فشل العقوبات الغربيّة على روسيا

فشل العقوبات الغربيّة على روسيا

هشام عليوان - السبت 03 أيلول 2022

تدور حرب استنزاف على جبهة طولها ألف كيلومتر من الموت والدمار، مذ غزا الجيش الروسي أوكرانيا قبل ستة أشهر. بموازاة ذلك، يدور صراع اقتصادي هو من الشراسة والاتّساع، إلى حدّ لم نشهد مثله منذ أربعينيّات القرن الماضي، بحيث تحاول الدول الغربية شلّ اقتصاد روسيا البالغ حجمه 1.8 تريليون دولار بترسانة جديدة من العقوبات. إنّ تأثير هذا الحظر هو مفتاح مآل حرب أوكرانيا. لكنّه يكشف أيضاً عن قدر كبير من قدرة الديمقراطيات الليبرالية على إبراز قوّتها عالميّاً في أواخر عشرينيّات هذا القرن وما بعده، بما في ذلك ضدّ الصين. لكن ممّا يثير القلق أنّ حرب العقوبات لا تسير حتى الآن كما هو متوقّع.

فمنذ شباط الماضي، أطلقت أميركا وأوروبا وحلفاؤهما العنان لوابل غير مسبوق من العقوبات التي تطال آلاف الشركات والأفراد الروس، إضافة إلى تجميد نصف احتياطيات روسيا من العملة الصعبة والبالغة 580 مليار دولار. ومعظم مصارفها الكبرى معزولة عن نظام المدفوعات العالمي. لم تعُد أميركا تشتري النفط الروسي، وسيدخل الحظر الأوروبي عليه حيّز التنفيذ بشكل كامل في شباط المقبل. الشركات الروسية ممنوعة من شراء مُدخلات الصناعة من المحرّكات إلى الرقائق. يواجه الأوليغارشيون والمسؤولون الروس حظر السفر، وتجميد الأصول. استولت فرقة العمل الأميركية "KleptoCapture" على يخت فاخر، ربّما كان على متنه بيضة فابرجيه Fabergé egg، (نوع من المجوهرات الغالية الثمن).

منذ شباط الماضي، أطلقت أميركا وأوروبا وحلفاؤهما العنان لوابل غير مسبوق من العقوبات التي تطال آلاف الشركات والأفراد الروس، إضافة إلى تجميد نصف احتياطيات روسيا من العملة الصعبة والبالغة 580 مليار دولار

الأهداف الإستراتيجية للعقوبات

بالإضافة إلى إرضاء الرأي العام الغربي، فإنّ هذه الإجراءات لها أهداف استراتيجيّة. كان الهدف القصير المدى، في البداية، هو إطلاق أزمة في السيولة، وميزان المدفوعات في روسيا، الأمر الذي من شأنه أن يجعل من الصعب تمويل حرب أوكرانيا، ويسهم في تغيير حوافز الكرملين. على المدى الطويل، كان القصد إضعاف القدرة الإنتاجية والتقدّم التكنولوجي لروسيا، بحيث إذا كان فلاديمير بوتين يطمح إلى غزو دولة أخرى، فلن يكون لديه سوى موارد أقلّ. الهدف النهائي هو ردع الآخرين عن شنّ الحروب.

وراء هذه الأهداف الطموحة، تكمن عقيدة جديدة للقوّة الغربية.

لقد ولّت منذ زمن بعيد لحظة القطب الواحد في النظام الدولي في تسعينيّات القرن الماضي، عندما كان تفوّق أميركا بلا منازع. وتضاءلت شهيّة الغرب لاستخدام القوة العسكرية منذ حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003. ويبدو أنّ العقوبات تقدّم الإجابة الملائمة من خلال السماح للغرب بممارسة السلطة من خلال سيطرته على الشبكات المالية والتكنولوجية في قلب اقتصاد القرن الحادي والعشرين. على مدار العشرين عاماً الماضية، استُعملت تلك العقوبات ردّاً على انتهاكات حقوق الإنسان، وعُزلت إيران وفنزويلا، ووُضعت العوائق أمام شركات مثل هواوي Huawei. لكنّ الحظر المفروض على روسيا يرفع الإجراءات إلى مستوى جديد، بهدف شلّ حركة الاقتصاد الحادي عشر في العالم، وأحد أكبر مصدّري الطاقة والحبوب وسلع أخرى.

نتائج العقوبات

ما هي مآلات العقوبات على روسيا؟ في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، ستؤدّي العزلة عن الأسواق الغربية إلى فوضى في روسيا. فبحلول عام 2025، قد يجري إيقاف خُمس الطائرات المدنية عن العمل بسبب نقص قطع الغيار. سيتأخّر تطوير شبكات الاتصالات، وستغيب العلامات التجارية الغربية عن المستهلكين. وبينما تستولي الدولة وكبار رجال الأعمال على الأصول الغربية، من مصانع السيارات إلى محالّ ماكدونالدز، فستزدهر رأسمالية المحسوبيّة. تخسر روسيا بعض أفضل الموهوبين من مواطنيها، الذين يفرّون من واقع الديكتاتورية، مع احتمال أن تصبح بلادهم محطة وقود للصين.

