لماذا يخاف المثقف العربي من تناول الحاضر؟

لماذا يخاف المثقف العربي من تناول الحاضر؟

فاروق يوسف* - الجمعة 02 أيلول 2022

يكتب بعض الشعراء والروائيّين العرب أعمالاً أدبيّة في هجاء الأنظمة السياسية التي لم يعُد لها وجود وحلّت محلّها أنظمة من طبيعتها الرثاثة والفساد والعجز عن الخروج من حالة الفوضى السياسية والاقتصادية التي ضربت المجتمعات بالركود والسلبيّة واليأس. فهل ذلك هو الدور الحقيقيّ الذي يجب أن يلعبه المثقّف في مواجهة التحوّلات التاريخية التي تتّسم بطابع مصيري؟.

 لا بأس. من الضروريّ أن تكتب سيرة الألم، لكن ما من نفع في التفرّغ لهجاء الديكتاتور. لقد اختفى ذلك الديكتاتور من غير أن يسمع كلمة واحدة في هجائه. كلّ ما سمعه في حياته هو مديح زائف من أصحابه يعبّر عن انتهازية فاضحة. حدث ذلك مع القذّافي وحافظ الأسد وصدّام حسين.

"إذا قال صدّام قال العراق"، ذلك هو آخر ما تذكّره الرئيس العراقي قبل مقتله. كيف يمكن أن يكون هناك هناك عراق من غير طاغيته؟ لم نقرأ شيئاً عن تلك الدولة الأمنيّة بكلّ عنفها وهمجيّتها وقسوتها وشراسة عبثيّتها إلا بعدما رحل الطاغية.

الخوف ماضياً وحاضراً يتكرر

هل كان الخوف من أجهزة تلك الأنظمة الطويلة اليد هو السبب الذي يجعل المثقّفين الآن يقومون من سباتهم ليتذكّروا ما مرّ من أهوال أم هم يمارسون اللعبة نفسها فيعودون إلى الماضي من أجل أن لا يمسّوا الحاضر بكلّ انحطاطه وهزاله وتفاهته وانهياراته؟ الخوف نفسه يتكرّر بصور مختلفة.

لقد صمت المثقّفون الذين لم يساهموا في حفلة المديح في مواجهة الاستبداد. صمتوا خوفاً على الرغم من أنّ معظمهم يقيم خارج مظلّة الأنظمة ومن الصعب أن تصل إليهم أجهزتها.

 قلّة هي تلك التي قرّرت أن تستعين بحواسها الحيّة لتحليل ما يجري من حولها والنظر بعينين نقديّتين إلى الأطراف السياسية المهيمنة المسؤولة عن الانهيار الشامل الذي تعيشه المجتمعات العربية

عبر سنوات حكم البعث في العراق وسوريا الطويلة والثقيلة لم تُكتب رواية واحدة تعبّر عن المعاناة التي كان يعيشها الناس العاديون وقد وقعوا فريسة عجزهم عن مغادرة بلدانهم التي صار جحيماً.

كان مثقّفو الخارج ينظرون إلى مَن بقي في البلاد باعتباره متواطئاً ومستفيداً من النظام. في حقيقة الأمر لم يفعل أولئك المثقّفون في منافيهم سوى ما كانوا يفعلونه في أوطانهم. كانوا يخونون الحرّية التي مُنحت لهم من غير أن يتعبوا في الحصول عليها. لم يكونوا أحراراً في الكتابة مثلما هم في واقع حياتهم اليومية.  

تلك هي صورة المثقّف العربي الذي يزعم أنّه كان معارضاً لأنظمة الاستبداد وصار يكتب ضدّها بعدما رحلت. الأدهى من ذلك أنّ البعض منهم صار ينظر إلى ماضيه الشخصيّ فيرى حشوداً من رجال المخابرات وهي تطارده من بلد إلى آخر.

ذلك جزء من سيرة شخصية ملفّقة صدّقتها الدوائر الثقافية في دول اللجوء فأغدقت عليهم هباتها. والمضحك في الأمر أنّ البعض صدّق أكاذيبه فصار يرويها في مجالسه الخاصة، الأمر الذي جعله موقع سخرية.

المثقف العربي والخوف التقليدي

وإذا كان المثقّف العربي يفضّل العيش في الماضي ويترفّع عن النظر إلى الحاضر فلأنّه ما يزال مسكوناً بالخوف التقليدي الذي يمنعه من النظر إلى وقائع الحاضر خشية أن يضطرّ إلى اتّخاذ موقف يجلب عليه المصائب.

 قلّة هي تلك التي قرّرت أن تستعين بحواسها الحيّة لتحليل ما يجري من حولها والنظر بعينين نقديّتين إلى الأطراف السياسية المهيمنة المسؤولة عن الانهيار الشامل الذي تعيشه المجتمعات العربية.

إقرأ أيضاً: "المقاومات" ومدنها الكئيبة

لا ضرورة للانهماك في السياسة والاقتصاد للتعرّف على تفاصيل الكارثة. فتلك الكارثة تتجلّى أيضاً في كلّ أنواع الفنون والآداب التي لا يمكن القول إنّها في وضع يدعو إلى التفاؤل. فالانهيار لا يمكن تجزئته، وإذا ما عرف المثقّف أنّ النقد الأدبي أو الفنيّ لا يمكن أن يكون حرّاً ومستقلّاً عن طريق فصله عن النقد السياسي فإنّه سيجيب على أسئلة الحاضر متخلّياً عن أوهام البطولة المرتبطة بماضٍ صار جزءاً من التاريخ.