (2): فحوص DNA وروايات متناقضة... ما علاقة إيران؟

ولعل المؤشرات على معالم المرحلة المقبلة بدأت بالظهور مبكراً، في ظل التفاف الصدر على قرار اعتزاله من خلال المواقف التي يطلقها وزيره "محمد صالح العراقي" والتي تركز تصويبها على قادة "الإطار"، وأبرزهم زعيم دولة القانون نوري المالكي وزعيم عصائب اهل الحق قيس الخزعلي وميليشياته، في مقابل تراجع هؤلاء ودعوتهم للابتعاد عن العصبيات والشتائم... وصولا الى اعلان الخزعلي اقفال وتعطيل جميع مكاتب ومقرات ميليشياته في كل العراق، منعا لأيّ تصادم مع التيار الصدري. كلّ هذا في ظل معلومات عن حصول صراعات داخل هذا التيار وبين سرايا السلام وحالات عصيان وتمرد بعد الانتكاسة التي لحقت بهم في معركة بغداد.

في المقابل، لن يوقف "الاطار التنسيقي" مساعيه للاستثمار في هذه النتائج وتوظيفها في تسريع عملية استكمال الاستحقاقات الدستورية وتشكيل الوزارة الجديدة من دون التخلي عن مرشحه لهذا المنصب، محمد شياع السوداني، حتّى الآن. إذ يدعمه موقف اقليمي من حليفه الايراني الذي دعا "الاطار" الى تسريع اجراءات الاستحقاقات الدستورية والانتقال الى مرحلة الاستقرار في العمل الحكومي.