تكمن المشكلة في أنّ الضربة القاضية لم تتحقّق. فصندوق النقد الدولي يتوقّع أن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي لروسيا بنسبة 6% في عام 2022، وهو أقلّ بكثير من الانخفاض الذي توقّعه كُثُر في آذار الماضي، أي 15%، أو بالنظر إلى الركود في فنزويلا. ستولّد مبيعات الطاقة فائضاً في الحساب الجاري قدره 265 مليار دولار هذا العام، وهو ثاني أكبر فائض في العالم بعد الصين. حالياً ، فقد استقرّ النظام الماليّ الروسي. وتبحث الدولة الروسية عن مورّدين جدد لبعض البضائع، بما في ذلك الصين. في هذه الأثناء، قد تؤدّي أزمة الطاقة في أوروبا إلى حدوث ركود. فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي هذا الأسبوع بنسبة 20% أخرى، حين قلّصت روسيا الإمدادات.

تضاءلت شهيّة الغرب لاستخدام القوة العسكرية منذ حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003

سياسة حشد الموارد لامتصاص العقوبات

اتّضح أنّ سلاح العقوبات فيه عيوب. أحدها هو الوقت المطلوب لظهور النتائج. فحظر الوصول إلى التكنولوجيا التي تحتكرها الشركات الغربية يستغرق سنوات كي يتبدّى أثره، كما أنّ الأنظمة الاستبدادية جيّدة في امتصاص الضربة الأوّليّة للعقوبات لأنّها تستطيع حشد الموارد. ثمّ هناك ارتداد عكسي للعقوبات. وعلى الرغم من أنّ الناتج المحلّي الإجمالي للغرب يجعل اقتصاد روسيا قزماً، إلا أنّه ليس هناك رغبة في إبعاد بوتين عن منافذ الغاز. وأكبر عيب في العقوبات هو أنّ الحظر الكامل أو الجزئيّ لا يُطبّق من قبل أكثر من 100 دولة تمثّل 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. يتدفّق نفط الأورال إلى آسيا. تمتلئ دبي بالأموال الروسيّة. ويمكنك السفر مع شركة طيران الإمارات وغيرها إلى موسكو سبع مرّات في اليوم. الاقتصاد المعولم جيّد في التكيّف مع الصدمات والفرص، خاصة أنّ معظم الدول لا ترغب في تبنّي السياسة الغربية.

صعوبة المواجهة مع الصين

لذلك علينا أن نتجاهل أيّ أوهام عن أنّ الغرب يمكن أن يستعمل أدوات بخسة الثمن وغير متكافئة لمواجهة الصين، وهو نظام استبدادي أكبر. فمن أجل ردع الصين عن غزو تايوان أو معاقبتها إن فعلت ذلك، يمكن للغرب أن يستولي على الاحتياطيات النقدية للصين، والبالغة 3 تريليونات دولار، وأن يفصل بنوكها عن النظام العالمي. ولكن، كما هو الحال مع روسيا، من غير المرجّح أن ينهار اقتصاد الصين. بل يمكن للحكومة الصينية أن تنتقم من الغرب عبر حرمانه من الإلكترونيات والبطاريات والمستحضرات الصيدلانية، على سبيل المثال، وترك رفوف وول مارت Walmart فارغة، وإثارة الفوضى. وبالنظر إلى أنّ الدول التي تعتمد على الصين تجارياً هي أكثر من التي تعتمد على أميركا بوصفها أكبر شريك تجاري لها، فإنّ فرض حظر عالمي على الصين سيكون أصعب من فرضه على روسيا.

وبدلاً من ذلك، فإنّ الدرس المستفاد من أوكرانيا وروسيا هو أنّ مواجهة الأنظمة الاستبدادية العدوانية تتطلّب العمل على عدّة جبهات. القوّة الصلبة ضرورية. لكن على الديمقراطيّات أن تقلّل من تعرّضها لنقاط الاختناق لدى الخصوم. تلعب العقوبات دوراً حيويّاً، لكن على الغرب أن لا يسمح بانتشارها. كلّما خافت الدول من الغرب غداً، قلّ استعدادها لفرض الحظر على الآخرين اليوم.

إقرأ أيضاً: الفخّ الصينيّ للولايات المتحدة

ما وراء الحصار

النبأ السارّ هو أنّه بعد 180 يوماً من الغزو تتكيّف الديمقراطيات مع هذا الواقع. تتدفّق الأسلحة الثقيلة إلى أوكرانيا، ويعمل الناتو على تحصين حدود أوروبا مع روسيا، كما تسعى أوروبا إلى تأمين مصادر جديدة للغاز، وتسريع التحوّل إلى الطاقة النظيفة. وبالتوازي تعمل أميركا على تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الصينية، وتحثّ تايوان على تحسين دفاعاتها العسكرية. ما هو مهمّ هو أنّ كلّ حكم استبدادي، ليس أقلّ منه الصين في عهد شي جين بينغ، يدرس أيضاً حرب العقوبات على روسيا، وينشغل في تعلّم الدروس نفسها.

تمثّل أوكرانيا حقبة جديدة من صراع القرن الحادي والعشرين حيث تتشابك العناصر العسكرية والتكنولوجية والماليّة. لكنّها ليست حقبة يمكن للغرب أن يفترض فيها تفوّقه. لا أحد يستطيع مواجهة العدوان من خلال الدولارات، وأشباه الموصلات وحدها.

لقراءة النص الأصلي اضغط هنا